بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الإشارات لأبي الوليد الباجي
باب أقسام أدلة الشرع
أدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال.
فأما الأصل فهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وأما معقول الأصل: فهو لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب والحصر.
1 / 5
وأما استصحاب الحال، فهو استصحاب حال الأصل.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالكتاب على ضربين: مجاز وحقيقة.
فأما المجاز فهو لفظ تجوُّز به عن موضوعه، فعلى أربعة أضرب:
زيادة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾.
ونقصان، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
وتقديم وتأخير، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾.
واستعارة، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾، وقوله ﷿: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.
وقال محمد بن خويز منداد من أصحابنا وداود الأصبهاني: إنه لا يصح وجود المجاز في القرآن، وقد بينا ذلك.
(فصل)
وأما الحقيقة فهو كل لفظ بقي على موضوعه، وهو على ضربين:
1 / 6
مفصل ومجمل:
فأما المفصل: فهو ما فهم المراد به من لفظه، ولم يفتقر في بيانه إلى غيره، وهو على ضربين: غير محتمل ومحتمل.
فأما غير المحتمل فهو النص، وحده: ما رفع في بيانه إلى أبعد غاياته، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فهذا نص في الثلاثة، لا يحتمل غير ذلك، فإذا ورد وجب المصير إليه والعمل به إلا أن يرد ناسخ أو معارض.
(فصل)
وأما المحتمل فهو ما احتمل معنيين فزائدًا، وهو على ضربين:
أحدهما أن لا يكون في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، نحو
1 / 7
قولك: لون، للذي يقع على البياض والسواد وغيرهما من الألوان وقوعًا واحدًا، ليس هو في واحدٍ منهما أظهر منه في سائرها.
فإذا قال لك من يلزمك أمره: اصبغ هذا الثوب لونًا، فإن كان ذلك على معنى التخيير فأي لون صبغت الثوب كنت ممتثلًا لأمره، وإن أراد بذلك لونًا بعينه لم يمكنك امتثال أمره إلا بعد أن يبين اللون الذي أراد.
ولا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة إلى امتثال الفعل.
والثاني: أن يكون اللفظ في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، كألفاظ الظاهر والعموم وغير ذلك.
(فصل)
فأما الظاهر فهو المعنى الذي يسبق فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ، كألفاظ الأوامر نحو قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، (فاقتلوا المشركين) فهذا
1 / 8
اللفظ إذا ورد وجب حمله على الأمر، وإن كان يجوز أن يراد به الإباحة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، والتعجيز نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، والتهديد نحو قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، والتعجب نحو قولك: أحسن بزيد، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، في الأمر أظهر منه في سائر محتملاته، فيجب أن يحمل على أنه أمر إلا أن ترد قرينة تدل على أن المراد به غير الأمر، فيعدل عن ظاهره إلى ما يدل الدليل عليه.
(فصل)
إذا ثبت ذلك فالأمر اقتضاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والقهر.
وهو على ضربين: وجوب
1 / 9
وندب فالواجب ما كان في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجهٍ ما، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
والندب ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجه ما، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
1 / 10
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
إِلَّا أن لفظ الأمر في الوجوب أظهر منه في الندب، فإذا ورد لفظ الأمر عاريًا من القرائن وجب حمله على الوجوب، إِلَّا أن يدل دليل على أن الندب مراد به، فيحمل عليه.
وقال القاضي أبو بكر: يتوقف فيه ولا يحمل على وجوب ولا ندب حتى يدل الدليل على المراد به.
وقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على الندب ولا يعدل الوجوب إِلَّا بدليل.
1 / 11
والدليل على ما نقوله: قوله ﷿ لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، فوبخه وعاقبه لما لم يمتثل أمره بالسجود لآدم، ولو لم يكن مقتضاه الوجوب لما عاقبه ولا وبخه على ترك ما لا يجب عليه فعله.
فصل
إذا وردت لفظة أفعل بعد الحظر
1 / 12
اقتضت الوجوب أيضًا، على أصلها.
وقال جماعة من أصحابنا: إنها تقتضي الإباحة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
والدليل على ما نقوله: أنا إذا أجمعنا على أن لفظ الأمر بمجرده يقتضي الوجوب، وهذا لفظ الأمر مجردًا، فوجب أن يقتضي الوجوب، وتقدم الحظر على الأمر لا يخرجه عن مقتضاه، كما أن تقدم الأمر على الحظر لا يخرجه عن مقتضاه.
فصل
الأمر المطلق لا يقتضي الفور، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وذكر محمد بن خويز منداد أنه مذهب المغاربة من المالكيين، وقال المالكيون من البغداديين: إنه يقتضي الفور.
والدليل على ما نقوله: أن لفظة افعل لا تتضمن الزمان إِلَّا
1 / 13
كتضمن الإخبار عن الفعل للزمان، ولو أن مخبرًا يخبر أنه يقوم لم يكن كاذبًا إذا وجد قيامه متأخرًا، فإذا ثبت ذلك فإن للواجب على التراخي حالة يتعين وجوب الفعل فيها وهو إذا غلب على ظن المكلف فوات الفعل.
ويجري إباحة تأخير المكلف الفعل مجرى إباحة تعزير الإمام الجاني وتأديب المعلم الصبي إذا لم يغلب على الظن هلاكه، فإذا غلب على الظن هلاكه حرم ذلك.
فصل
إذا نسخ وجوب الأمر جاز أن يحتج به على الجواز.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك.
والدليل على جوازه: أن الأمر الواجب يقتضي وجوب الفعل ومحال أن يكون واجبًا ويكون مع ذلك محظورًا، فثبت أن الوجوب يتضمن الجواز ومعنى الجائز في هذا الوجه ما وافق الشرع.
فإذا نسخ
1 / 14
وجوبه خاصة، بقي على حكمه في الجواز؛ لأن النسخ لم يتعلق بالجواز وبالله التوفيق.
فصل
المسافر والمريض مأموران بالصوم مخيران بينه وبين صوم غيره.
وقال بعض أصحابنا: المسافر مخاطب بالصوم دون المريض.
وقال الكرخي: المسافر
1 / 15
والمريض غير مخاطبين بالصوم.
والدليل على ما نقوله أن المسافر لو صام أثيب على فعله، وناب صومه عن فرضه،
1 / 16
فلو كان غير مخاطب بصومه لما أثيب عليه كالحائض لما لم
1 / 17
تخاطب بالصوم لم تثبت عليه في حال حيضها.
(فصل)
لا خلاف بين الأمة أن الكفار مخاطبون بالإيمان، والظاهر من مذهب مالك رحمه
1 / 18
الله أنهم مخاطبون بالصوم والصلاة والزكاة وغير ذلك من شرائع الإيمان.
قال محمد بن خويز منداد: ليسوا مخاطبين بشيء من ذلك.
والدليل على ما نقوله: قوله ﷿ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ الآية، فأخبر الله تعالى أن العذاب حق بترك الإيمان والصدقة والصلاة.
(فصل)
إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ بكذا ونهى عن ذا، وجب حمله على الوجوب.
وحكي عن أبي بكر بن داود أنه قال: لا يحمل على الوجوب حتى ينقل إلينا لفظ الرسول
1 / 19
﵇.
وما قاله ليس بصحيح؛ لأن معرفة الأمر من غيره طريقته اللغة، وإذا كنا نحتج في اللغة والتمييز بين الأمر وغيره بقول امرئ القيس والنابغة، فلأن يحتج بقول أبي بكر وعمر أولى وأحرى؛ لكونهما
1 / 21
من أفصح العرب، ولما يقترن بذلك من الدين والفضل.
مسائل النهي
الذي ذهب إليه أهل السنة أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بإباحة أضداده.
والنهي ينقسم قسمين: نهي على وجه الكراهة، ونهي على وجه التحريم.
إِلَّا أن النهي إذا ورد وجب حمله على
1 / 22
التحريم، إِلَّا أن تقترن به قرينة تصرفه عن ذلك إلى الكراهية.
والنهي إذا ورد دلَّ على فساد المنهي عنه، وبهذا قال جمهور أصحابنا، وقال
1 / 24
القاضي أبو بكر: لا يدل على ذلك.
والدليل على ما نقوله: اتفاق الأمة من الصحابة فمن بعدهم على الاستدلال بمجرد النهي في القرآن والسنة على فساد عقد المنهي عنه، كاستدلالهم على فساد عقد الربا بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ونهي النبي ﷺ عن بيع الذهب بالذهب متفاضلًا، واحتجاج ابن عمر في تحريم نكاح المشركات وفساده بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
أبواب العموم وأقسامه
قد ذكرنا أن المحتمل الظاهر في أحد محتملاته منه على ضربين: أوامر وعموم، وقد تكلمنا في الأوامر، والكلام هنا في العموم.
وله خمسة ألفاظ: الجمع، كالمسلمين، والمؤمنين، والأبرار، والفجار.
وألفاظ الجنس، كالحيوان، والإبل.
وألفاظ النهي، كقوله: ما جاءني من أحد.
والألفاظ المبهمة، كـ (من) في من يعقل، و(ما) في ما لا يعقل،
1 / 25
و(أي) فيهما، و(متى) في الزمان، و(أين) في المكان.
والاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، نحو: الرجل والإنسان والمشرك، فهذا إذا ورد شيء من ألفاظ العموم المذكورة وجب حملها على عمومها إِلَّا أن يدل دليل على تخصيص شيء منها فيصار إلى ما يقتضيه الدليل وقال القاضي أبو بكر يتوقف فيها ولا تحمل على عموم ولا خصوص حتى يدل الدليل على المراد بها وقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على أقل ما تقتضيه الألفاظ والدليل على ما نقوله ما قدمناه من كونها معرفة
وإنما تكون معرفة إذا اقتضت استغراق الجنس فيتميز ما يقع تحتها من غيره ولو لم يرد
1 / 26