Al-Fawākih al-Dawānī ʿalā Risālat Ibn Abī Zayd al-Qayrawānī
الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني
Publisher
دار الفكر
Edition
الأولى
Publication Year
1415 AH
Publisher Location
بيروت
Genres
•Maliki jurisprudence
Regions
•Egypt
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَحْكَامِ، وَالرَّاشِدُونَ جَمْعُ رَاشِدٍ وَهُوَ الْمُسَدَّدُ فِي نَفْسِهِ الْمُوَثَّقُ فِي أَمْرِهِ وَحَالِهِ، وَالْمَهْدِيُّونَ أَيْ الْمُتَّصِفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِكَمَالِ الْهُدَى فَهُمَا مُتَقَارِبَانِ أَوْ مُتَرَادِفَانِ؛ لِأَنَّك تَقُولُ: أَرْشَدَك اللَّهُ بِمَعْنَى هَدَاك وَهَدَاك بِمَعْنَى أَرْشَدَك، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِلَافَةِ وَالْمُلْكِ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْخِلَافَةِ إلَى الْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْمَيِّتِ عَنْ رِضًا مِمَّنْ قَامَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرَ فِي الْمُلْكِ إلَى الْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا، مَعَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لِمَنْ قَامَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقُوَّةِ كَقِيَامِهِ عَنْ رِضًى مِمَّنْ قَامَ عَلَيْهِ، أَوْ بِالْفِعْلِ كَقِيَامِهِ عَنْ كُرْهٍ مِمَّنْ قَامَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْبِقَاعِيُّ، وَمِنْهُ تُعْرَفُ حِكْمَةُ تَوْصِيفِ الْمُلْكِ فِي الْحَدِيثِ بِالْعَضُوضِ.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ:
وَصَحْبُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ فَاسْتَمِعْ ... فَتَابِعِيٌّ فَتَابِعٌ لِمَنْ تَبِعَ
وَخَيْرُهُمْ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ ... وَأَمْرُهُمْ فِي الْعَضَلِ كَالْخِلَافَةِ
وَالْمَعْنَى: أَنَّ شَأْنَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي التَّفَاوُتِ فِي الْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ، فَالْأَسْبَقُ فِيهَا أَكْثَرُهُمْ فَضْلًا، ثُمَّ التَّالِي فَالتَّالِي، كَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِمَامِهِمْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ فَالْأَفْضَلُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ الَّذِي صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النُّبُوَّةِ بِغَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وَصَدَّقَهُ فِي الْمِعْرَاجِ بِلَا تَرَدُّدٍ، وُلِّيَ الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَمَاتَ ﵁ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِثَمَانٍ بَلَغَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً كَسِنِّ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ شِدَّةُ حِقْدِهِ وَحُزْنِهِ عَلَى الْمُصْطَفَى ﷺ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَدُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(ثُمَّ) يَلِي أَبَا بَكْرٍ فِي الْفَضْلِ (عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ الْفَارُوقُ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي الْقَضَاءِ وَالْخُصُومَاتِ، وَلِي الْخِلَافَةَ بِاسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافَتِهِ، وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، وَقُتِلَ ﵁ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، قَتَلَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَاسْمُهُ فَيْرُوزُ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ اسْتَغَلَّهُ بِأَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ يَصْنَعُ الرَّحَى، فَلَقِيَ عُمَرَ وَكَلَّمَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْمُغِيرَةَ قَدْ ثَقَّلَ عَلَيَّ عَمَلِي فَكَلِّمْهُ لِي بِالتَّخْفِيفِ عَنِّي، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ إلَى مَوْلَاك، فَغَضِبَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَقَالَ: وَاعَجَبَاهُ قَدْ وَسِعَ النَّاسَ عَدْلُهُ غَيْرِي وَأَضْمَرَ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ وَاصْطَنَعَ لَهُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - خَنْجَرًا لِقَتْلِ عُمَرَ لَهُ رَأْسَانِ وَسَمَّهُ فَجَاءَهُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ: إنِّي لَقَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ عُمَرَ إلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْته يَقُولُ: قَتَلَنِي الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ وَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَشِمَالًا إلَّا طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ سِتَّةٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحْوَ نَفْسِهِ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: قَاتَلَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَمَرْت بِهِ مَعْرُوفًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي عَلَى يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ بَلْ كَانَ رَقِيقًا مَجُوسِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ نَصْرَانِيًّا، تُوُفِّيَ عُمَرُ ﵁ فِي ذِي الْحَجَّةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْهُ فِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَاتَ وَسِنُّهُ كَسِنِّ أَبِي بَكْرٍ، دُفِنَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رِجْلَيْ النَّبِيِّ ﷺ وَعُمَرُ خَلْفَهُ، وَبَقِيَ هُنَاكَ مَوْضِعُ قَبْرٍ يُدْفَنُ فِيهِ عِيسَى ﵇ وَمَنَاقِبُهُمَا كَثِيرَةُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» .
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنْ الرَّأْسِ» . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَدِدْت أَنِّي كُنْت مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ.
قَالَ: أَمَا إنَّك يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» . وَمِنْهَا مَا نَقَلَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَقِيدَةِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ أَيْنَ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ» . وَنُقِلَ أَيْضًا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقُلْت لَهُ: يَا جِبْرِيلُ حَدِّثْنِي بِفَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ حَدَّثْتُك بِفَضَائِلِ عُمَرَ فِي السَّمَاءِ مَا لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا مَا نَفِدَتْ فَضَائِلُ عُمَرَ، وَإِنَّ عُمَرَ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ» .
(ثُمَّ) يَلِي عُمَرَ فِي الْفَضْلِ (عُثْمَانُ) بْنُ عَفَّانَ ﵁ الْمُلَقَّبُ بِذِي النُّورَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَهُ رُقَيَّةَ وَلَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ زَوَّجَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَلَمَّا مَاتَتْ قَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُكهَا، وَلِيَ ﵁ الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَإِحْدَى عَشَرَ شَهْرًا وَتِسْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَتْ زَوْجَتُهُ:
1 / 103