Faṣl al-khiṭāb fī sharḥ masāʾil al-jāhiliyya

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية

Editor

يوسف بن محمد السعيد

Publisher

دار المجد للنشر والتوزيع

Edition

الأولى ١٤٢٥هـ/٢٠٠٤م

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فهذه هي الطبعة الثانية من هذا الكتاب المبارك، وقد حرصت على تنقيحها وتلافي ما وقع في الطبعة الأولى من الأخطاء التي لم تكن مقصودة.
ومن الطرائف أن أحد العابثين بالكتب وهو المدعو علي مصطفى خلوف قام بالسطو على الكتاب في طبعته الأولى، ونقل الأخطاء كما هي، ولم يتورع عن العبث به وإفساده.
وقام الأخ الشيخ عبد الرحمن العسكر بنقده في أحد أعداد جريدة " الجزيرة" وهو العد ذو الرقم ١٠٩٠٦ الصادر يوم الخميس ٢٩/٦/١٤٢٣ فلله الأمر من قبل ومن بعد.
والله المستعان، وصلى آله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
وكتبه الفقير إلى عفو ربه القدير
يوسف بن محمد السعيد
عصر الجمعة ٢٦/٤/١٤٢٤
الرياض- حرسها الله تعالى.

1 / 5

مقدمة التحقيق
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
هذا، وإن الله- تعالى- بعث نبيه محمدا ﷺ وقد مقت- ﷻ

١ سورة آل عمران، الآية ١٠٢.
٢ سورة النساء، الآية١.
٣ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠-٧١.

1 / 7

٥- خرجت الأبيات الشعرية من الدواوين وكتب التخاريج.
٦- عرف بالفرق.
٧- علقت على بعض المواضع التي رأيت التعليق عليها.
٨- وثقت نقولات المؤلف من المصادر التي نقل عنها.
٩- قمت بوضع فهارس للكتاب، وهي: فهري الآيات، والأحاديث والآثار والأبيات والأعلام والفرق والجماعات والكتب الواردة في المتن ومصادر التحقيق والمراجعة، والموضوعات.
هذا وأسأل الله –تعالى- أن ينفع بهذا الكتاب وأصله من ألفه، وحققه وسعى في نشره، وقرأه.
﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك تبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

1 / 8

أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ففتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فحصل ببركة نبوته الخير العظيم.
وكان الناس إذ بعث فيهم النبي ﷺ قد حادوا على الصراط المستقيم، وسلكوا طرق الشياطين، فكثر فيهم الفساد والشر، فكانوا أحوج ما يكونون إلى من يدلهم إلى ما أضلوا، وهو دين الله-تعالى- ووحيه.
وهذا إنما حصل بسبب بعدهم عن منهج الله- تعالى- وشرعه، فأكثر ما جاء عن الله-تعالى- قد درس، وما بقي منه لا يعلم صدقه من كذبه، إذ سلك فيه المؤتمنون عليه- وهم الأحبار- مسلك التغيير والتبديل، فاشتبه حقه بباطله.
ولما بعث نبي الله ﷺ كان غاية همه ومراده عودة الناس إلى الأمر الأول، وهو عبادة الله-تعالى- ونبذ كل ما يعارض ذلك، والقضاء على مآثر الجاهلية، فجد ﷺ في ذلك واجتهد، حتى ترك الناس على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وأتم الله- تعالى- به النعمة، وكمّل به الدين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ﴾ ١.
وقد حذر الناس من إحياء سنن الجاهلية، والتشبه بأهلها، أو موافقتهم، في شيء من ذلك، فوقع هذا موقعه من الصحابة- ﵃ ومن تبعهم من القرون المفضلة.
ولما بعد الناس من نور النبوة، واجتالتهم الشياطين، فاتبعوا أهواء الذين من قبلهم، فدبت إليهم أنواع من البدع والمحدثات التي لم تكن في أسلافهم حتى استمرأ كثير منهم ذلك، فأنكروا على من أنكر عليهم،

١ المائدة:٣

1 / 11

وحاربوه، وغدت بينهم البدع سننا والسنن بدعا، وتشبهوا بأهل الجاهلية الأميين والكتابيين، ووقعوا فيما حذر منه ﷺ.
ولما رأى علماء هذه الأمة الخاتمة ما وقع فيه المسلمون من ذلك، تجردوا لمحاربته بكل ما يستطيعون، فكان من نتائج ذلك تأليف الكتب المحذرة من الوقوع في ذلك، فألفت في ذلك مؤلفات عدة، منها ما هو خاص بالتحذير من مشابهة الكفار.
ومن هذه المؤلفات كتاب "المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية" وهو كتيب صغير الحجم عظيم النفع، جمع فيه مؤلفه الإمام العالم الرباني شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- مسائل كثيرة خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية الأميين والكتابيين.
ولكون هذا الكتاب ذا أهمية كبيرة، فغن العالم السلفي أبا المعالي محمود شكري الألوسي- ﵀ قد قام بشرحه شرحا موجزا، استدل فيه لبعض مسائله، وفسر بعض أدلته، وربط بعض مسائله بواقعه الذي يعيش فيه.
ولأهمية هذا الكتاب وأصله، رغبت في تحقيقه ونشره، لعل الله –تعالى- أن ينفع به، وأن يجعله ذخرا لي يوم ألقاه.
وقد قسمت العمل في هذا الكتاب قسمين:
القسم الأول: قسم الدراسة وفيه فصلان:
الفصل الأول: التعريف بمؤلفي الكتابين وكتابيهما، وفيه المباحث الآتية:
المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف الأصل.

1 / 12

المبحث الثاني: ترجمة موجزة للشارح.
المبحث الثالث: منهجه في الشرح، ومصادره.
المبحث الرابع: طبعات الشرح، وتقويمها.
المبحث الخامس: التعريف بالنسخة الخطية للشارح.
الفصل الثاني: في الجاهلية، وفيه المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف الجاهلية لغة واصطلاحا.
المبحث الثاني: أنواع الجاهلية
المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية.
القسم الثاني: قسم التحقيق، وكان عملي فيه على النحو الآتي:
١- قابلت بين النسخة الخطية والمطبوعة، واعتمدت طريقة (النص المختار)، لكون كل واحدة منها تكمل الأخرى، وأرى أن القارئ يهمه سلامة النص، وخروجه على نحو ما أراده مؤلفه، وإبقاء الخطأ في النص مع الإشارة إليه في الحاشية- على نحو ما يفعله كثير من المستشرقين وبعض المتأثرين بهم- أرى أنه مما يشتت ذهن القارئ.
٢- ضبطت النص بالشكل، وما كان فيه وجهان أوضحتهما بالشكل، وكذا ما كان فيه ثلاثة وجوه.
٣- عزوت الآيات إلى مواضعها من كتاب الله-تعالى-.
٤- خرجت الأحاديث والآثار الواردة، واجتهدت في نقل أحكام أئمة هذا الشأن العظيم، خاصة المتقدمين منهم، ولم أذكر من المتأخرين سوى الشيخ أحمد بن شاكر-رحمه الله تعالى- والشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

1 / 13

القسم الأول: الدراسة
الفصل الأول: تعريف بمؤلف الكتاب
المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف النص
...
المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية
للإمام محمد بن عبد الوهاب. ١١١٥-١٢٠٦هـ
شرح العلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي. ١٢٧٣-١٣٤٣هـ
درّسه وحققه: د/ يوسف بن محمد السعيد، الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب الفكرية المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م
القسم الأول: الدراسة
وفيه فصلان: التعريف بمؤلفي الكتابين وكتابيهما.، في الجاهلية
الفصل الأول
وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف الأصل.
المبحث الثاني: ترجمة موجزة للشارح.
المبحث الثالث: منهجه في الشرح، ومصادره.
المبحث الرابع: طبعات الشرح، وتقويمها.
المبحث الخامس: التعريف بالنسخة الخطية للشارح.
المبحث الأول
ترجمة موجزة لمؤلف الأصل.
-هو الإمام العلامة الصلح شيخ الإسلام، ومحي ما اندرس من معالمه، أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد ابن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف التميمي.
- ولد -رحمه الله تعالى- في بلدة العيينة في بلاد نجد سنة خمس عشرة ومائة والف من هجرة المصطفى ﷺ في بيت علم ودين، وقد كان والده الشيخ عبد والوهاب (ت١١٥٣) قاضي العيينة ومفتيها، وكان جده الشيخ سليمان (ت ١٠٧٩) قاضي نجد عامة ومفتيها.
بدأ-رحمه الله تعالى- في طلب العلم مبكرا، فقد حفظ القرآن قبل العاشرة من عمره، ثم قرأ على والده مبادئ الفقه الحنبلي، ثم استأذنه في الخروج على الحج، فحج، ثم قصد المدينة النبوية ثم عاد إلى العيينة وأكمل القراءة على والده، ثم سافر بعد إلى مكة والمدينة، وأخذ يتردد على علمائها، فكان ممن أفاد منه الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي الحنبلي نزيل المدينة النبوية، والشيخ محمد حياة السندي (ت ١١٦٥)، ثم عاد مرة أخرى إلى العيينة، وقرا فيها على والده، وبدأ دعوته، حيث دعا على التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة، وحذر من الشرك الذي كان سائدا في أعظم ارجاء البسيطة، ثم رحل إلى

1 / 17

العراق، وكان يتردد فيها بين البصرة والزبير، وأخذ هناك عن الشيخ محمد المجموعي، ثم لما أردا العودة إلى بلاده مر ببلدة الأحساء، ونزل هناك على الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي، وأقام عنده يتلقى عنه العلم، ثم رجع إلى نجد، ونشط في دعوته على الله تعالى آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، مجاهدا في سبيل الله بكل ما يملك فأحيا الله على يديه سننا قد درست، وترك العمل بها، وعمّ التوحيد أرجاء كثير من العالم الإسلامي.
تتلمذ على يدي الشيخ طلبة نجباء، أصبحوا بعد علماء أجلاء، حملوا الدعوة بعده، نهجوا نهجه، فنفع الله تعالى بهم، من هؤلاء: أبناؤه: الشيخ عبد الله (ت ١٢٤٣) والشيخ حسين (ت ١٢٢٤) والشيخ علي (ت ١٢٤٥) وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت ١٢٨٥) والشيخ حمد بن ناصر بن معمر (ت ١٢٢٥) والشيخ حسين بن غنام (ت ١٢٢٥)، والشيخ عبد العزيز الحصين (ت١٢٣٧) .
ألف الإمام رحمه الله تعالى كتبا ورسائل كثيرة، قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية جمع أكثرها، وطبعه على نفقتها، وتوزيعه فكانت كثر من عشر مجلدات.
ومن هذه لكتب:
- كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
- مسائل الجاهلية.
- كشف الشبهات.
- الأصول الثلاثة.
- مختصر زا المعاد.

1 / 18

- مختصر السيرة.
- مختصر المغني والشرح الكبير.
ألمّ بالشيخ رحمه الله تعالى مرض شديد في أواخر شهر شوال عام ١٢٠٦، واستمر معه المرض حتى توفاه الله تعالى في أواخر شهر ذي القعدة من العام نفسه، فاللهم ارفع درجته في عليين، واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

1 / 19

المبحث الثاني
ترجمة الشارح
هو أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بهاء الدين بن محمد بن أبي الثناء شهاب الدين بن عبد الله بن صلاح الدين بن محمود لخطيب الألوسي.
-ولد رحمه الله تعالى في اليوم التاسع عشر من شهر رمضان عام ثلاثة وسبعين ومائتين وألف من هجرة النبي ﷺ في بغداد من بلاد العراق.
-نشأ رحمه الله تعالى، في بيت علم ودين، فقد كان كثير من أسرته علماء وأدباء، فأبوه عبد الله (ت١٢٩١) كان عالما، له مؤلفات، وجده أبو الثناء محمود بن شهاب الدين صاحب "روح المعاني" كان –أيضا- عالما، وإن كان عنده شيء من البدع، فالله يسامحه، ومن أولاء عمه نعمان خير الدين صاحب جلاء العينين، فقد كان خيرا دينا عالما وقورا.
-بدأ أبو المعالي رحمه الله تعالى في طلب العلم في سن مبكرة جدا، فأخذ عن أبيه مبادئ العربية والخط، ثم بعد وفاة أبيه كفله عمه خير الدين فأخذ عنه، كما أخذ عن مشايخ بلده، ومنهم الشيخ إسماعيل بن مصطفى.
-وبعد أن استوى على سوقه عقد حلقا للعلم في داره ينهل منها الطلاب، ويفيدون منها، كما درّس في جامع عادل خاتون، وجامع

1 / 20

الحيدرية، وجامع السيد سلطان علي، ومدرسة المرجان.
-ألف أبو المعالي-رحمه الله تعالى- مؤلفات كثيرة نفع الله تعالى بها، ومن هذه المؤلفات:
-غاية الأماني في الرد على النبهاني.
-فتح المنان، وهو كتاب أتم به التأسيس في الرد على داود بن جرجيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب- ﵀.
-صب العذاب على من سبّ الأصحاب.
-بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب.
-تاريخ نجد.
-شرح مسائل الجاهلية، وهو كتابنا هذا.
-شرح منظومة عمود النسب.
-الضرائر الشعرية.
لقد كان الشيخ رحمه الله تعالى على عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، يظهر ذلك جليا في مؤلفاته، وخاصة في "بلوغ الأماني"، و"شرح مسائل الجاهلية" و"فتح المنان"، وكان رحمه الله تعالى شديدا على أهل البدع، محاربا لهم، متأثرا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
توفي أبو المعالي-رحمه الله تعالى- في اليوم الرابع من شهر شوال عام (١٣٤٢هـ) على أثر مرض ألمّ به في أواخر شهر رمضان من العام

1 / 21

نفسه، نسأل الله تعالى له الرحمة والنجاة من النار، وجزاه على ما قدم للمسلمين خير الجزاء١.

١ انظر ترجمته: "محمود شكري الألوسي-سيرته ودراساته اللغوية" لمحمد بهجة الأثري، "أعلام العراق" لمحمد بهجة الأثري (ص٨٦-٢٤١)، مقدمة المسك الأذفر (ص١٣-٤٥) مقدمة كتاب "صب العذاب على من سب الأصحاب" للألوسي، ومقدمة من وضع الشيخ عبد الله البخاري (ص٣٧-١٨٣) .

1 / 22

المبحث الثالث
منهج الشرح
لقد بيّن المؤلف رحمه الله تعالى منهجه في شرحه هذا الكتاب في مقدمة كتابه حيث قال: " ... ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة الآخذة بيد من تمسّك بها إلى منازل الرحمة، أحببت أن أعلّق عليها شرحا يفصّل مجملها، ويكشف معضلها، من غير إيجاز مخل، ولا إطناب ممل، مقتصرا فيه على أوضح الأقاويل، ومبينا ما أورده من برهان ودليل".
فهذا منهجه قد أبانه بهذه السطور.
وقد أخل رحمه الله تعالى بما ذكره في بعض المواضع، فتجده تارة يطيل في بعضها إطالة غير معتادة، بينما نجده تارة أخرى يذكر المسألة دون أن يتكلم فيها بشيء.
في تفسيره للآيات جل اعتماده على كتاب جده أبي الثناء "روح المعاني".
وفي مسائل الاعتقاد يعتمد اعتمادا كبيرا على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.

1 / 23

وهو تارة يصرح بالمصدر الذي نقل عنه، وتارة لا يصرح.
كما أن الشارح رحمه الله تعالى عني كثيرا بربط هذه المسائل بما يشاهده من أهل زمانه، مما يجعل هذا الكتاب مصدرا معتبرا لمعرفة أحوال الناس وقت الشارح.

1 / 24

المبحث الرابع
طبعات الكتاب
لقد تمّ طبع هذا الكتاب أول مرة عام ١٣٤٧هـ بالمطبعة السلفية للسيد محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى بمصر، أي بعد وفاة المؤلف رحمه الله تعالى بأربع سنوات، واعتمد فيها على نسخة أهداه إياها الأستاذ محمد بهجة الأثري أحد تلامذة المؤلف، ثم صُوِّر عن هذه الطبعات مرات كثيرة.
وقد حرص محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى على أخراجها للناس، كي يفيدوا منها، فكان له ما أراد، فأفاد الناس من هذه الطبعة، وانتشرت بينهم فجزاه الله عنهم خير الجزاء.
وفي عام ١٤١٢هـ قامت دار المجد للنشر والتوزيع بالرياض بصف حروف الكتاب صفا جيدا، معتمدة على طبعة الكتاب السابقة، بما فيها تعليقات الناشر.
الملحوظات على مطبوعة السلفية ومطبوعة دار المجد:
إن كل عمل بشري لا بد أن يلحقه شيء من النقص، وإنه مع حرص السيد محب الدين على إخراج الكتاب بصورة حسنة، لم تسلم هذه الطبعة من الأخطاء، فمن الأخطاء:

1 / 25

١-عدم وصف النسخة الخطية التي اعتمدها في إخراج الكتاب.
٢-عدم تمييزه بين تعليقاته وتعليقات المؤلف، فقد كان له رحمه الله تعالى تعليقات، وللمؤلف تعليقات، فلم يميز بينهما، ولا يعرف ذلك إلا من وقف على المخطوط.
٣-التدخل في نص المؤلف، فقد وضعت عناوين للمسائل ليست في النسخة الخطية التي بين أيدينا، فإن كانت موجودة في النسخة الخطية التي اعتمدها، فهذا يدلل على أهمية وصفها، وتصوير بعض أوراقها في أول الكتاب، وإن لم تكن موجودة فهذا تدخل في النص لم يشر إليه.
٤-جاء على طرّة النسخة التي الخطية التي بين أيدينا ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلى حضرة الإمام الهمام، إمام الأئمة، أعني به جناب الشيخ عبد الله بن خلف بن دحيّان المحترم، أعلى الله تعالى.... آمين، وبعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام، أقدم إليك هذا الكتاب، وهو شرح مسائل الجاهلية، هدية لك، فالرجاء قبولها والتحفظ عليها، لأن إبراهيم أفندي نجل السيد ثابت الألوسي وبهجة الأثري أرسلاها إلى مصر لأجل الطبع، لكن بعد ما غيرا فيها وبدّلا، وهذه صححت مرارا وتكرارا، فلذلك أوصيك بحفظها والسلام، ٣ ذي القعدة ١٣٤٥هـ عبد الكريم السيد عباس".
وبعد المقابلة لم يظهر لي سوى ما ذكرته قبل، فلعله يشير بهذا الكلام إليه.

١ هنا كلمة لم أستبنها.

1 / 26

المبحث الخامس
وصف النسخة الخطية
حصلت على هذه النسخة من صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ-وفقه الله تعالى- وهي مصورة عن مكتبة الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.
وتتكون من خمس وأربعين لوحة، في كل لوحة وجهان، متوسط أسطر كل وجه عشرون سطرا، ومتوسط عدد كلمات كل سطر أربعة عشرة كلمة.
وخطها جيد، وهي مكتوبة بقلم عبد الكريم السيد عباس الشيخلي عام ١٣٤٤هـ.

1 / 27

الفصل الثاني: في الجاهلية
المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية
...
المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية
لقد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية، وتحريم التشبه بهم، سواء في عباداتهم أو في أعيادهم، وأجمع أهل العلم على ذلك١.
ولكثرة النصوص الواردة في هذا، اجتهدت في حصر دلالاتها، مع الاستدلال لكل دلالة بنص أو أكثر، فكانت على النحو الآتي:
أولا: الأمر الصريح بالمخالفة:
جاءت أحاديث عن النبي ﷺ صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية، مما يعني وجوب مخالفتهم، لأن الأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف٢، ولا صارف هنا، ومن هذه الأحاديث ما يأتي:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى"٣.

١ انظر اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٢و٣٢٠)
٢ انظر: "العدة في أصول الفقه" لأبي يعلى (١/٢٢٤)، "التمهيد" لأبي الخطاب الكلوذاني (١/١٤٥)، "المحصول في علم الأصول" للرازي (٢/٦٦)، روضة الناظر لا بن قدامة ص١٩٣، وغيرها من كتب الاصول
٣ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب اللباس- باب تقليم الأظافر- (٧/٥٦) ومسلم في صحيحه-كتاب الطهارة- (١/١٢٢) ح٢٥٩، واللفظ له.

1 / 39

وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: "خرج رسول الله ﷺ على مشيخة الأنصار، بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرو، فقال ﷺ تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ فتخففوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصّون عثانينهم١ ويوفرون سبالهم٢، فقال النبي ﷺ قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب"٣.
وقال ﷺ: "خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم"٤.

١ العثانين: جمع عثنون وهو اللحية، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير (٣/١٣٣)
٢ السبال جمع سبلة بالتحريك، وهي الشارب، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير (٣/٣٣٩)
٣ أخرجه أحمد في مسنده (٥/٢٦٤) والطبراني في الكبير (٨ / ٢٨٢)، قال الهيثمي في مجمه الزوائد (٥ /١٣١): "رجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة وفيه كلام لا يضر" وجسّن إسناد أحمد ابن حجر في فتح الباري (١٠/٣٦٧)، والألباني في السلسلة الصحيحة (٣/٢٤٩) .
٤ أخرجه أبو داود في سننه – كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعل- (١/٤٢٧) ح٦٥٢، وابن حبان كما في الإحسان- كتاب الصلاة-باب فرض متابعة الإمام (٣/٣٠٦) ح ٢١٨٣، والحاكم في مستدركه –كتاب الصلاة- (١/٢٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعلين (٢/٤٣٢)، والبغوي في شرح السنة-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعال (٢/٤٤٣) ح ٥٣٤.

1 / 40

ثانيا: النهي عن مشابهة أهل الجاهلية في أهوائهم بصيغته:
كما جاءت الأدلة صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية، فقد جاءت أيضا صريحة في النهي عن مشابهتهم في أهوائهم بصيغة النهي الحقيقية "لا تفعل" ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ١
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾ ٢
وقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٣
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤
ففي هذه الآيات نهي من الله تعالى لنبيه ﷺ أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، "وقد في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
واهواؤهم هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه"٥.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ ٦.

١ المائدة: ٤٨
٢ المائدة: ٤٩
٣ الشورى: ١٥
٤ الجاثية:١٨
٥ اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٥)
٦ البقرة: ١٠٤

1 / 41