عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمره، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله.
وأكملهم الأول، وهو الَّذِي يخشى الله ويعرف أحكامه، فالشأن كله في أن العبد يستدل بالعلم عَلَى ربه فيعرفه؛ فإذا عرفه ربه فقد وجده منه قريبًا، ومتى وجده منه قريبًا قربه إِلَيْهِ، وأجاب دعاءه كما في الأثر الإسرائيلي: «ابْنَ آدَمَ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» ". وَكَانَ ذُو النُّونِ يُرَدِّدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ بِاللَّيْلِ:
اطْلُبُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِثْلَ مَا وَجَدْتُ أَنَا
قَدْ وَجَدْتُ لِي سَكَنًا لَيْسَ فِي هَوَاهُ عَنَا
إِنْ بَعَدْتُ قَرَّبَنِي أَوْ قَرُبْتُ مِنْهُ دَنَا
وكان الإمام أحمد ﵀ يقول عن معروف: معه أصل العِلْم: خشية الله.
فأصل العِلْم: العِلْم بالله الَّذِي يوجب خشيته، ومحبته والقرب منه والأُنس به والشوق إليه، ثم يتلوه العِلْم بأحكام الله، وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد.
فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علمًا نافعًا، وحصل له العِلْم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع، ومن فاته هذا العِلْم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي ﷺ وصار علمه وبالا وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنّه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدُّنْيَا، بل ارداد عليها حرصًا ولها طلبًا، ولم يسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه، هذا إن كان علمه علمًا يمكن الانتفاع به، وهو المتلقى عن الكتاب والسنة؛ فإن كان متلقى من غير ذلك فهو غير نافع في نفسه، ولا يمكن الانتفاع به، بل ضوء أكثر من نفعه.
***