٢ - أن عقد القلب على الحكم واعتقاد الحقيَّة فيه يصلح أن يكون مقصودًا منفصلًا عن الفعل، كما أن عزيمة القلب قد تصير قربة بلا فعل، وإذا كان الأمر كذلك فنسخ الحكم قبل التمكن منه لا يلزم منه اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في وقت واحد؛ لأنه لا يثبت حقيقة الحسن للفعل المأمور به بالتمكن من الفعل قبل وجوده؛ لأن الحسن صفة له فلا يتحقق قبل وجوده. ولا بد للنسخ من تحقق المأمور به ليكون الناسخ بيانًا لانتهاء حسنه، ثم لما جاز النسخ بلا خلاف بعد التمكن من الفعل قبل حصول حقيقته، لا بد من أن يكون صحته مبنيةً على كون الاعتقاد مقصودًا بالأمر كالفعل، ليصلح الناسخ بيانًا لانتهاء حسنه، إذ لم يصلح أن يكون بيانًا لانتهاء حسن الفعل؛ لاستحالة انتهاء الشيء قبل وجوده (^١).
ب- ولأن الأمر لا بد له من فائدة، فإذا نسخ الحكم قبل التمكن منه سقطت فائدة الأمر، فيكون من العبث، وهو محال على الله تعالى (^٢).
واعترض عليه: بأن الأمر في هذه الحالة لا يتجرد عن الفائدة، بل إن من فوائده وحكمته ابتلاء الله لعباده أيقبلونه أم لا، فيتميز به من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، والطيب من الخبيث، فالأمر بالفعل في هذه الحالة لحكمة
(^١) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي وشرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٤ - ٦٥.
(^٢) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٧.