151

وغيرهم ينافى ما تقرر عندهم ان قدرة الله تعالى شاملة لجميع الممكنات على ما سبق بيانه ، لأن الأفعال الاختيارية ممكنات قطعا إلا أن يقال المراد بتأثير قدرة العبد فيها تأثيرها فى وجودها بالفعل بانضمام الإرادة ، والمراد بشمول قدرته تعالى للممكنات تأثيرها فى صحة وجودها وعدمها كما مرت الإشارة إليه ، فلا منافاة. وأشار إلى بعض وجوه الفرقة الثانية بقوله

** : ولامتنع

** تكليفنا بشيء

والاختيار غير معقول ، وإذا امتنع التكليف

** فلا عصيان

كلها باطلة إجماعا فكذا الملزوم.

وأجيب عنه بأن تكليف العباد باعتبار أن لهم قدرة على الأفعال فيصرفون قدرتهم إليها وإن لم يكن لقدرتهم تأثير فيها ، بل يؤثر قدرة الله فيها عقيب صرفهم القدرة إليها ، فمدار الطاعة والعصيان والثواب والعقاب وبعثة الأنبياء على ذلك الصرف ، وهذا هو المسمى بالكسب الواقع من العبد فى مقابلة الخلق الواقع من الله تعالى.

أقول : هذا ليس بشيء ، إذ من البين المكشوف أنه لا يكفى فى التكليف مجرد تحقق القدرة ، بل لا بد أن يكون لها تأثير فى المكلف به ، لأن صرف القدرة التي ليس من شأنها التأثير سيما مع العلم بعدم تأثيرها كما فى الأفعال الاختيارية الصادرة عن بعض المخالفين لا يصلح أن يتعلق به التكليف وفروعه قطعا ، على أن صرف القدرة إن كان فعلا اختياريا فلا فايدة للعدول عن اصل الفعل إليه بل الكلام فيه كالكلام فى ذلك ، وإن لم يكن اختياريا لم يصح جعل التكليف باعتباره ، ضرورة أن التكليف لغير الفعل الاختياري غير معقول ، مع أنه على هذا يلزم الجبر لأن ما عدا الأفعال الاختيارية مقدور الله تعالى فقط بالاتفاق ، ومن ثم اشتهر أنه لا معنى لحال البهشمى وكسب الأشعرى.

لا يقال : يلزم الجبر على تقدير تأثير قدرة العبد أيضا ، ضرورة أن قدرة العبد وإرادته مقدورتان مخلوقتان لله تعالى فقط اتفاقا.

لأنا نقول : نعم لكن تأثيرهما وصرفهما إلى الفعل من العبد وقدرته فليتأمل فى هذا

Page 157