Fiqh al-ʿibādāt li-l-ʿUthaymīn
فقه العبادات للعثيمين
السؤال (٣٠٤): فضيلة الشيخ، ما هي الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الرمي؟
الجواب: من المعلوم أن الحاج يوم العيد يقدم إلى منى من مزدلفة، وأول ما يبدأ به أن يرمي جمرة العقبة، والرمي يكون بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، كما فعل النبي ﷺ، وبين رسول الله ﷺ الحكمة من رمي الجمار في قوله: (إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله) (١)، هذه هي الحكمة من مشروعية رمي الجمرات، والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس في رمي الجمرات يكون من وجوه متعددة:
فمن ذلك: أن بعض الناس يظنون أنه لا يصح الرمي إلا إذا كانت الحصاة من مزدلفة، ولهذا تجدهم يتعبون كثيرًا في لقط الحصى من مزدلفة، قبل أن يذهبوا إلى منى وهذا ظن خاطئ، فالحصى يؤخذ من أي مكان من مزدلفة، من منى، من أي مكان كان يؤخذ، المقصود أن يكون حصى.
ولم يرد عن النبي ﷺ أنه التقط الحصى من مزدلفة حتى نقول: إنه من السنة، إذن فليس من السنة، ولا من الواجب أن يلتقط الإنسان الحصى من مزدلفة؛ لأن السنة إما قول الرسول ﵊، أو فعله، أو إقراره، وكل هذا لم يكن في لفظ الحصى من مزدلفة.
ومن الخطأ أيضًا: أن بعض الناس إذا لقط الحصى غسله، إما احتياطًا لخوف أن يكون أحد قد بال عليه، وإما تنظيفًا لهذا الحصى، لظنه أن كونه نظيفًا أفضل، وعلى كل حال: فغسل حصى الجمرات بدعة؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، والتعبد بشيء لم يفعله الرسول ﷺ بدعة، وإذا فعله الإنسان من غير تعبد كان سفهًا وضياعًا للوقت.
ومن الأخطاء أيضًا: أن بعض الناس يظنون أن هذه الجمرات شياطين، وأنهم يرمون شياطين، فتجد الواحد منهم يأتي بعنف شديد وحنق وغيظ، منفعلًا انفعالًا عظيمًا، كأن الشيطان أمامه، ثم يرمي هذه الجمرات، ويحدث من ذلك مفاسد:
أولًا: أن هذا ظن خاطئ، فإنما نرمي هذه الجمرات إقامة لذكر الله تعالى؛ واتباعًا لرسول الله ﷺ، وتحقيقًا للتعبد، فإن الإنسان إذا عمل طاعة وهو لا يدري فائدتها، إنما يفعلها تعبدًا لله، كان هذا أدل على كمال ذله وخضوعه لله ﷿.
ثانيًا: مما يترتب على هذا الظن: أن الإنسان يأتي بانفعال شديد وغيظ وحنق وقوة واندفاع، فتجده يؤذي الناس إيذاء عظيمًا، حتى كأن الناس أمامه حشرات لا يبالي بهم، ولا يسأل عن ضعيفهم، وإنما يتقدم كأنه جمل هائج.
ثالثًا: مما يترتب على هذه العقيدة الفاسدة: أن الإنسان لا يستحضر أنه يعبد الله ﷿ أو يتعبد لله ﷿ بهذا الرمي، ولذلك يعدل عن الذكر المشروع إلى قول غير مشروع، فتجده يقول حين يرمي: اللهم غضبًا على الشيطان، ورضا للرحمن، مع أن هذا ليس بمشروع عند رمي الجمرة، بل المشروع أن يكبر كما فعل النبي ﷺ.
رابعًا: أنه بناء على هذه العقيدة الفاسدة تجده يأخذ أحجارًا كبيرة يرمي بها، بناء على ظنه أنه كلما كان الحجر أكبر كان أشد أثرًا وانتقامًا من الشيطان، وتجده أيضًا يرمي بالنعال والخشب وما أشبه ذلك مما لا يشرع الرمي به، ولقد شاهدت رجلًا قبل بناء الجسور على الجمرات جالسًا على زبرة الحصى التي رمي بها في وسط الحوض، وامرأة معه يضربان العمود بأحذيتهما، بحنق وشدة، وحصى الرامين تصيبهما، ومع ذلك فكأنهما يريان أن هذا في سبيل الله، وأنهما يصبران على الأذى على هذه الإصابة ابتغاء وجه الله ﷿.
إذن: إذا قلنا: إن هذا الاعتقاد اعتقاد فاسد، فما الذي نعتقده في رمي الجمرات؟ نعتقد في رمي الجمرات أننا نرمي الجمرات تعظيمًا لله ﷿، وتعبدًا له، واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ.
أخطاء تقع عند الرمي «تتمة»
(١)
1 / 369