Al-farq bayn al-naṣīḥa waʾl-taʿyīr
الفرق بين النصيحة والتعيير
Editor
أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني
Publisher
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
الفرق بين النصيحة والتعيير
2 / 401
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمدُ لله رب العالمين، وصلاته وسلامه عَلَى إمام المتقين، وخاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه كلماتٌ مختصرةٌ جامعةٌ في الفرق بين النصيحة والتعيير، فإنهما يشتركان في أنَّ كلًاّ منهما ذكر للإنسان بما يكره ذكرُه، وقد يشتبه الفرق بينهما عند كثير من الناس. والله الموفق للصواب.
اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره مُحَرَّم، إذا كان المقصود منه مجردَ الذم والعيبِ والنقصِ، فأمَّا إِن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين، أو خاصة لبعضهم، وكان المقصودُ منه تحصيلَ تلك المصلحةِ، فليس بمحرم، بل مندوب إِلَيْهِ.
وقد قرَّر علماء الحديث هذا في كتبهم في "الجرح والتعديل"، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردُّوا عَلَى من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتَّسع علمه. ولا فرق بين الطعن في رواةِ ألفاظ الحديث والتمييز بين من تُقبل روايتُه منهم ومن لا تُقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّل شيئًا منها عَلَى غير تأويله، وتمسَّك بما لا يتمسَّك به؛ ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العُلَمَاء عَلَى جواز ذلك أيضًا.
ولهذا تجد كتبهم المصنَّفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير، وشرح الحديث، والفقه، واختلاف العُلَمَاء وغير ذلك ممتلئة من المناظرات، وردوا أقوال من تضعَّف أقواله من أئمة السلف والخلف، من الصحابة والتابعين
2 / 403
ومن بعدهم. ولم ينكر ذلك أحدٌ من أهل العِلْم، ولا ادَّعى فيه طعنًا عَلَى من ردَّ عليه قوله، ولا ذمًّا ولا نقصًا، اللهم إلا أن يكون المصنَّفُ يُفحش في الكلام، ويسيء الأدب في العبارة فيُنكرُ عليه فحاشتُه وإساءتُه دون أصل رده، ومخالفته إقامة الحجج الشرية، والأدلة المُعتبرة.
وسبب ذلك أن علماء الدين كلهم مُجمعون عَلَى قصد إظهار الحق الَّذِي بعث الله به رسوله ﷺ، وأن يكون الدينُ كلُّه لله، وأن تكون كلمته هي العليا.
وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كلِّه -من غير شذوذ شيء منه- ليس هو مرتبةَ أحدٍ منهم، ولا ادَّعاه أحدٌ من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السَّلف المجمع عَلَى علمهم وفضلهم يقبلون الحقَّ ممن أورده عليهم، وإن كان صغيرًا، ويوصون أصحابهم وأتباعَهُم بقَبول الحق إذا ظهر في غير قولهم.
كما قالَ عُمر في مهور النساء، وردَّت تلك المرأة عليه بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) فرجع عن قوله وقال: "أصابت امرأةٌ ورجلٌ أخطأ"، ورُوي عنه أنه قال: "كل أحد أفقه من عمر".
وكان بعضُ المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول: "هذا رأينا، فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلناه".
وكان الشافعي يُبالغ في هذا المعنى ويوصي أصحابه باتِّباع الحق، وقبول السنة، إذا ظهرت لهم عَلَى خلاف قولهم، وأن يضرب بقوله حينئذ الحائط، وكان يقول في كتبه: لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
وأبلغُ من هذا، أنه قال: "ما نَاظَرني أحدٌ فباليتُ، أظهرت الحجةُّ عَلَى لسانه أو عَلَى لساني". وهذا يدلُّ عَلَى أنه لم يكن له قصدٌ إلا في ظهور الحق ولو كان عَلَى لسان غيره ممَّن يناظرُه أو يخالفه.
(١) النساء: ٢٠.
(٢) النساء: ٨٢.
2 / 404
ومن كانت هذه حاله، فإنه لا يكره أن يُردَّ عليه قولُه ويتبين له مخالفتُه للسنة لا في حياته ولا في مماته.
وهذا هو الظنُّ بغيره من أئمة الإسلام، الذَّابين عنه، القائمين بنصره من السَّلف والخلف، ولم يكونوا يكرهون مُخالفة من خالفهم أيضًا بدليلٍ عَرَضَ له، ولو لم يكن ذلك الدليل قويًّا عندهم بحيثُ يتمسكون به ويتركون دليلهم له.
ولهذا كان الإمام أحمد يذكر إسحاق بن راهويه ويمدحه ويثني عليه ويقول: "وإن كان يخالفُ في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا"، أو كما قال.
وكان كثيرًا يُعرضُ عليه كلامُ إسحاق وغيره من الأئمة، ومأخذُهم في أقوالهم، فلا يوافقُهم في قولهم، ولا يُنكر عليهم أقوالهم ولا استدلالهم، وإن لم يكن هو موافقًا عَلَى ذلك كله.
وقد استحسن الإمام أحمدُ ما حُكي عن حاتم الأصَم، أنه قِيلَ لَهُ: أنت رجلٌ أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحدٌ إلا قطعته، فبأي شيء تغلبُ خصمَك؛ فَقَالَ: بثلاث، أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوءه، أو معنى هذا، فَقَالَ أحمد: "ما أعقَلَه من رجل".
فحينئذ، فرد المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكره العُلَمَاءُ، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله، ويُثنون عليه. فلا يكون داخلًا في باب الغيبة بالكلية، فلو فُرض أنَّ أحدًا يكره إظهارَ خطئه المخالفِ للحقّ، فلا عبرةَ بكراهته لذلك، فإنَّ كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقولِ الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب عَلَى المسلم أن يُحبَّ ظهورَ الحق ومعرفة المسلمين به، سواء كان ذلك في موافقته أو
2 / 405
مخالفته. وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمّة المسلمين وعامتهم وذلك هو الدينُ كما أخبر به النبيُّ ﷺ (١).
وأما المبين لخطأ من أخطأ من العُلَمَاء قبله، إذا تأدَّب في الخطاب، وأحسن الرد والجواب فلا حَرَج عليه ولا لوم يتوجَّه عليه، وإن صدر منه من الاغترار بمقالته، فلا حرج عليه، وقد كان بعضُ السَّلف إذا بلغه قولٌ يُنكره عَلَى قائله يقول: "كَذَب فلان"، ومن هذا قولُ النبي ﷺ: "كَذَبَ أبو السّنابل" (٢) لما بلغه أنه أفتى أن المتوفى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا لا تحل بوضع الحمل حتى يمضي عليها أربعة أشهر وعشر.
وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالاتٍ ضعيفةٍ لبعض العُلَمَاء وردوها أبلغَ الرد كما كان الإمام أحمد ينكر عَلَى أبي ثور وغيره مقالاتٍ ضعيفة تفردوا بها، ويُبالغ في ردِّها عليهم، هذا كله حكمُ الظَّاهر.
وأما في باطن الأمر: فإن كان مقصودُه في ذلك مجردَ تبيين الحق، وأن لا يغترَّ الناسُ بمقالاتِ من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنهُ مُثابٌ عَلَى قصده، ودَخَلَ بفعله هذا بهذه النية في النُّصح لله ورسوله وأئمةِ المسلمين وعامَّتهم.
وسواء كان الَّذِي يبين خطؤه صغيرًا أو كبيرًا، وله أسوة بمن ردَّ من العُلَمَاء مقالات ابن عباس التي شذ بها، وأنكرت عليه من العُلَمَاء مثلَ المُتعة والصرف والعُمْرتين وغير ذلك.
ومَنْ رد عَلَى سعيد بن المسيِّب قوله في إباحته المُطلقة ثلاثًا بمجرَّد العقد، وغير ذلك مما يُخالف السنَّة الصريحة، وردَّ عَلَى الحسن قوله في ترك الإحداد عن المتوفى عنها زوجُها، وعلى عطاء قوله في إباحته إعارة الفُروج، وعلى
(١) أخرجه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٤٧).
2 / 406
طاوس قوله في مسائل متعددة شذَّ بها عن العُلَمَاء، وعلى غير هؤلاء ممن أجمعَ المسلمونَ عَلَى هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم.
ولم يعد أحدٌ منهم مخالفيه (١) في هذه المسائل ونحوها طعنًا في هؤلاء الأئمة ولا عيبًا لهم.
وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السَّلف والخلف بتبيين خطأ هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي، وإسحاق وأبي عُبيد وأبي ثور ومن بعْدهم من أئمَّة الفقه والحديث وغيرهما ممَّن ادَّعوا هذه المقالاتِ وما كان بمثابتا شيءٌ كثير، ولو ذكرنا ذلك بحروفه لطال الأمرُ جدًّا.
وأما إِن كان مُرادُ الرادِّ بذلك إظهار عيب من ردَّ عليه وتنقُّصه، وتبيين جهله، وقصوره في العِلْم ونحو ذلك كان محرمًا، سواء كان ردُّه لذلك في وَجْهِ من ردَّ عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخلٌ فيما ذمَّه اللهُ تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز، ودخل أيضًا في قول النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُوْمِنُ بِقَلْبِهِ، لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ يَتَّبِعُ عَوْرَاتِهِمْ، يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» (٢).
وهذا كلُّه في حقِّ العُلَمَاء المُقتدى بهم في الدِّين، فأمَّا أهلُ البدع والضلالة ومن تشبه بالعُلماء وليس منهم، فيجوزُ بيانُ جهلهم، وإظهارُ عيوبهم تحذيرًا من الاقتداء بهم. وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم.
...
(١) في جمع النسخ المخطوطة: "مخالفوه".
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٠)، وأبو داود (٤٨٨٠) من حديث أبي برزة الأسلمي.
2 / 407
فصل: [فيمن أراد بالنصيحة للعلماء النصح لله ورسوله ومن أراد التنقص والذم وإظهار العيب وكيفية معاملة كلٍّ منهما] (*)
ومَنْ عُرف منه أنه أراد بردِّه عَلَى العُلَمَاء النصيحةَ لله ورسوله، فإنه يجب أن يُعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمَّة المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ومن اتبعهم بإحسان.
ومن عرف أنه أراد بردِّه عليهم التنقص والذم، وإظهارَ العيب، فإنه ييستحقُّ أن يُقابل بالعُقوبة ليرتدعَ هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة.
ويُعرف هذا القصدُ تارة بإقرار الرادِّ واعترافه، وتارة بقرائن تُحيطُ بفعله وقوله، فمن عُرفَ منه العِلْم والدينُ وتوقيرُ أئمة المسلمينَ واحترامهم، ولم يذكر الردَّ وتبيين الخطأ إلا عَلَى الوجه الَّذِي ذكره غيره من أئمة العُلَمَاء.
وأما في التصانيف، وفي البحث، وجب حملُ كلامِهِ عَلَى الأول وأنه إِنَّمَا يقصد بذلك إظهار الدين والنصح لله ورسوله والمؤمنين، ومن حَمَل كلامه -والحال عَلَى ما ذُكر- فهو ممَّن يظنُّ بالبريء ظن السوء، وذلك من الظن الَّذِي حرمه اللهُ ورسولُه، وهو داخلٌ في قوله ﷾: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١)، فإن الظن السوءَ ممن لا يظهر منه أمارات السوء ممَّا حرَّمه الله ورسولُه، فقد جَمَع هذا الظان بين اكتساب الخطيئة والإثم ورَمْي البريء بها. ويقوِّي دخوله في هذا الوعيد إذا ظهرت منه -أعني هذا الظانَّ- أماراتُ السوء، مثلُ: كثرة البغي والعُدوان، وقلَّة الوَرَع وإطلاق اللسان، وكثرة الغيبة والبُهتان، والحَسَد للناس عَلَى ما آتاهم الله من فضله والامتنان، وشدة الحرص عَلَى المُزاحمة عَلَى الرياسات قبل الأوان.
(*) ما بين المعقوفين ليس في الأصول.
(١) النساء: ١١٢.
2 / 408
ومن عُرفَ منه هذه الصفات، التي لا يرضى بها أهل العِلْم والإيمان، فإنه إِنَّمَا يحمل تعرضه للعلماء، وردُّه عليهم عَلَى الوجه الثاني فيستحقُّ حينئذ مقابلته بالهوان، ومن لم تظهر منه أماراتٌ بالكليَّة تدلُّ عَلَى شيء، فإنَّه يجب أن يُحمل كلامُه عَلَى أحسن محملاته، ولا يجوزُ حملُه عَلَى أسوأ حالاته.
وقد قال عُمَرُ ﵁: "لا تظنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجدُ لها في الخير محملًا" (١).
...
(١) أخرجه المحاملي في "أماليه" (٤٦٠).
2 / 409
فصل: [في الفرق بين النصح بالعيوب للرجوع عنها والتوبيخ والتعيير بالذنب] (*)
ومِنْ هذا الباب أن يُقال للرجل في وجهه ما يكرهُه، فإنْ كان هذا عَلَى وجه النُّصح فهو حسنٌ، وقد قال بعضُ السَّلف لبعض إخوانه: "لا تَنْصحْني حتى تقول في وجهي ما أكرهُ".
فَإِذَا أخبر الرجل أخاه بعيبه ليجتنبه كان ذلك حسنًا، ويحق لمن أُخبر بِعيب من عيوبه أن يعتذر منها؛ إِن كان له منها عُذر، وإن كان ذلك عَلَى وَجْه التَّوبيخ بالذنبِ فهو قبيحٌ مذمومٌ.
وقيل لبعض السَّلف: "أتحب أن يُخبرك أحدٌ بعيوبك؛ فَقَالَ: إِن كان يريدُ أن يُوبِّخني فلا".
فالتوبيخ والتعييرُ بالذنب مذمومٌ، وقد نهى النبي ﷺ أن تُثرَّب الأمَةُ الزانيةُ مع أمره بجلدها (١)، فتُجلد حَدًّا ولا تُعيَّر بالذنب ولا تُوبَّخ به. وفي الترمذي وغيره مرفوعًا: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» (٢). وحُمِل ذلك عَلَى الذنب الَّذِي تاب منه صاحبه.
قال الفُضيل: "المؤمن يستُرُ وينصَحُ، والفاجر يهتكُ ويُعَير".
(*) ﴿ليست في الأصول﴾.
(١) أخرجه البخاري (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥٠٥) من طريق خالد بن معدان عن معاذ بن جبل به. وقال: قال أحمد: من ذنب قد تاب منه. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل. ونقل البرذعي قول أبي زرعة الرازي في "سؤالاته" (١/ ٥٨٤) وقد سئل عن هذا الحديث وغيره من رواية ثور عن خالد بن معدان عن معاذ: كلها مناكير، لم يقرأها عَليَّ، وأمرني فضربتُ عليها.
2 / 410
فهذا الَّذِي ذكره الفُضيل من علامات النُّصح والتعيير هو أن النُّصح يقترنُ به السترُ، والتَّعيير يقترنُ به الإعلانُ، وكان يقال: "من أمر أخاهُ عَلَى رءوس الملأ فقد عيَّره، أو هذا المعنى.
وكان السَّلفُ يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عَلَى هذا الوجه، ويُحبُّون أن يكون سرًّا فيما بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النُّصح، فإن الناصح ليس له غَرَضٌ في إشاعة عُيوب من ينصحُ له، وإنما غرضُهُ إزالةُ المفسدةِ التي وقع فيها.
وأما الإشاعة وإظهار العيوب فهو ممَّا حرمه الله ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) الآيتين.
والأحاديث في فَضْل السرِّ كثيرة جدًا.
وقال بعضُ العُلَمَاء لمن يأمر بالمعروف: "اجتهد أن تستر العُصاة، فإن ظهور عوراتهمْ وَهَنٌ في الإسلام، وأحقُّ شيءٍ بالستر: العَوْرة". فلهذا كان إشاعةُ الفاحشة مُقترنة بالتعيير، وهُما من خِصَال الفُجار، ولأن الفاجر لا غَرَض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للمعائب والنقائص، إِنَّمَا غَرَضُهُ في مُجردِ إشاعة العيب في أخيه المؤمن، وهتْك عرضه، فهو يُعيد ذلك ويُبديه، ومقصودُهُ تنقُّص أخيه المؤمن في إظهار عُيوبه ومساوئه للناس ليُدخلَ عليه بذلك الضَّرَرَ في الدُّنْيَا.
وأما الناصحُ فَغَرضُهُ بذلك إزالةُ عيب أخيه المؤمن باجتنابه له، وبذلك وَصَفَ اللهُ تعالى رسوله ﷺ فَقَالَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ (٢) الآية.
ووصف بذلك أصحابه فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣).
(١) النور: ١٩ - ٢٠.
(٢) التوبة: ١٢٨.
(٣) الفتح: ٢٩.
2 / 411
ووصف المؤمنين بالتواصي بالصحر والتواصي بالمرحمة.
وأما الحامل للفاجر عَلَى إشاعة السوء (وَهتكِهِ) (*) في القسوة والغلظة، ومحبة إيذاء أخيه المؤمن، وإدخال الضر عليه، وهذه صفةُ الشيطان الَّذِي يُزيِّن لبني آدم الكفر والفسوق والعصيانَ ليصيروا بذلك من أهل النيران، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (١).
وقال بعدَ أن قصَّ علينا قصَّته مع نبي الله آدمَ ﵇ ومَكرهُ به حتى توصَّل إِلَى إخراجه من الجنة: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ (٢).
فشتَّان بين مَنْ قصدُهُ النصيحة وبين مَنْ قَصْدُهُ الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا عَلَى من ليس من ذوي العقول الصحيحة.
...
(*) الهتكة: "نسخة".
(١) فاطر: ٦.
(٢) الأعراف: ٢٧.
2 / 412
فصل: [في عقوبة من عير أخاه بالذنب]
وعقوبةُ مَنْ أشاع السوء عَلَى أخيه المؤمن، وتتَّبع عيوبه، وكَشَفَ عوراته، أن يتَّبع اللهُ عورته ويفْضَحَهُ ولو في جوف بيته، كما رُوي ذلك عن النبي ﷺ من غير وَجْه، وقد أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من وجوه متعددة (١).
وأخرجه الترمذي (٢) من حديث واثِلَة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ». وقال: حسنٌ غريبٌ.
وخرَّج أيضًا (٣) من حديث مُعاذ مرفوعًا: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» إسناده منقطع.
وقال الحسن: "كان يُقال: مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَبْتَلِيهُ اللهُ بِهِ».
ويُروي من حديث ابن مسعود بإسناد فيه ضعف: «الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ، فلو أن رجلًا عير رجلًا برضاع كلبة لرضعها» (٤).
وقد رُوي هذا المعنى جماعة من السَّلف.
ولمَّا ركب ابنَ سيرين الدَّيْنُ وحُبس به قال: "إني أعرف الذنبَ الَّذِي أصابني هذا، عيَّرت رجلًا منذ أربعين سنة فقلت له: يا مُفلس".
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٠ - ٤٢١) وأبو داود (٤٨٨٠) من حديث أبي برزة الأسلمي وأخرجه الترمذي (٢٠٣٢) من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد.
(٢) برقم (٢٥٠٦).
(٣) برقم (٢٥٠٥) قال الترمذي: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٣١)، والبغوي في "الجعديات" (١٩٦٣).
2 / 413
فصل: [فيمن يظهر النصح ويبطن التعيير والأذى وأن ذلك من صفات المنافقين]
ومنْ (أخرج التَّعيير وأظهر السوء وأشاعه) (*) في قالبِ النُّصح وزعم أنه إِنَّمَا يحمله عَلَى ذلك العيوب، إما عامًّا أو خاصًا، وكان في الباطن إِنَّمَا غرضه التعيير والأذى، فهو من إخوان المنافقين الذين ذمَّهم الله في كتابه، في مواضعَ، فإنَّ الله تعالى ذَّم من أظهر فعلًا أو قولًا حسنًا وأراد به التوصُّل إِلَى غَرَض فاسدٍ يقصده في الباطن، وعدَّ ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة التي هتَكَ فيها المنافقين وفضحهم بأوصافهم الخبيثة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ...﴾ (١) الآيات، وقال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلًا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) الآية، وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، وقد أرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك عليه وفرحوا بما أوتوا من كتماله، وما سألهم عنه.
كذلك قال ابن عباس ﵄، وحديثُه بذلك مخرَّج في "الصحيحين" (٣).
(*) أظهر التعيير: إظهار السوء وإشاعته: "نسخة".
(١) التوبة: ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) آل عمران: ١٨٨.
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨).
2 / 414
عن أبي سعيد الخُدري "أن رجالًا من المُنافقين كانوا إذا خرج رسولُ الله ﷺ إِلَى الغزوة تخلَّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلافَ رسول الله ﷺ، فَإِذَا قدم رسولُ الله ﷺ اعتذروا إِلَيْهِ وحَلَفُوا، وأحبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية (١).
فهذه الخصالُ، خصالُ اليهود والمنافقين، وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولًا أو فعلًا، وهو في الصورة التي أظهره عليها حسن، ومقصودهُ بذلك التوصُّل إِلَى غَرَض فاسد، فيحمَدُهُ عَلَى ما أظهره من ذلك الحسَن، ويتوصَّلُ هو به إِلَى غرضه الفاسد الَّذِي هو أبطنَهُ، ويفرح بحمده عَلَى ذلك الَّذِي أظهر أنه حسن وهو في الباطن سيء، وعلى توصله في الباطن إِلَى غرضه السيء، فتتتمُّ له الفائدة وتُنفّذُ له الحيلة بهذا الخداع!!
ومَنْ كانت هذه صفته فهو داخلٌ في هذه الآية ولابدّ، فهو مُتوعَّدٌ بالعذاب الأليم، ومثالُ ذلك. أن يُريد الإنسانُ ذمَّ رجلٍ وتنقُّصه وإظهارَ عيبهِ لينفرَ الناس عنه؛ إما محبةٌ لإيدائه لعدواته أو مخافته من مزاحمته عَلَى مالٍ أو رياسةٍ أو غير ذلك من الأسباب المذمومة، فلا يتوصَّل إِلَى ذلك إلا بإظهار الطعْن فيه بسبب ديني، مثل: أن يكونَ قد ردَّ قولًا ضعيفًا من أقوال عالمٍ مشهور فيشيعُ بين من يُعظم ذلك العالم، أن فلانًا يُبغضُ هذا العالم ويذمُّه ويطعنُ عليه فيغرُّ بذلك كل من يَعظمه، ويُوهمُهُم أنَّ بغْضَ هذا الرادّ وأذاهُ من أعمال القُرب؛ لأنّه ذبٌّ عن ذلك العالم، ودفع الأذى عنه، وذلك قربة إِلَى الله ﷿ وطاعة؛ فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين مُحرَّمين:
أحدهما: أن يحملَ رد هذا العالم القولَ الآخر عَلَى البُغض والطَّعن والهَوَى وقد يكونُ إنَّما أراده به النُّصح للمؤمنين، وإظهار ما لا يحلُّ له كتمانه.
والثاني: أن يُظهر الطعْنَ عليه ليتوصَّلَ بذلك إِلَى هواه وغرضِهِ الفاسد في
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧).
2 / 415
قالب النُّصح والذَّب عن عُلماء الشرع.
بمثل هذه المكيدة كان ظلم بني مروان وأتباعهم يستميلون الناس إليهم ويُنفرون قلوبهم عن علي بن أبي طالب ﵁ والحسن والحسين وذريتهم ﵃ أجمعين.
فإنه لما قُتل عثمان ﵁ لم تر الأُمَّةُ أحقَّ من عليٍّ ﵁ بالأمر فبايعوه فتوصَّل مَن توصَّل إِلَى التنفير عنه، بأن أظهر تعظيم قتله عثمان وقُبحه، وهو في نفس الأمر كذلك، لكن ضُمّ إِلَى ذلك أن المؤلف عَلَى قلته والسَّاعي فيه هو عَلَيَّ ﵁، وهذا كذِب وبهت.
وكان علي يحلف ويُغلظ الحلفَ عَلَى نفي ذلك، وهو الصادق البار في يمينه ﵁، فلما أظهروا ذلك تفرقت قلوب كثير ممن لا خبرة له بحقائق الأمور عن علي ﵁، وبادروا إِلَى قتاله ديانة وتقرُّبًا، ثم إِلَى قتال أولاده، واجتهد أولئك في إظهار ذلك وإشاعته عَلَى المنَابِر في أيَّام الجُمع وغيرها من المَجَامع العظيمة، حتى استقرَّ في قلوب أتباعهم أنَّ الأمرَ عَلَى ما قالوه، وأن بني مروان أحقُّ بالأمر من علي وولدِهِ لقُربهم من عُثمان، وأخذهم بثأره، فتوصَّلوا بذلك إِلَى تأليف قُلوب الناس عليهم، وقتالهم لعليَّ وولده من بَعْده، وثبت بذلك لهم المُلك، واستوثق لهم الأمر.
وكان بعضهم يقول في الخلوة لمن يثقُ إِلَيْهِ كلامًا معناه: لم يكن أحدٌ من الصحابة أكفأ عن عثمانَ من عَلَيٍّ فيقال له: لم يسبُّونه إذًا، فيقول: إِنَّ المُلك لا يقوم إلا بذلك.
ومراده أنَّه لولا تنفيرُ قلوب الناس عن عليّ وَولدِهِ ونسبتُهم إِلَى ظلم عثمان لما مالت قلوب الناس إليهم، لما عَلِموه من صفاتهم الجميلة وخصائصهم الجليلة، فكانوا يُسرعون إِلَى مُتابعتهم ومُبايعتهم، فيزولُ بذلك مُلك بني أميَّة، وينصرفُ الناس عن طاعتهم.
***
2 / 416
فصل: [فيمن أصابه أذى ومكر أن عليه أن يصبر وأن التمكين سيكون له بعد صبره]
وَمَنْ بُلي بشيء من هذا الأذى والمكر فليتقِ الله ويستعين به ويَصْبِرُ، فإنَّ العاقبة للتقوى. كما قال تعالى بعد أن قصَّ قصةَ يوسُف وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١).
وقال تعالى حكايةٌ عنه أنه قال لإخواته: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) الآية.
وقال تعالى في قصَّة موسى ﵇ وما حصل له ولقومه من أذى فرعونَ وكيده، قال لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
وقد أخبر الله تعالى أن المكر يعود وبالُه عَلَى صاحبه، وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ (٥) الآية.
والواقع يشهد بذلك، فإنَّ من سبر أخبار الناس، وتواريخ العالِمَ، وقفَ من أخبارِ مَنْ مَكَرَ بأخيه فعادَ مكرُهُ عليه، وكان ذلك سببًا لنجاتِهِ وسلامتِهِ عَلَى العَجَبِ العجاب.
ولو ذكَرْنَا بعضَ ما وقع من ذلك لطال الكتابُ واتَّسع الخطابُ، والله الموفق للصواب، وعليه قصْدُ السبيل، وهو حَسبُنا ونعْمَ الوكيل، وصلَّى الله عَلَى محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا.
(١) يوسف: ٢١.
(٢) يوسف: ٩٠.
(٣) الأعراف: ١٢٨.
(٤) فاطر: ٤٣.
(٥) الأنعام: ١٢٣.
2 / 417