Fatāwā Nūr ʿalāʾl-darb

فتاوى نور على الدرب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فبحمد الله وتوفيقه تم الانتهاء من (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة) لسماحة شيخنا الإمام العلامة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز - غفر الله له ورحمه، وأسكنه الفردوس الأعلى من جنانه - وقد قام بجمعها وترتيبها معالي الشيخ الدكتور / محمد بن سعد الشويعر - جزاه الله عنا وعن شيخنا وعن سائر المسلمين خير الجزاء وأوفاه - وها نحن الآن في بواكير (فتاوى نور على الدرب) لسماحة شيخنا العلامة الشيخ / عبد العزيز بن باز ﵀ والتي قام بجمعها وترتيبها معالي الشيخ الدكتور/ محمد بن سعد الشويعر، وفقه الله.
وقد تميزت هذه الفتاوى بما تميز به شيخنا - غفر الله له - من التعظيم للكتاب والسنة، والصدور عنهما، وتقديم ما دل الدليل عليه من آراء الرجال، مع ما وهبه الله لسماحته - غفر الله له - من فقه واطلاع واسع، وذاكرة حاضرة بأنواع المحفوظات، ودقة في

1 / 3

الاستنباط، وتأدب مع أهل العلم بل والعامة، ولغة فصيحة قريبة سهلة المأخذ، لا تنبو عن أفهام العوام، ولا تتصاغر أمام عقول فحول العلماء، هبة من الله وفضلا، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
عاش - غفر الله له - مجاهدا في العلم والتعلم والدعوة والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وبذل النصح للخاص والعام، مقربا محببا للولاة والرعية، بذل ماله ووقته وجاهه وجهده لله ﷿، كان محبا للضعفاء والمساكين في سائر بقاع الأرض، ساعيا جهده لنفعهم ورفع الضرر عنهم، ضرب في كل ميدان من ميادين الخير بسهم، عظم السنة في قلبه فعظم الله شأنه في قلوب خلقه، مهيبا معظما على لطفه ولينه وسماحته، فسبحان من جمع له الخير من أطرافه، وبارك له في عمره وعمله، وقد لقي عاجل بشرى المؤمن ثناء حسنا من الناس حيث سار، بل في السر والجهار، فالحمد لله على فضله وإحسانه؛ وإن من إحسان الله إليه أن هيأ لعلمه من يقوم عليه؛ جمعا ودراسة وترتيبا ونشرا، فضلا من الله ومنة؛ جزاء ما بذل، وهذا من أمارات الخير له غفر الله له ورحمه.
هذا وإني قد سمعت جميع ما ورد في هذه الفتاوى من قراءة معالي الشيخ الدكتور/ محمد بن سعد الشويعر - وفقه الله - في مجالس منتظمة لسنوات عدة، وذلك من خلال ما فرغ من أشرطة فتاوى نور على

(١) سورة البقرة الآية ١٠٥

1 / 4

الدرب، التي بلغت (٤٣٥) شريطا، فشكر الله سعيه ووصله بإحسانه ووفقه لما يحبه ويرضاه سبحانه.
كما أسأله سبحانه أن ينفع بهذا الجهد، وأن يجعله خالصا لوجهه مقربا لمرضاته، نافعا لعباده المؤمنين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المفتي العام للمملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء والرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

1 / 5

كتاب العقيدة

1 / 7

باب ما جاء في التوحيد
١ - تعريف الإسلام
س: أرجو توضيح معنى الإسلام؟ (١)
ج: الإسلام معناه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، إذلالا وخضوعا، هذا معنى الإسلام، يقال: أسلم فلان لفلان: ذل له وانقاد له، وأعطاه مطلوبه. فالإسلام معناه ذل لله، وانقياد لله؛ بتوحيده والإخلاص له، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، هذا هو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢). وسمي المسلم مسلما: لأنه منقاد لله ذليل مطيع له سبحانه في فعل ما أمر، وترك ما نهى، ويطلق الإسلام على جميع ما أمر الله به ورسوله: من صلاة وصوم وحج وإيمان، وغير ذلك، كله يسمى إسلاما، كما قال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣)، وقال

(١) السؤال الرابع من الشريط رقم (٣٧٣).
(٢) سورة آل عمران الآية ١٩
(٣) سورة المائدة الآية ٣

1 / 9

سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). فالمسلم هو المنقاد لأمر الله؛ قولا وعملا وعقيدة، والإسلام هو الانقياد لأمر الله، والتسليم لأمر الله، والذل لأمر الله من جميع الوجوه.
...

(١) سورة آل عمران الآية ٨٥
٢ - معنى شهادة أن لا إله إلا الله
س: نطلب من سماحتكم أن تشرحوا لنا معنى الركن الأول من أركان الإسلام، وما يقتضيه ذلك المعنى، وكيف يتحقق في الإنسان؟ وما حكم من جهل شيئا منه؟ (١):
ج: إن الله بعث نبيه محمدا ﷺ إلى الناس عامة عربهم وعجمهم، جنهم وإنسهم، ذكورهم وإناثهم، يدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له وإلى الإيمان بالرسول ﵊ وبما جاء به وإلى الإيمان بجميع المرسلين وبجميع الملائكة، والكتب المنزلة من السماء وباليوم الآخر، وهو البعث والنشور، والجزاء والحساب، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره، وإن الله قدر الأشياء، وعلمها وأحصاها وكتبها ﷾، فكل شيء يقع فهو بقضاء الله وقدره

(١) السؤال العاشر من الشريط رقم (٧٤).

1 / 10

﷾، وأمر الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله، هذا هو أول شيء دعا إليه، وهو الركن الأول من أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلما قال للناس قولوا: لا إله إلا الله، وأمر أن يؤمنوا بأنه رسول الله ﵊ امتنع الأكثرون وأنكروا هذه الدعوة، وقالت له قريش ما ذكر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١)،: وقال سبحانه عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣)، فاستنكروا هذه الدعوة؛ لأنهم عاشوا على عبادة الأوثان والأصنام واتخاذ الآلهة مع الله ﷿، ولهذا أنكروا دعوة الرسول ﵊ إلى توحيد الله والإخلاص له، وهذا الذي دعا إليه ﷺ هو الذي دعت إليه الرسل جميعا كما قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥).
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال:

(١) سورة ص الآية ٥
(٢) سورة الصافات الآية ٣٥
(٣) سورة الصافات الآية ٣٦
(٤) سورة النحل الآية ٣٦
(٥) سورة الأنبياء الآية ٢٥

1 / 11

«بني الإسلام على خمس يعني: على خمس دعائم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (١)»، وفي الصحيح أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن «النبي ﷺ أتاه سائل يسأله في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الحاضرين أحد، فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال: " الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ": قال: صدقت. قال الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه ثم قال ما الإيمان؟ قال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. (٢)» الحديث. ثم أخبرهم النبي ﷺ أن هذا هو جبرائيل أتاهم يعلمهم دينهم، لما لم يسألوا أتاهم جبرائيل بأمر الله يسأله عن هذا الدين العظيم حتى يتعلموا ويستفيدوا، فدين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة الظاهرة:
أولها: شهادة أن لا إله

(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، برقم ٨، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم ٨.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان وأركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم ١٦.

1 / 12

إلا الله وأن محمدا رسول الله.
ثانيها: إقام الصلوات الخمس.
ثالثها: أداء الزكاة.
رابعها: صوم رمضان.
خامسها: حج بيت الله الحرام.
وعلى أركان باطنة إيمانية في القلب وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
فلا بد من هذه الأصول، ولا بد أن يؤمن المكلف بهذه الأصول الستة الباطنية التي تتعلق بالقلب، فيؤمن أن الله ربه وإلهه ومعبوده الحق ﷾، ويؤمن بملائكة الله وبكتب الله التي أنزلها على الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك، ويؤمن أيضا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده أولهم نوح وآخرهم محمد ﵊، وهم كثيرون بين الله بعضهم في القرآن العظيم، ويؤمن أيضا باليوم الآخر والبعث بعد الموت والجزاء من عند الله ﷿ وأن أهل الإيمان لهم السعادة، وأهل الكفر لهم الخيبة والندامة والنار، ولا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن الله قدر الأشياء وعلمها وكتبها وأحصاها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما يقع في الوجود من خير وشر وطاعة ومعصية فقد سبق بهذا علم الله وكتابته وقدره ﷾.
فالأصل العظيم الأول الذي طالبت به الرسل هو الإيمان بأن الله هو الإله الحق ﷾، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، هذا أصل أصيل أجمعت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم دعوا إلى

1 / 13

هذا الأصل الأصيل، وهو أن يؤمن الناس بأن الله هو الإله الحق وأنه لا معبود بحق سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله أي: لا معبود حق إلا الله، وما عبده الناس من أصنام أو أشجار أو أحجار أو أنبياء أو أولياء أو ملائكة كله باطل، العبادة بالحق لله وحده ﷾: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١)، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣)، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤).
ولا بد مع هذا الأصل من الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام من عهد نوح الإيمان بنوح، وفي عهد هود الإيمان بهود، مع توحيد الله، وفي عهد صالح الإيمان بصالح، مع توحيد الله وهكذا في عهد كل رسول لا بد من توحيد الله، والإيمان بأنه لا إله إلا الله ولا بد من الإيمان بالرسول الذي بلغ الرسالة في عهده إلى آخرهم عيسى ﵊، آخر الأنبياء بني إسرائيل، ثم بعث الله خاتمهم وأفضلهم نبينا محمدا ﷺ، فعيسى هو آخر أنبياء بني إسرائيل، ومحمد هو آخر الأنبياء وخاتم الأنبياء جميعا، ليس بعده نبي ولا رسول ﵊، وهو أفضل الرسل، وهو إمامهم، وهو خاتمهم،

(١) سورة البقرة الآية ١٦٣
(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٣) سورة الفاتحة الآية ٥
(٤) سورة البينة الآية ٥

1 / 14

فلا بد في حق الأمة أمة محمد ﷺ جنها وإنسها، عربها وعجمها، ذكورها وإناثها، أغنيائها وفقرائها، حكامها ومحكوميها، لا بد أن يؤمنوا بهذا النبي، فمن لم يؤمن به فلا إسلام له، ولا دين له، فلا بد من الإيمان بأن الله هو الإله الحق، وأنه لا إله بحق إلا الله، ولا بد من الإيمان بمحمد ﷺ وأنه رسول الله حقا، إلى جميع الناس، فمن لم يؤمن بهاتين الشهادتين فليس بمسلم، إذ لا بد من الإيمان بهما واعتقاد معناهما، وأن معنى لا إله إلا الله؛ معناها لا معبود حق إلا الله فلا يجوز أن يدعى مع الله ملك أو نبي أو شجر أو حجر أو جن أو صنم، فإذا قال: يا رسول الله انصرني. بعد موته ﷺ، أو قال: يا سيدي البدوي انصرني. أو: اشف مريضي. أو: يا سيدي الحسين. أو: يا سيدي عبد القادر. أو: المدد المدد. صار هذا شركا بالله ﷿، يبطل معنى لا إله إلا الله؛ لأنك لم تأت بالعبادة لله وحده، بل أشركت مع الله غيره، ودعوت مع الله غيره، والله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ويقول جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) ويقول:

(١) سورة الجن الآية ١٨
(٢) سورة يونس الآية ١٠٦
(٣) سورة البينة الآية ٥
(٤) سورة الإسراء الآية ٢٣

1 / 15

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١).
ويقول النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة (٢)». ويقول جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣). فلا بد من إخلاص العبادة لله وحده، ومنها الدعاء، فإذا قلت للميت أو للشجر أو للصنم: أغنني، انصرني، اشف مريضي، المدد المدد. صار شركا بالله، وصار نقضا لقول: لا إله إلا الله. وهكذا من كذب الرسول محمدا ﷺ، وشك في رسالته، أو قال: إنه للعرب دون العجم - أو قال: إنه ليس خاتم النبيين بل بعده نبي. كل هذا كفر وضلال، ونقض للإسلام، نسأل الله العافية. فلا بد من الإيمان بأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، ولا بد من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ليس بعده نبي، وأن من ادعى النبوة بعده كافر بالله كذاب؛ كمسيلمة، والأسود العنسي في اليمن، وسجاح التميمية، وطليحة الأسدي، وجميع من ادعوا من بعده، فأجمع الصحابة ﵃ وأرضاهم على كفرهم وقاتلوهم؛ لأنهم كذبوا معنى قوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤). وقد تواترت الأحاديث عن

(١) سورة الفاتحة الآية ٥
(٢) أخرجه الإمام أحمد في أول مسند الكوفيين، حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ، برقم ١٧٨٨٨
(٣) سورة غافر الآية ٦٠
(٤) سورة الأحزاب الآية ٤٠

1 / 16

رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي (١)».
فهذه الشهادة التي هي شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هي الأصل الأصيل، وهي الركن الأول من أركان الإسلام، فلا إسلام إلا بهاتين الشهادتين، لو صلى وصام وحج، وصام النهار وقام الليل، وذكر الله كثيرا، ولكنه لا يؤمن بأن الله هو المستحق للعبادة، لا يؤمن بأن: لا إله إلا الله، بل يرى أنه لا مانع من عبادة الأوثان والأصنام، لا يرى مانعا من عبادة البدوي أو الحسين أو الشيخ عبد القادر أو علي بن أبي طالب، أو غيرهم، إذا اعتقد أنه يجوز هذا؛ يدعوهم من دون الله، يستغيث بهم، ينذر لهم، صار مشركا بالله ﷿، وصار كلامه هذا وعقيدته ناقضة لقول: لا إله إلا الله. وهكذا لو قال: إن محمدا ﷺ ليس بخاتم الأنبياء. أو: ليس مرسلا للثقلين بل هو للعرب خاصة. كان كافرا بالله ﷿، فلا بد أن يؤمن بأنه رسول الله إلى جميع الثقلين، ولا بد أن يؤمن بأنه خاتم الأنبياء، ليس بعده نبي ولا رسول. هذا هو الأصل الأصيل.
ثم بعد هذا يطالب المسلم بعد هذا بالصلاة، يطالب بالزكاة بالصيام بالحج، ببقية الأوامر، وترك النواهي بعد ما يثبت هذا الأصل، بعد إيمانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛

(١) أخرجه الإمام أحمد في باقي مسند الأنصار، ومن حديث ثوبان ﵁، برقم ٢٧٧٠٣.

1 / 17

يعني: إيمانه بأن الله سبحانه هو المعبود الحق، وأن العبادة حقه وحده، وأنه لا يعبد معه سواه؛ لا نبي ولا ملك ولا شجر ولا صنم، ولا غير ذلك. ولا بد من الإيمان بأن محمدا رسول الله، مع التصديق بجميع الأنبياء الماضين، وأنهم أدوا الرسالة، وبلغوها عليهم الصلاة والسلام، مع الإيمان بجميع ما تقدم؛ بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. لا بد من هذا وهذا، ولا بد مع هذا كله من التصديق بما أخبر الله به ورسوله عما كان وما يكون، فالله صادق في خبره، ورسوله صادق ﵊. فمن كذب الله أو كذب الرسول ﷺ كفر، ولو صلى وصام، نسأل الله للجميع الهداية.
***
٣ - بيان مراتب دين الإسلام
س: يسأل المستمع من الرياض ويقول: ما هي مراتب الدين، مع ذكر أركان كل مرتبة؛ جزاكم الله خيرا (١).
ج: مراتبه ثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان. كما بينه النبي ﷺ.
المرتبة الأولى: الإسلام؛ المرتبة العامة، وأركانها خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وكل عمل مما شرعه الله داخل في الإسلام.

(١) السؤال الثلاثون من الشريط رقم (٤٣٣).

1 / 18

والمرتبة الثانية: الإيمان: وأركانها ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
المرتبة الثالثة: الإحسان؛ وهو ركن واحد، ومعناه: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وجميع الأعمال الصالحة داخلة في الإسلام والإيمان، فإذا جمع المؤمن بين الأعمال كلها الظاهرة والباطنة صار مسلما مؤمنا، وإذا عبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، صار مسلما مؤمنا محسنا نسأل الله للجميع التوفيق.
***
٤ - العقيدة الصحيحة هي أصل الدين وأساس الملة
س: الأخ/ س. ع. م. ل. من الحبشة، مقيم في مدينة جدة، يسأل ويقول: لقد تعلمت في بلدي الحبشة بعض العلوم الدينية، ولكني لا أعلم صحتها خاصة فيما يتعلق بالعقيدة، إذ تتخللها بعض التوهيمات الصوفية، أدركت هذا بعد قدومي إلى هذا البلد. أرجو توجيهي جزاكم الله خيرا (١).
ج: العقيدة أهم الأمور، وهي أصل الدين وأساس الملة، وهي التي بدأ بها الرسل عليهم الصلاة والسلام أممهم، وبدأ بها نبينا ﷺ

(١) السؤال الخامس عشر من الشريط رقم (١٦٥).

1 / 19

أمته، فمكث في مكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى توحيد الله، والإخلاص له، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه رب العالمين، وأنه الخلاق العليم، وأنه المستحق للعبادة، وكانت العرب تعرف أن الله رب العالمين، وأنه خالقهم ولكنهم يتخذون معه الأنداد والآلهة؛ من الشجر والحجر والأصنام وبني آدم والجن، وغير ذلك. فبين لهم ﷺ أن العبادة حق الله وحده، وأن الواجب عليهم إخلاص العبادة لله وحده، وقال: «يا قومي قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا (١)». فلما قال لهم هذا استنكروا ذلك، وأنزل الله في حقهم قوله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٢).
فالعقيدة هي أهم الأمور، وهي أساس الدين، فالواجب على طالب العلم أن يعتني بها حتى يتقنها على بصيرة، وحتى يعلمها على بينة.
والخلاصة في ذلك أن الذي عليه أهل السنة والجماعة وهو الذي بعث الله به الرسل وبعث به خاتمهم نبينا محمدا ﵊؛ هو الإيمان بالله وحده، وإخلاص العبادة له جل وعلا، والإيمان بأنه مستحق للعبادة، ولا يدعى إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتقرب بالذبائح والنذور إلا له ﷾. إلى غير هذا من العبادات كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣).

(١) أخرجه الإمام أحمد في مسند المكيين، من حديث ربيعة بن عبادة الديلي ﵁، رقم ١٥٥٩٣.
(٢) سورة ص الآية ٥
(٣) سورة البينة الآية ٥

1 / 20

وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢)، وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
وهذه العبادة خلق الله من أجلها الثقلين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤). المعنى ليخصوني بالعبادة وبالدعاء، وبالخوف والرجاء والتوكل، والصلاة والصوم، والذبح والنذر، ونحو ذلك.
وبعث الله الرسل بذلك ﷾، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥). والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٦).
فالتقرب إلى أصحاب القبور؛ بالذبائح أو بالنذور أو بالدعاء، أو طلب الشفاء أو المدد، هذا من الشرك بالله ﷿، ويناقض قول: لا إله إلا الله. فالواجب على المسلمين أن يعبدوا الله وحده، وأن يخصوه بدعائهم وخوفهم، ورجائهم وذبحهم ونذرهم، وصلاتهم وصومهم، ونحو ذلك، أما الأموات المسلمون فيدعى لهم بالمغفرة

(١) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٢) سورة الفاتحة الآية ٥
(٣) سورة الأنعام الآية ١٦٢
(٤) سورة الذاريات الآية ٥٦
(٥) سورة النحل الآية ٣٦
(٦) سورة الأنبياء الآية ٢٥

1 / 21

والرحمة، تزار قبورهم للذكرى؛ لذكر الآخرة، وذكر الموت، وللدعاء لهم: اللهم اغفر لهم واللهم ارحمهم. فقد كان النبي يزور القبور ﵊، ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، ويقول: «زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة (١)». وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٢)».
فعلم أصحابه أن يدعوا للأموات، ويستغفروا لهم، ويترحموا عليهم، لا أن يدعوهم مع الله، ولا أن يستغاث بهم، ولا أن يطلب منهم المدد، فإنهم عاجزون عن ذلك، هذا بيد الله ﷾؛ هم في حاجة إلى الدعاء لهم، في حاجة إلى أن يدعو لهم أخوهم المسلم، وأن يستغفر لهم. كان يزور البقيع ﵊، ويقول: «السلام عليكم أهل الديار من القوم المؤمنين، غدا مؤجلون وأتاكم ما توعدون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٣)» يدعو لهم ﵊، هذا هو الواجب،

(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب ما جاء في الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور، برقم ١٥٦٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال في دخول القبور، برقم ٩٧٤.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، برقم ٩٧٤.

1 / 22

وهذا هو المشروع في زيارة الموتى؛ الدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم. أما أن يطلب منهم المدد، ويقول: المدد المدد يا فلان. فإن هذا من الشرك الأكبر، أو: يا سيدي، اشف مريضي، يا سيدي البدوي يا سيدي الحسين. أو: يا فلان، أو يا فلانة. أو: اشف لنا مرضانا. أو: المدد المدد. أو: انصرنا. أو ما أشبهه، فهذا لا يجوز، بل هذا من أنواع الشرك الأكبر، وهكذا إذا فعلها مع الأصنام أو مع الأشجار أو مع الجن، كله شرك بالله ﷾، أما الحي فلا بأس أن يطلب منه ما يقدر عليه من الأمور العادية، الحي الحاضر، القادر، تقول: يا أخي، ساعدني على كذا، أقرضني كذا، امنعني من خادمك؛ لأنه آذاني، أو ولدك، أو زوجتك، انههم عني، لا تؤذني بكذا. حتى يمنعه من الأذى، الشيء المعتاد لا بأس به بين الناس، وليس من الشرك، إنما الشرك طلب الأموات، والاستغاثة بالأموات أو بالغائبين، يعتقد أن فيهم سرا وأنهم يسمعونه من بعيد، يدعوهم يطلبهم المدد، هذا هو الشرك الأكبر، أما حي حاضر قادر تخاطبه في أمور يقدر عليها، أو تكتب إليه، أو بالهاتف بالتليفون، تقول: أقرضني كذا. أو ساعدني في مزرعتي في كذا. أو: بعني كذا. أو: ماذا ترى في كذا. تشاوره في كذا، هذه أمور عادية بين المسلمين وغير المسلمين، بين الأحياء سواء كان من طريق المشافهة، أو من طريق المكاتبة، أو من طريق الهاتف - التليفون - أو البرقية، أو ما أشبه ذلك. هذه أمور عادية ليس فيها بأس، إنما المنكر والشرك أن تدعو الأموات، أو الأصنام أو

1 / 23

الأحجار أو الأشجار، تدعوهم تسألهم الشفاعة، تسألهم الغوث، المدد، أو الغائبون عنك الذين لا يسمعونك، تعتقد فيهم أنهم يسمعونك، وأن لهم سرا، أو تدعو الجن، أو ما أشبه ذلك، هذا هو المنكر، هذا هو الشرك الذي أنكرته الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنكره نبينا ﵊، وبعث الله الرسل بإنكاره والتحذير منه، نسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير، وأن يبصر المسلمين بما فيه رضاه، وأن يهدي جميع المسلمين للفقه في الدين.
***
٥ - حكم إطلاق كلمة العقيدة
س: السائل يقول: بأن اسم العقيدة ليس صحيحا وليس له أصل وإنما الصحيح أن يقول الإنسان: اسم الإيمان بدل العقيدة فهل هذا صحيح؛ (١).
ج: ليس بصحيح، بل درج العلماء على أنهم يسمون ما يتعلق بالقلوب: عقيدة. وما يتعلق بالتوحيد والصفات: عقيدة؛ يعتقدها في قلبه: يعني: يعقد عليها قلبه، يعتقد عليها قلبه. فلا بأس بالتسمية، ولا حرج فيها؛ أن يقال: عقيدة فلان عقيدة أهل السنة والجماعة. وهو ما يعتقدونه ويؤمنون به، وهو يسمى عقيدة؛ لأنهم يعتقدونه ويجزمون

(١) السؤال الثالث عشر، من الشريط رقم (٣٧٤).

1 / 24