إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سمَّاه أصحابُه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.
فمِن تأويل التحريف والإلحاد تأويل الجهمية قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣] أي: جرَّحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا.
ومن تحريف اللفظ تحريف إعراب قوله: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: وكلم اللهَ، أي: موسى كلم الله، ولم يكلمه اللهُ. وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم. ولمَّا حرَّفها بعض الجهمية هذا التحريفَ قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فبُهت المحرِّف.
ومن هذا أن بعض الفرعونية سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يُقرأ «العرشُ» بالرفع في قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]؟ وقصد الفرعوني بهذا التحريف أن يكون الاستواءُ صفةً للمخلوق لا للخالق، ولو تيسر لهذا الفرعوني هذا التحريف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الآيات!
ومن تأويل التحريف تأويل قوله ﷺ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاواتِ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ (^١) عَلَى الصَّفْوَانِ فَيُصْعَقُونَ، فَيَكُون أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ جِبْرِيلُ» (^٢).
قالوا: تأويله إذا تكلَّم مَلَكُ الله بالوحي، لا أن الله يتكلم. فجعلوا
(^١) كذا، وفي «سنن أبي داود» وغيره من مصادر التخريج: «صلصلة كجر السلسلة».
(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٣٨) وابن خزيمة في «التوحيد» (٢٠٧) وابن حبان (٣٧) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٥٤٨) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٤٣٣) عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا بنحوه.
ورواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (٤٨٢، ٤٨٤) وابن خزيمة في «التوحيد» (٢٠٨) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٥٤٩) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٤٣٢) عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا. وعلقه البخاري في «صحيحه» (٩/ ١٤١).
ورجح الموقوف الدارقطني في «العلل» (٨٥٢) والخطيب في «تاريخه» (١٣/ ٣٢٨).
ولم أقف في حديث ابن مسعود ﵁ على قوله: «فيكون أول من يفيق جبريل». وقد وجدت المصنف - رحمه الله تعالى - في «تهذيب السنن» (٣/ ٣٠٣) عقب ذكره لحديث ابن مسعود عزا نحو هذا اللفظ للبيهقي من حديث نعيم بن حماد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان ﵁. قلت: والحديث في «الأسماء والصفات» (٤٣٥)، وقد رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٥١٥) وابن خزيمة في «التوحيد» (٢٠٦) وغيرهما. لكن قال عنه عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم: لا أصل له. نقله عنه أبو زرعة الدمشقي في «تاريخه» (١٧٨٣).
وروى البخاري في «صحيحه» (٧٤٨١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا نحو حديث ابن مسعود ﵁.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃ مرفوعًا وموقوفًا، ينظر: «الدر المنثور» (١٢/ ٢٠٨ - ٢١١).