Al-Dāʾ waʾl-Dawāʾ

الداء والدواء

Editor

محمد أجمل الإصلاحي

Publisher

دار عطاءات العلم ودار ابن حزم

Edition

الرابعة

Publication Year

1440 AH

Publisher Location

الرياض وبيروت

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٧)
الداء والدواء
تأليف: الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب بن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
حققه
محمد أجمل الإصلاحي
خرج أحاديثه
زائد بن أحمد النشيري
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

المقدمة / 1

رَاجَعَ هَذا الجزء
سليمان بن عبد الله العمير
علي بن محمّد العمران

المقدمة / 3

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد فإنّ هذا الكتاب الذي اشتهر بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، وطبع مرّات باسم "الداء والدواء"، من أنفع الكتب في تهذيب النفوس، واستثارتها للكفّ عن المعاصي والتوبة النصوح.
وقد أُفرِد لمعالجة مرض من أخطر أمراض القلوب، "مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكّن واستحكم عزّ على الأطبّاء دواؤه، وأعيا العليلَ داؤه". وهو مرض العشق الذي قال فيه
الشاعر:
الحبُّ داءٌ عُضالٌ لا دواءَ له ... يَحارُ فيه الأطبّاءُ النَّحاريرُ
قد كنتُ أحسَب أنّ العاشقين غَلَوا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصيرُ
ومؤلّفه ﵀ من أطبّاء القلوب البارعين الذين لا يرجعون في مداواتهم لأمراض القلوب إلى حكماء اليونان، وإنّما يصدرون عن كتاب الله الحكيم، الذي فيه هدى وموعظة وشفاء لما في الصدور، وسنّةِ
رسول الله الذي إنّما بُعِث لتعليم الناسِ الكتابَ والحكمةَ، وإصلاح عقيدتهم وسلوكهم، وتزكية نفوسهم، وهدايتهم لمراشد الأمور، فكانت الجماعة التي تخرّجت على يديه خير أمّة أخرجت للناس، لم يُعرف في التاريخ البشري لها نظير.

المقدمة / 5

وكان أصل الكتاب استفتاء ورد على المؤلف، فسئل عن رجل ابتلي ببلية إن استمرّت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلاّ توقدًا وشدّةً. ونظر المجيب إلى الحالة المستعصية، وعموم البلوى، فرأى أنّ التفصيل أولى في هذا المقام من الإيجاز، ومقتضى النصح للسائل والشفقة عليه وعلى أمثاله أن يستوعب القول في أسباب المرض وعواقبه الوخيمة، وأن يرشد إلى طرق الوقاية وسبل الخلاص. فكتب فصولًا نفيسة في الدعاء وشروط قبوله والأسباب المانعة من ترتّب أثره، وفي الفرق بين حسن الظنّ بالله والاغترار برحمته، وفي أضرار المعاصي وآثارها في حياة الأفراد والأمم وعقوباتها في الدنيا والآخرة، وحقيقة التعبد لله والإشراك به، والسرّ في كون الشرك لا يغفر من سائر الذنوب، ومضادّة عشق الصور للتوحيد، ومفاسده الأخرى العاجلة والآجلة، وهكذا أصبح الجواب عن ذلك السؤال كتابًا مفصلًا.
ولئن كان المجتمع الذي عاش فيه المؤلف ﵀ بحاجة إلى هذا الكتاب، على ما فيه من تمسّك بالدين ومحافظة على الأخلاق والآداب = إن مجتمعاتنا إليه لأحوج، إذ صارت تمور بأسباب الفساد، بعد ما نجح الغواة في كثير من البلدان الإِسلامية في استدراج المرأة المسلمة تحت شعارات خادعة إلى نزع الحجاب والاختلاط بالرجال فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا. ثم تفنّن إخوان الشياطين في إيجاد وسائل جديدة لإثارة الغريزة الجنسية وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فقد علموا أنّ الانحلال الخلقي هو أقرب طريق إلى تدمير الأمّة، والله المستعان.
وقد صدر الكتاب قديمًا في الهند سنة ١٣٥٧ هـ، ثم طبع في مصر،

المقدمة / 6

وتوالت بعد ذلك طبعاته. وكان منها طبعة الشيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد ﵀، الذي اعتمد فيها على نسخة خطّية من القرن الثالث عشر. ثم صدرت طبعات أخر، اعتمد في كل منها -زعموا- على نسخة واحدة متأخرة أو غير صالحة للاعتماد عليها. وقد بذل أصحابها جهدًا مشكورًا في تصحيحها وتخريج أحاديثها وحسن إخراجها، غير أنّها جميعًا لم يتبع فيها المنهج العلمي المعروف في تحقيق النصوص.
أما هذه الطبعة التي بين أيديكم، فهي صادرة عن أربع نسخ خطيّة من القرن الثامن، وقد كتبت إحداها بعد وفاة المؤلف ﵀ بتسع عشرة سنة، مع الاستئناس بنسختين من القرن الثاني عشر. وقد عني فيها بتحرير متن الكتاب عناية بالغة، بالإضافة إلى التوثيق والتخريج والفهارس الوافية المتنوعة.
وقد أعددت دراسة للكتاب تشتمل على توثيق نسبة الكتاب، وتحقيق عنوانه، وتحليل مباحثه، وتفصيل موارده، ووصف النسخ المعتمدة في هذه الطبعة، والمنهج الذي أَتبع في إعدادها.
وبعد، فإني أحمد الله ﷿ على أن وفّق لإخراج هذه النشرة العلمية من الكتاب، وهو المسؤول أن يتقبل هذا العمل، وينفع به، ويبارك فيه. ورضي الله عن مؤلفه الإِمام ابن قيم الجوزية، وأعلى درجاته في جنّات النعيم. وصلى الله وسلّم على عبده ورسوله نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد أجمل أيوب الإصلاحي الرياض
٩ جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ

المقدمة / 7

توثيق نسبة الكتاب
ذكر المترجمون لابن القيم ﵀ هذا الكتاب ضمن مؤلفاته، وأولهم تلميذه الحافظ ابن رجب ﵀ (^١)، ثم شمس الدين الداوودي (^٢)، وحاجي خليفة (^٣)، وابن العماد (^٤)، والشوكاني (^٥)، وغيرهم (^٦). ولمّا كان الكتاب في أصله جوابًا عن استفتاء ورد على المؤلف، نُصّ على اسمه في بداية الكتاب في جميع النسخ الخطّية.
وقد وقفت على نسخة منه عليها ختم "الخزانة الحجازيّة" لفؤاد سليم الحجازي (^٧)، كتب بعضهم في صفحة عنوانها: "كتاب الداء والدواء لابن الجوزي"، ولكنه خلط ظاهر بلا شكّ بين مؤلف الكتاب "ابن قيم الجوزية"، و"ابن الجوزي" (^٨). وهو ناشئ هنا من جهل أو غفلة، فإنّ اسم المؤلف مع نعوته وألقابه ثابت في فاتحة هذه النسخة أيضًا مثل غيرها.
والدلائل على صحة نسبة الكتاب إلى الإِمام ابن القيم ﵀

(^١) الذيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٥).
(^٢) طبقات المفسرين (٢/ ٩٣).
(^٣) كشف الظنون (٧٢٨، ١٤١٧).
(^٤) شذرات الذهب (٣/ ١٧٠).
(^٥) البدر الطالع (٢/ ١٤٤).
(^٦) انظر: ابن قيم الجوزية للشيخ بكر أبو زيد (٢٤٤).
(^٧) هي محفوظة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإِسلامية (الرياض) برقم ١١٥٤٠.
(^٨) وقد أدّى هذا الخلط أحيانًا إلى نسبة بعض مؤلفات ابن الجوزي إلى ابن القيم.
انظر: ابن قيم الجوزية (٢٧).

المقدمة / 8

بادية في صفحاته: في مباحثه ومواقفه ومنهجه وأسلوبه وغير ذلك.
وأشير هنا إلى أظهرها:
١) أحال فيه المؤلف على بعض كتبه مصرّحًا باسمه أو مشيرًا إليه.
فأحال في موضعين على كتابه "أيمان القرآن"، وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن". قال في الموضع الأول (ص ٨٣):
"ولو تأمّل العبد حقّ التأمّل لكان كلّ ما يبصره وما لا يبصره دليلًا على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه. وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب (أيمان القرآن) عند قوله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. وذكرنا طرفًا من ذلك عند قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١] .... ".
وهذا المبحث موجود في كتاب التبيان (ص ١٠٩، ١٩٠).
وأورد في الموضع الآخر الآيات التي أقسم الله فيها بطوائف الملائكة المنفّذين لأمره في الخليقة، ثم قال: "وقد ذكرنا معنى ذلك وسرّ الإقسام به في كتاب (أيمان القرآن) " (ص ٤٦٩). وهذا البحث أيضًا
موجود في الكتاب المطبوع (ص ٨٣، ٨٩، ٢٥٨).
وذكر في موضع آخر أن الشيخ أبا الحسن الأشعري ﵀ قد استدلّ في كتبه على المعطّلة بقوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]، ثم قال: "قد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب" (ص ٣٣٠). وقد نقل ابن القيم لفظ الأشعري في كتابه "اجتماع الجيوش الإِسلامية" (ص ٢٩٥)، ثم في "الصواعق المرسلة" (١٢٤٤).
٢) نقل في عدّة مواضع كلام شيخه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما

المقدمة / 9

سيأتي.
٣) كلام المؤلف على بعض المسائل في هذا الكتاب تراه بنصّه أو بلفظ قريب منه في مؤلفاته الأخرى. ومن ذلك قوله: "وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع" (ص ٣١). يعني ترتيب الله سبحانه في كتابه حصول الخيرات والشرور في الدنيا والآخرة على الأعمال، كترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلّة، والمسبّب على السبب. وإذا رجعت إلى كتابه مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٣) وجدته يقول: "ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسُقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة".
ومن ذلك أنه ذكر مسألة في التوبة، وهي أن التائب هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها أو لا يعود، ثم حكى قول شيخ الإِسلام بأن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته (ص ٢٠٧). وقد تكلم المؤلف على هذه المسألة في مدارج السالكين (١/ ٣٦٨)، وأفاض القول فيها في طريق الهجرتين (ص ٥٥٦ - ٥٤٥)، ونقل قول شيخ الإِسلام في الكتابين.
ومن ذلك أيضًا قوله: إنّ ما في قصة يوسف ﵇ من الفوائد والعبر والحكم يزيد على ألف فائدة (ص ٤٨٧)، وقال نحوه في شفاء العليل (ص ٢٢٤). ثم وجوه الابتلاء التي فصّلها هنا ذكر جملةً منها في مدارج السالكين (٢/ ١٥٦)، وطريق الهجرتين (٤٩٦)، وروضة المحبين (٤٤٩). وصرّح في المدارج أنها مما سمعه من شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀.

المقدمة / 10

ومن ذلك كلام المصنّف على حديث "مَن عشِق فكتَمَ وعَفَّ وصَبَر فماتَ، فهو شهيدٌ" (ص ٥٦٨)، ونجد الكلام بعينه في زاد المعاد (٤/ ٢٧٥)، وروضة المحبين (ص ٢٨٧).
٤) حكى المؤلف عن نفسه أنّه مكث مرّةً بمكّة، تعتريه الأمراض، ولا يجد طبيبًا، فكان يعالج نفسه بسورة الفاتحة (ص ٨). وقد حكى مثله في زاد المعاد (٤/ ١٧٨)، ومدارج السالكين (١/ ٥٧ - ٥٨).

المقدمة / 11

عنوان الكتاب
أول ما طبع هذا الكتاب في الهند سنة ١٣٥٧ هـ بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، ثم طبع في القاهرة طبعتين مختلفتين بالعنوان نفسه، فاشتهر هذا العنوان. ولعل أول طبعة خالفته هي التي أخرجها الشيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد ﵀ سنة ١٣٧٧ هـ في القاهرة بعنوان "الداء والدواء". ولكن في العام نفسه صدرت في القاهرة أيضًا طبعة أخرى عني بها الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ﵀ بالعنوان الأول. وقد ألِفَ الناس هذا العنوان، ولعلّهم أعجبوا به لما فيه من السجع السهل، فوسمت به معظم الطبعات التي صدرت من هذا الكتاب. فهل كلا العنوانين صواب، أو أحدهما أرجح من الآخر؟
لم يسمّ المؤلف كتابه في مقدّمته، بل ليس فيه مقدّمة أصلًا، إذ أخذ المؤلف في الإجابة عن السؤال الذي ورد عليه رأسًا حسب طريقة المفتين؛ ولا أشار إليه في كتبه الأخرى (^١). ولكنّ أقدم من ذكره من مؤلفاته -وهو تلميذه الحافظ ابن رجب ﵀ سماه "الداء والدواء"، وكذا من اعتمد عليه كالداوودي وابن العماد وغيرهما.
والشوكاني أيضًا ذكره بهذا العنوان مع أنّه لم يصدر فيما يبدو عن ذيل طبقات الحنابلة.
وبين يديّ ثلاث نسخ من الكتاب، كلّها نسخت في حياة الحافظ ابن رجب (٧٣٦ - ٧٩٥)، وأقدمها نسخة الإسكوريال المكتوبة سنة

(^١) ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٤).

المقدمة / 12

٧٧٠ هـ، والثانية مؤرخّة في سنة ٧٨٥ هـ، والثالثة كتبت قبل سنة ٧٩١ هـ، وهذه كلها متفقة على عنوان "الداء والدواء". وقد اطلعت على نسخ متأخرة أيضًا بهذا العنوان من القرنين الثاني عشر والثالث عشر (^١).
أما العنوان الآخر "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، فقد ذكره حاجي خليفة المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ، ثم نقل أول الكتاب، وأثنى عليه (^٢). وهذا دليل على أنه وقف على نسخة منه بهذا العنوان.
وقد ورد العنوان الأول أيضًا في كتابه (^٣)، ولكنه مأخوذ من ذيل طبقات الحنابلة أو غيره من كتب التراجم، فإن حاجي خليفة لو وقف على نسخة بهذا العنوان لنقل منها بداية الكتاب، وتبيّن له أنّه الكتاب السابق نفسه الذي ذكره بعنوان "الجواب الكافي ... " (^٤).
وعندي صورة من نسخة محفوظة في مكتبة جامعة ييل، وقدّر واضع فهرسها أنها من القرن الثامن، وعنوانها: "كتاب الجواب الكافي في سؤال الدواء الشافي" كذا، والظاهر أنه ليس بخط كاتب النسخة، ولكن لا أدري أهذه صورة محرّفة من العنوان المشهور الذي ثبت من قبل في بعض النسخ، أم هي الصيغة البدائية التي تطوّرت بعد تحسينها إلى

(^١) في مكتبة خدابخش (الهند) نسخة من الكتاب يظهر أنها من القرن الثالث عشر، وسمت بالعنوانين كليهما، فلا يعتدّ بها.
(^٢) كشف الظنون (ص ٦٠٨).
(^٣) كشف الظنون (ص ٢٧٨، ١٤١٧).
(^٤) ومن هنا ذكر صاحب هدية العارفين (٢/ ١٥٨) العنوانين في ترجمة ابن القيم، وبعض من اعتمد عليه، فعدّهما كتابين. انظر: ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٥).

المقدمة / 13

الصيغة المعروفة (^١).
مهما يكن الأمر، فقد تبين مما سبق أن العنوان الأول -وهو الداء والدواء- أحقّ بالترجيح. يقول الشيخ بكر أبو زيد: "وهما اسمان وضعا لمسمّى واحد، وهو جواب لسؤال ورد عليه، والمناسبة لكل واحد من الاسمين ظاهرة، لكنها بهذا الاسم "الداء والدواء" أظهر، فإنه استهلّ جواب السؤال بقوله ﷺ: "ما أنزل الله من داء إلاّ أنزل الله له شفاء" وأحاديث نحوه. وقال أيضًا في أثناء الكتاب: "فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر دواء الداء" (^٢).
وزد على ما ذكره الشيخ النصوص الآتية من الكتاب:
- "وهل مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال ... " (٤١٣).
- "ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء" (٤١٤).
- "والكلام في دواء هذا الداء" (٤١٥).
- "ودواء هذا الداء القتّال" (٤٩٠).
- "ودواء هذا الداء الدويّ" (٥٦٦).
هذه النصوص، وما سبق من أن الحافظ ابن رجب وغيره ممن ترجم

(^١) الجدير بالذكر أن الشوكاني ذكر رسالة للمؤلف بعنوان "الجواب الشافي لمن سأل عن ثمرة الدعاء إذا كان ما قد قُدر واقع". انظر: البدر الطالع (٢/ ١٤٤).
وهو شبيه بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل ... ". وانظر ما علّقت على النص في ص (٢٦).
(^٢) ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٥).

المقدمة / 14

للمؤلف إنما ذكره بعنوان "الداء والدواء"، وأنه هو الوارد في مخطوطات الكتاب لا سيما القريبة من زمن المؤلف = كل ذلك يرجّح هذا العنوان على غيره.
هذا، وفي مكتبة الأوقاف ببغداد نسخة من الكتاب، تاريخ نسخها سنة ١١٠٠ هـ، وكان مكتوبًا في صفحة عنوانها: "هذا كتاب دواء الداء"، فكتب بعضهم فوقه بخط مختلف: "هذا دواء القلوب"، ثم
ضرب شخص آخر على العبارة السابقة، وكتب بجانبها: "دواء القلوب"، وقيّد الكتاب في المكتبة بهذا العنوان في فنّ التصوف، وهكذا سمّاه الأستاذ عبد الله الجبوري في فهرس مكتبة الأوقاف (^١).
والظاهر أن الورقة الأولى التي كان فيها عنوان الكتاب واسم المؤلف قد ضاعت من الأصل، فتتبع بعض من قرأ النسخة عبارات المصنّف التى سُقناها آنفًا كقوله: "فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر (دواء
الداء) "، فكتب: "هذا كتاب دواء الداء"، وكان الرجل مصيبًا في استنباطه، غير بعيد عن العنوان الصحيح. ولمّا رأى بعضهم أنّ هذا العنوان يوهم أنّ الكتاب في طبّ الأبدان، نبّه على موضوعه بقوله: "إن هذا دواء القلوب"، وذلك أيضًا واقع في حاقّ الصواب. أما الذي أفسد الأمر فهو ثالثهم الذي توهّم أن "دواء القلوب" في العبارة السابقة هو عنوان الكتاب، فأثبته بجانبها بعد ما ضرب عليها ضربات! أما الأستاذ عبد الله الجبوري الذي فهرس النسخة، وأثبت بدايتها وخاتمتها، ثم نقل عن معجم المطبوعات لسركيس أن الكتاب مطبوع في

(^١) (٢/ ٣٦٩).

المقدمة / 15

القاهرة؛ فلا شك أنه اكتشف أن هذا الكتاب هو "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"،؛ لأنّ معجم سركيس لم يرد فيه عنوان "دواء القلوب" البتّة، لا في مصنفات ابن القيم ولا غيره، وإنما ذكر هو "الجواب الكافي ... " مع الإشارة إلى طبعته الصادرة في مصر عام ١٩٥٤ م، فكان حريًّا بالأستاذ الجبوري أن يصرّح في الفهرس بأنّ هذه النسخة الموسومة بـ "دواء القلوب" هي لكتاب ابن القيم المطبوع بعنوان "الجواب الكافي ... " أو "الداء والدواء"، مشيرًا إلى ما حصل في صفحة عنوانها من تغيير. ولكن فاته ذلك، فالتبس الأمر بعض الالتباس (^١).

(^١) انظر: ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٧).

المقدمة / 16

موضوع الكتاب
الكتاب جواب عن استفتاء ورد على المؤلف ﵀، ونصّه: "ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين- في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنّها إن استمرّت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلاّ توقّدًا وشدّةً؛ فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ ".
لم يفصح السائل عن نوع البلية كما ترى، والمؤلف ﵀ أيضًا قد شرع في الإجابة دون أن يسمّيها، وكتب فصولًا في الدعاء وآثار المعاصي وعقوباتها القدرية والشرعية، وذكر كبائر الذنوب، ومنها الشرك وقتل النفس، ثم بيّن عظم مفسدة الزنى واللواط. فلما وصل إلى هذا الموضع قال:
"فإن قيل: وهل مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتّال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ ... وهل يملك العاشق قلبه، والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ ... ولعل هذا هو
المقصود بالسؤال الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء" (٤١٣ - ٤١٤).
ثم ردّ على السؤال قائلًا: "قيل: نعم، الجواب من رأس (وما أنزل الله سبحانه من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله) ". ثم تكلّم على علاج هذا الداء من طريقين أحدهما: حسم مادته قبل حصولها، والثاني: قلعها بعد نزولها.
وختم الجواب ببيان ما في عشق الصور من المفاسد العاجلة

المقدمة / 17

والآجلة، وذكر أن الله سبحانه إنما حكى هذا المرض في كتابه عن طائفتين من الناس، وهما قوم لوط والنساء، ثم قال: "وهذا داء أعيا الأطبّاءَ دواؤه، وعزّ عليهم شفاؤه. وهو لعمر الله- الداء العضال، والسمّ القتّال ... " (٤٩١).
وتبيّن من هذا أنّ الاستفتاء الذي ورد على المؤلف كان عن داء العشق: كيف يمكن مداواته وإنقاذ صاحبه مما ابتلي به من تباريحه؟ ولفظ الاستفتاء يدلّ على أن السؤال عن مرض حاصل لا عن متوقع، فكان للمؤلف أن يقتصر على بيان الطرق المفضية إلى الخلاص منه، كما فعل في الفصل المحكم الذي كتبه في زاد المعاد بعنوان "فصل في هديه ﷺ في علاج العشق". استهلّه بقوله:
"هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه، وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم عزّ على الأطبّاء دواؤه، وأعيا العليلَ داؤه. وإنما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: عن النساء وعشاق الصبيان المردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط" (^١).
ثم ذكر ثماني حالات، ووصف لكلّ حالة علاجها. وكأنّ هذا الفصل من كتاب الزاد -من حيث دقته وتحريره- هو الجواب المطلوب عن الاستفتاء الوارد عليه.
أما الكتاب الحافل الذي بين أيدينا، فقد سلك فيه المؤلف ﵀ مسلكًا آخر ارتضاه ودافع عنه، وحكى عن شيخه أنه كان ينتهجه أيضًا،

(^١) زاد المعاد (٤/ ٢٦٥ - ٢٧٨).

المقدمة / 18

فقال في كتابه مدارج السالكين: "ومن الجود بالعلم أنّ السائل إذا سألك عن مسألة استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة ... ولقد شاهدت من شيخ الإِسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر، ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته ... " (^١).
وفي موضع آخر جعل ذلك دليلًا على كمال نصح المفتي للسائل وكمال علمه وإرشاده (^٢). ولا شك أن الجواب عن بعض المسائل الفرعية قد يكون محلّ انتقاد إذا خرج عن المألوف في الاستطالة
والتشعب وكثرة الاستطراد، مما يضطر المجيب كلّما بعد عن الغرض أن يعود إلى ما بدأ، فيتضجر السائل، ويملّ القارئ، ولكن إذا كان السؤال عن مرض خطير من أمراض القلوب كمرض العشق المخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه كما قال المؤلف، وهو مرض لا يخلو منه زمان ولا مكان، ولكنه قد يبلغ في بعض المجتمعات -لكثرة دواعيه- من الفشوّ في الخاصة بعد العامّة مبلغًا ينذر بسقوط المجتمع في الهاوية = إذا كان السؤال عن مثل هذا المرض الذي يكاد يكون وباءً فتّاكًا
فلا ريب أنّ من كمال نصح المفتي وأمانته وعلمه وفقهه أن يكون جوابه مفصّلًا مستوعبًا لجوانب الموضوع. فلا يصحّ له أن يقتضب الكلام أو

(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ١٥٨).

المقدمة / 19

يوجزه، بل يجب عليه أن يفضله تفصيلًا، ويبشّر وينذر، ويذكر المنجيات والموبقات، ويبين أسباب المرض وأماراته وعواقبه، ولا يقتصر على الإرشاد إلى سبل الخلاص منه، بل يدلّ على طرق الوقاية
من الوقوع فيه أيضًا. ثم يعتني قبل ذلك بتهيئة قلب المبتلى للاستماع إلى كلامه والعمل بما يصف له من أنواع العلاج.
وهكذا كان جوابُ ابن القيم ﵀، جواب عالم ربّاني ناصح حكيم، جوابًا مبسوطًا مفصّلا، غايةً في بابه.

المقدمة / 20

ترتيب مباحث الكتاب
شرع المؤلف ﵀ في الجواب عن الاستفتاء رأسًا بقوله: "الحمد لله. ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ... ". ومضى يكتب مرتجلًا على سجيّته، متنقلًا من مبحث إلى آخر، حتى أصبحت الفتوى كتابًا كبيرًا. ومع ذلك جاءت مطالب الكتاب مرتّبة متدرّجة متناسقة خلاف ما يظن في مثل هذا التأليف. ويمكننا أن نقسم مباحثه إلى خمسة أقسام:
١) فصول في الدعاء وحسن الظنّ بالله تعالى مع الحذر من الاغترار به (٤ - ٩٨).
افتتح الكلام بالحديث الذي أوردناه آنفًا، وذكر أن الله تعالى أخبر عن القرآن أنه شفاء، ثم نبّه على أنّ الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها هي في نفسها نافعة وشافية ولكن تستدعي قبول المحلّ وقوة همة الفاعل وتأثيره. ثم ذكر أسبابًا أخرى لتخلّف الشفاء، وشروط قبول الدعاء، والآفات التي تحول دون تأثيره.
ثم عقد فصلًا مهمًّا للإجابة عن "سؤال مشهور"، وهو أن المطلوب بالدعاء إن كان مقدّرًا فلا بدّ من وقوعه، دعا به العبد أم لم يدع؛ وإلاّ لم يقع سواء سأله العبد أم لم يسأله فما فائدة الدعاء؟ وبيّن أن المقدور قدر وقوعه بأسباب، ومنها الدعاء، ثم ذكر أن الله سبحانه جعل الأعمال في كتابه سببًا لحصول الخيرات والشرور في الدنيا والآخرة، فالمؤمن يدفع قَدَر العقوبة الأخروية بِقَدَر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة. ثم حذر من مغالطة نفس الإنسان إياه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة،

المقدمة / 21

وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة.
ثم فصّل صور الاغترار، وحكى أقوال المغترّين، وبين الفرق بين حسن الظنّ بالله والاغترار به، مشيرًا إلى خوف الصحابة على أنفسهم من النفاق، وهم من هم في تقوى الله وعبادته. وفي خلال ذلك أورد أحاديث وآثارًا وأقوالًا لردع الجهّال العصاة المغترّين بالله. وهو فصل طويل نفيس.
ثم قال: "فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمرّ أفسد دنيا العبد وآخرته".
٢) العقوبات القدرية للمعاصي (٩٨ - ٢٥٨).
قرّر أوّلًا أنّ كل شرّ وداء في الدنيا والآخرة سببه الذنوب والمعاصي. وأشار إلى أن المعصية هي التي أخرجت الأبوين من الجنة، كما أخرجت إبليس من ملكوت السماء، وذكر الأمم التي استحقت عذاب الله بسبب معاصيها في عصور مختلفة، وأورد أحاديث وآثارًا في آثار المعاصي وعواقبه.
ثم أفاض القول في أضرار المعاصي للعبد في دينه ودنياه وآخرته، واستغرق هذا المبحث أكثر من مائة صفحة. وذكر في آخر فصوله أن المعاصي مدد من الإنسان يعين به عدوّه على نفسه، وجيش يقوّيه به على حربه، وبيّن حِيَل الشيطان ووصيّته لجنوده بغزو قلب الإنسان والدخول عليه من كل مدخل، والقعود له بكل طريق.
٣) العقوبات الشرعية للمعاصي (٢٥٨ - ٤١٣).
بعد ذكر آثار المعاصي في حياة الأفراد والأمم، تطرّق الكلام إلى

المقدمة / 22