174

كانوا يستعذبون ماءهم ، ولولا ذلك ما انتفعوا بالعيش ، ومضغوطة بالبحر الأخضر من أسفلها ، ونحن قللناهم على وجه المعزاء ، وبعثنا إليهم من جندنا ما كان منه قوامهم. وإنما أهل البصرة بمنزلة الرسل لنا ، ومحل الكوفة محل اللهوات واللسان من الجسد ، وموضعها على صدور الأرضين ، ينتهي إليها الماء ببرده وعذوبته ، ويتفرق في بلادنا ، ويجوز بالعذبة الزكية الفرات ودجلة ، والبصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد. قال أبو بكر : أنتم مهما وصفت أكثر أنبياء ، وما لنا إلا نبي واحد وهو محمد (صلى الله عليه وآله)، وعامة أنبيائكم الحاكة. فضحك أبو العباس حتى كاد يسقط عن السرير ، ثم قال له : لله درك يا أبا بكر! فقال أبو بكر : وما رأيت الأنبياء مصلوبين إلا ببلاد الكوفة. فقال ابن عياش : عيرت أهل الكوفة بثلثة مجانين من السفلة ادعوا النبوة بالجنون ؛ فصلبهم الله بالكوفة ، فمن يعير به أهل البصرة من المدعين للعقول والشرف؟ والروايات للحديث كثير كلهم يزعم أنه يهدي نفسه ويضلها ، والمتنبئ بالجنون أيسر خطبا من ادعاء الصحيح هدى نفسه وضلالها ، فلقد ادعوا الربوبية في قول بعضهم. فقال أبو العباس : هذه بتلك أو أشد يا أبا بكر ، فاعترض عليهم بعض العلوية وهو الحسن بن زيد ، فقال : يا أبا بكر ، أما قتلتم عليا يوم الجمل؟ فقال : بلى ، قاتله شرذمة وكف الله (عز وجل) أيدينا وسلاحنا عن قتله نظرا منه لنا ، ثم رجع إلى الكوفة فقتلوه وولده ، وولد ولده وبني عمه ، وأخرجوا الحسين بن علي بعد بيعتهم له حتى هرب منهم. فقال ابن عياش : بل قصر الله أيديكم بطول أيدي الكوفة ، وبنصرتهم عليكم ، وكيف تعيرنا بباطل رجل واحد منا يبلغ بباطله ما عجز عنه عامتكم ، ولقد حدثني أشياخ من النخع أن أهل الكوفة كانوا يوم الجمل تسعة آلاف رجل مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان عليه ثلاثون ألفا مع طلحة والزبير وعائشة ، فلما التقوا لم يكن أهل البصرة إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فقال أبو بكر : ومتى كان أهل البصرة ثلاثين ألفا يقاتلون أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد اعتزلهم الأحنف بن قيس في سعد والرباب؟! وقد دخلنا بعد ذلك الكوفة فذبحنا بها ستة آلاف رجل من أصحاب نبيهم المختار كما يذبح

Page 176