أمَا أوْحى الله إلى يوشع بن نون أني مُهْلِك من قومك أربعينَ ألْفًا من خِيَارِهم وَسِتِّين ألفًا من شِرَارِهم، فقال: " يا رَبُّ؛ هؤلاء الأشرَار، فمَا بالُ الأخيَار؟! "، قال: (إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وَكَانوُا يُواكِلُونَهُمْ وَيُشَارِبُونَهُمْ)؟! (١).
فالْمَطلوبُ أنْ نُفَرِّق بين أول الإسلام وَخَفَاء أحكامه على كثير من الناس، وكذلك تأليفهم على الإسلام وبين اليوم، ولأنَّ مَن لا يدري ليس كمَن يدري، فالْمُخَالفات اليوم تُرتكب على عِلْمٍ وبإصْرار!؛ ويُوضح ذلك أنَّ النبي ﷺ عَزَل إمامًا لأجل بُصَاقِهِ في القِبْلة وقال لأهل المسجد: (لاَ تُصَلُّوا خَلْفَهُ)، فَجاء إلَى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله .. أنتَ نَهَيتهم أنْ يُصَلُّوا خَلْفي؟!؛ فقال النبي ﷺ: (نَعَمْ، إِنكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ!) (٢).
فانظُرْ كيف غَلَّظ عليه النبي ﷺ بأنواعٍ من التغليظِ الشديد، فإنه عَزَله عن الإمامة، ونَهَى أهلَ المسجدِ أنْ يُصلُّوا خَلْفَه، وأعظم من ذلك قوله ﷺ: (نَعَمْ إِنكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ!)؛ وهذا كله
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» برقم (٧٥).
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (٤٨١)، وابن حبان في «صحيحه» برقم (١٦٣٦)؛ وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٦٢): (إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربَهما)، وقال العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ٣٨١): (إسناده جيِّد).