قال - رحمه الله تعالى - في فاتحة الكتاب بعد الديباجة:
(( ... أمّا بعد، فإنّ من أفضل ما تحلّى به الإِنسان العلم بالحقيّات وكشف المعضلات، وتعيّن على كلّ من امتدّ في العلم باعه، وعظم به نفعه وانتفاعه، وكان ممّن أقامه الله لبيان الحجّة على خلقه، والمناظرة عن دينه، بإزهاق باطله وإبراز حقه: أن يستكثر من الإطلاع على الأسرار الربّانية، وما أودعه الله في المخلوقات الجسمانية والروحانية؛ حتى لا يجد أهلُ العناد لتعجيزه سبيلاً، ولا لإِلهيّه تخجيلاً، فتسلَمَ الأمّة المحمّدية من وصمة التنقيص)).
ثم ذكر سبب تأليفه للكتاب فقال:
((كان ملك الإِفرنج بصقلية يُشِيعُ مسائلَ من الصَّعْبة الشوارد، النَّكِدة الأوابد، في عهد الملك الكامل، يتحدّى بها المسلمين، وكان ذا دهاءٍ وعلم، وذكاءِ وفهم، فسمعتُ أنه أجيب عن بعضها، ولم أعلم أنه أجيب عن كلّهاَ، والحال حصول الجواب عنها، وتحقيق الصواب فيها ... )).
ثم ذكر غرضه من كتابه فقال:
((وقد جمعت في هذا الكتاب خمسين مسألة غريبة المُدْرَك، صعبة المسلك، من المشكلات الخفيّة والغوامض العقليّة من جنس تلك المسائل، وفيها بعضُها، وجميعُها من مشكلات الأبصار، والتي تتعاقب في آناء الليل والنهار، وأكثر الفضلاء عن حقائقها محجوبٌ وعن علمها مسلوبٌ ... ))، إلى أن قال: ((وسمّيتُه بكتاب: ((الاستبصار فيما يدرك بالأبصار))(١))).
وقد سلك الإِمامُ فيه مسلكه في کتاب الإِحكام، فقد سار فيه على طريقة السؤال والجواب، يذكر الأسئلة ويضع جوابه عقبها.
(١) عن النسخة التي وقف عليها الأستاذ الوكيلي في كتابه ١/ ٢٧٠ -٢٧١.