Fiqh al-ʿibādāt li-l-ʿUthaymīn
فقه العبادات للعثيمين
السؤال (٣٠٧): فضيلة الشيخ، كنا قد سألنا عن الإقامة بمنى في اليوم الثامن قبل الخروج إلى عرفة، وذكرتم الأخطاء التي تقع فيها، لكن حبذا أيضًا لو عرفنا الأخطاء التي قد تقع من بعض الحجاج في الإقامة بمنى في أيام التشريق؟
الجواب: الإقامة في منى في أيام التشريق يحصل فيها أيضا أخطاء من بعض الحجاج، وأنا أعود إلى مزدلفة، فإن فيها بعض الأخطاء التي لم ننبه عليها سابقا:
فمنها: أن بعض الناس في ليلة مزدلفة يحيي الليلة بالقيام والقراءة والذكر، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي ﷺ في تلك الليلة لم يتعبد لله ﷿ بمثل هذا، بل في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁؛ أن النبي ﷺ لما صلى العشاء، اضطجع حتى طلوع الفجر، ثم صلى الصبح، وهذا يدل على أن تلك الليلة ليس فيها تهجد أو تعبد أو تسبيح أو ذكر أو قرآن.
ومنها - أي من الأخطاء في مزدلفة - أنني سمعت أن بعض الحجاج يبقون في مزدلفة حتى تطلع الشمس ويصلون صلاة الشروق أو الإشراق، ثم ينصرفون بعد ذلك، وهذا خطأ؛ لأن فيه مخالفة لهدي النبي ﷺ، وموافقة لهدي المشركين، فإن النبي ﷺ دفع من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس حين أسفر جدا، والمشركون كانوا ينتظرون حتى تطلع الشمس ويقولون: «أشرق ثبير، كيما نغير»؛ فمن بقى في مزدلفة تعبدا لله ﷿ حتى تطلع الشمس، فقد شابه المشركين وخالف سنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه.
أما الأخطاء في منى: فمنها: أن بعض الناس لا يبيتون بها ليلتي الحادي عشر والثاني عشر، بل يبيتون خارج منى من غير عذر، يريدون أن يترفهوا، وأن يشموا الهواء - كما يقولون- وهذا جهل وضلال، ومخالفة لسنة الرسول ﷺ، والإنسان الذي يريد أن يترفه لا يأتي للحج، فإن بقاءه في بلده اشد ترفها وأسلم من تكلف المشاق والنفقات.
ومن الأشياء التي يخل بها بعض الحجاج في الإقامة بمنى، بل التي يخطئ فيها: أن بعضهم لا يهتم بوجود مكان في منى، فتجده إذا دخل في الخطوط ووجد ما حول الخطوط ممتلئًا قال: إنه ليس في مني مكان، ثم ذهب ونزل في خارج منى، والواجب عليه أن يبحث بحثًا تامًا فيما حول الخطوط وما كان داخلها، لعله يجد مكانًا يبقى فيه أو يمكث فيه أيام منى؛ لأن البقاء في منى واجب؛ لقول النبي ﷺ: «لتأخذوا عني مناسككم» (١)، وقد أقام ﷺ في منى، ورخص للعباس بن عبد المطلب من أجل سقايته أن يبيت في مكة ليسقي الحجاج (٢)
ومن الأخطاء أيضًا: أن بعض الناس إذا بحث ولم يجد مكانًا في منى، نزل إلى مكة أو إلى العزيزية، وبقي هنالك، والواجب إذا لم يجد مكانًا في منى أن ينزل عند آخر خيمة من خيام الحجاج ليبقى الحجيج كلهم في مكان واحد متصلًا بعضه ببعض؛ كما نقول فيما لو امتلأ المسجد بالمصلين، فإنه يصلي مع الجماعة حيث تتصل الصفوف ولو كان خارج المسجد.
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الإقامة بمنى، وهو يسير، لكن ينبغي المحافظة عليه: أن بعض الناس يبيت في منى ولكن إذا كان النهار نزل إلى مكة، ليترفه في الظل الظليل، والمكيفات والمبردات، ويسلم من حر الشمس ولفح الحر، وهذا- وإن كان جائزًا على مقتضى قواعد الفقهاء حيث قالوا: إنه لا يجب إلا المبيت- فإنه خلاف السنة؛ لأن النبي ﷺ بقي في منى ليالي وأيامًا، فكان ﵊ يمكث في منى ليالي أيام التشريق وأيام التشريق، نعم لو كان الإنسان محتاجًا إلى ذلك- كما لو كان مريضًا، أو كان مرافقًا لمريض- فهذا لا بأس به، لأن النبي ﷺ رخص للرعاة أن يبيتوا خارج منى، وأن يبقوا في الأيام في مراعيهم مع إبلهم (٣)
هذا ما يحضرني الآن من الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الإقامة في منى.
أخطاء تقع في الهدي
(١) تقدم تخريجه (٣٢٥)
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب سقاية الحاج، رقم (١٦٣٤)، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب المبيت بمني ليالي أيام التشريق، رقم (١٣١٥)
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، رقم (١٩٧٥)، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا، رقم (٩٥٥)، والنسائي، كتاب الحج، باب في رمي الرعاة، رقم (٣٠٦٨، ٣٠٦٩)، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب تأخير رمي الجمار من عذر، رقم (٣٠٣٧)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
1 / 381