143

Al-Tafsīr waʾl-mufassirūn: Asāsiّātuhu wa-ittijāhātuhu wa-manāhijuhu fī al-ʿaṣr al-ḥadīth

التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث

Publisher

دار النفائس للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

1437 AH

Publisher Location

الأردن

من المكثرين ابن عباس ﵄:
وقد أجمعوا على أنه في مقدمة أولئك المكثرين، هذا الفتى الذي دعا له الوسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهو سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن، وهو الحبر والبحر لكثرة علمه. فإمامته لم تقتصر على التفسير فحسب بل هو من المكثرين في الحديث كذلك، وفي الفقه له يد طولى، وفي أشعار العرب وأقوالهم له قدم راسخة، ينمي ذلك كله حدة ذكاء وعظيم فهم ونور ساطع في عقله وقلبه.
ولا غرابة في ذلك، فلقد هيئت لفتى مكة أسباب عديدة جعلته يتربع على كرسي الأستاذية في هذه العلوم كلها وبخاصة التفسير. ولو لم يكن من هذه الأسباب إلا دعاء الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، لكان كافيًا له أن يكون هكذا. وإذا أردنا أن ندرك فهم ابن عباس ﵄ فما لنا إلا أن نرجع لبعض تفسيراته. وأذكر من هذه التفسيرات على سبيل المثال تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ١٣٢٦٦] (١)، فقد روى البخاري: أن عمر ﵁ قال يومًا لأصحاب النبي ﷺ فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: (في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين) فقال عمر: (يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك). قال ابن عباس (ضربت مثلًا لعمل) قال عمر: (أي عمل؟) قال: (لرجل غني يعمل بطاعة الله ﷿، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله) (٢)، وكذلك تفسيره لسورة النصر في قصة شهيرة مع عمر ﵁ وهي ما رواه ابن عباس قائلًا: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه. فقال لِمَ يدخل هذا معنا

(١) ثلاثًا وثلاثين رواية.
(٢) البخاري جـ ٦ ص ٣٩.

1 / 147