Al-ḥikam al-jadīra biʾl-idhāʿa min qawl al-nabī ṣallā Allāh ʿalayhi wa-sallam: buʿithtu biʾl-sayf bayna yaday al-sāʿa

الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدي الساعة

Editor

عبد القادر الأرناؤوط

Publisher

دار المأمون

Edition

الأولى

Publication Year

سنة النشر

Publisher Location

دمشق

[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

1 / 3

أخرج أحمد من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " بعثت بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ".

1 / 4

فقوله ﷺ: " بعثت بالسيف ":
يعني أن الله بعثه داعيا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره بالغيب ورسله إن الله قوي عزيز﴾ .
وفي الكتب السالفة وصف النبي ﷺ بأنه يبعث بقضيب الأدب، وهو السيف. ووصى بعض أحبار اليهود عند موته باتباعه وقال: انه يسفك الدماء، ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعهم ذلك منه. وروي أن المسيح ﵇ قال لبني إسرائيل في وصف النبي ﷺ: " إنه يسل السيف فيدخلون فيه دينه طوعا وكرها ".
وإنما أمر النبي ﷺ بالسيف بعد الهجرة لما صار له دار وأتباع وقوة ومنعة، وقد كان يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان ﷺ يطوف بالبيت وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحِجر وقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل، قد سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم. فلما مر بهم النبي ﷺ غمزوه ببعض القول،

1 / 5

فعرف ذلك في وجهه ﷺ، وفعلوا ذلك به ثلاث مرات، فوقف وقال: " أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح ". فأخذت القوم كلمته، حتى ما فيهم رجل إلا وكأنما على رأسه طير واقع، وحتى أن أشدهم عليه قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول، حتى انه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فوالله ما كنت مجهولا.
وقال محمد بن كعب: بلغ النبي ﷺ أن أبا جهل يقول: إن محمدًا يزعم أنكم ما بايعتموه عشتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد

1 / 6

موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه الذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون فيها، فبلغ النبي ﷺ قوله. فقال: " وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحًا، وإنه لآخذهم ".
وقد أمر الله تعالى بالقتال في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾ وقال: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منًّا بعد وإما فداء﴾ ولهذا عوتبوا على أخذ الفداء منهم أول قتال قاتلوه يوم بدر ونزل قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ .
وكانوا قد أشاروا على النبي ﷺ بأخذ الفداء من الأسارى وإطلاقهم.
قال ابن عيينة: أرسل محمد ﷺ بأربعة سيوف: سيف على المشركين من العرب حتى يسلموا، وسيف على المشركين من

1 / 7

غيرهم حتى يسلموا أو يسترقوا أو يقادوا بهم، وسيف على أهل القبلة من أهل البغي.
وفيما ذكر نزاع بين العلماء. فإن منهم من يجيز المفاداة والاسترقاق في العرب وغيرهم، وكذلك يجيز أخذ الجزية بين الكفار جميعهم. والذي يظهر إن في القرآن أربعة سيوف: سيف على المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا، فأما منًّا بعد وإما فداء، وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة، وقد أمر الله بجهادهم والإغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة التحريم وآخر سورة الأحزاب، وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وسيف على أهل البغي، وهو المذكور في سورة الحجرات. ولم يسل

1 / 8

ﷺ هذا السيف في حياته، وإنما سله علي ﵁ في خلافته. وكان يقول: " أنا الذي علمت الناس قتال أهل القبلة ".
وله ﷺ سيوف أخر، منها: سيفه على أهل الردة وهو الذي قال فيه: " من بدل دينه فاقتلوه ". وقد سله أبو بكر الصديق ﵁ من بعده في خلافته على من ارتد من قبائل العرب.
ومنها سيفه على المارقين، وهم أهل البدع كالخوارج. وقد ثبت عنه الأمر بقتالهم مع اختلاف العلماء في كفرهم. وقد قاتلهم علي ﵁ في خلافته مع قوله: " انهم ليسوا بكفار ".
وقد روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ أمر بقتال المارقين والناكثين والقاسطين. وقد حرق علي طائفة من الزنادقة، فصوب ابن عباس قتلهم، وأنكر تحريقهم بالنار. فقال علي: " ويح ابن عباس، لبحاث عن الهنات ".
قوله ﷺ: " بين يدي الساعة ":
يعني أمامها، ومراده أنه بعث قدام الساعة قريبًا منها.

1 / 9

ومن أسمائه ﷺ الحاشر، والعاقب كما صح عنه ﷺ انه قال: " أنا محمد وأحمد، والماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، والعاقب الذي ليس بعدي نبي ".
وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما يقول تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة.
وصح عنه ﷺ أنه قال: " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بإصبعيه؛ السبابة والوسطى، خرجاه في الصحيحين.

1 / 10

وخرج الإمام أحمد من حديث بريدة: " بعثت أنا والساعة جميعًا إن كادت لتسبقني ". وللترمذي: " بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه لهذه - لإصبعيه السبابة والوسطى - ليس بينهما إصبع أخرى " والصحيح أنه يدل من ذلك على القرب من الساعة.
وكان قتادة يشير إلى أن المراد بينه وبين الساعة كمقدار فضل السبابة على الوسطى، وقد قيل: إن بينهما من الفضل مقدار نصف سبع، وأخذ من هذا ان بقاء أمته ألف سنة، وهو سبع الدنيا. وقد رجح ذلك ابن الجوزي والسهيلي وقال: إن لم يصح فيه الحديث المرفوع فقد صح عن ابن عباس وغيره، وهو عند أهل الكتاب كذلك.

1 / 11

ومما يدل على أن بعثة محمد ﷺ من علامات الساعة أنه أخبر عن خروج الدجال في حديث الجساسة.
قوله ﷺ: " حتى يعبد الله وحده لا شريك له ":
هذا هو المقصود الأعظم من بعثته ﷺ بل من بعثة الرسل من قبله كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ بل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فما خلقهم إلا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم على ذلك كما قال تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، شهدنا﴾ الآية.
وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقروا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة.

1 / 12

ثم انه تعالى انه هداهم في كل زمان بإرسال رسله وإنزال الكتب يذكرهم بالعهد الأول، ويجدد عليهم العهد والميثاق على أن يوحدوه ويعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأشار في خطاب آدم وحواء عند هبوطهما من الجنة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، وفي سورة طه نحو هذا. فما وفى بنو آدم كلهم بهذا العهد المأخوذ عليهم، بل نقضه أكثرهم وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، فبعث الله الرسل تجدد ذلك العهد الأول، وتدعوا إلى تجديد الإقرار بالوحدانية.
فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك نوح ﵇، فإن الشرك قد فشا في الأرض من بني آدم قبل نوح فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله وإلى عبادته وحده لا شريك له، كما ذكر سبحانه في سورة نوح عنه أنه قال لقومه: ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾

1 / 13

وأخبر في موضع آخر عنه أنه قال لهم: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ فما استجاب له إلا قليل منهم وأكثرهم أصروا على الشرك ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ فلما أصروا على كفرهم أغرقهم الله ونجا نوح ومن آمن معه ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ .
ثم إن الله تعالى بعث إبراهيم خليله ﵇ فدعا إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وناظر على ذلك أحسن مناظرة، وأبطل شبه المشركين بالبراهين الواضحة، وكسر أصنام قومه حتى جعلهم جذاذًا فأرادوا تحريقه فأنجاه الله من النار وجعلها عليه بردًا وسلامًا، ووهب الله له إسماعيل وإسحاق، فجعل عامة الأنبياء من ذرية إسحاق، فإن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، وأنبياء بني إسرائيل كلهم من ذرية يعقوب، كيوسف وموسى وداود وسليمان ﵈. وآخرهم المسيح بن مريم ﵇: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ .
ثم طبق الشرك الأرض بعد المسيح. فإن قومه الذين ادعوا اتباعه بالإيمان به أشركوا غاية الشرك فجعلوا المسيح هو الله أو ابن الله، وجعلوا أمه ثالث ثلاثة.

1 / 14

وأما اليهود فإنهم وإن تبرأوا من الشرك، فالشرك فيهم موجود، فإنه كان فيهم من عبد العجل في حياة موسى ﵇ وقال فيه: انه الله، وان موسى نسي ربه وذهب يطلبه، ولا شرك أعظم من هذا. وطائفة قالوا: العزير ابن الله، وهذا من أعظم الشرك. وأكثرهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم، لأن من أطاع مخلوقًا في معصية الخالق واعتقد جواز طاعته أو وجوبها فقد أشرك بهذا الاعتبار، حيث جعل التحليل والتحريم لغير الله.
وأما المجوس فشركهم ظاهر، فإنهم يقولون بإلهين قديمين:
(أحدهما): نور.
(والآخر): ظلمة.
فالنور خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وكانوا يعبدون النيران.
وأما العرب والهند وغيرهم من الأمم فكانوا أظهر الناس شركا يعبدون الله، وآلهة كثيرة ويزعمون أنها تقرب إلى الله زلفى.
فلما طبق الشرك أقطار الأرض، واستطار شرره في الآفاق من المشرق إلى المغرب بعث الله محمدًا ﷺ بالحنفية المحضة والتوحيد الخالص دين إبراهيم ﵇، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو الناس سرًا إلى ذلك نحوًا من ثلاث سنين،

1 / 15

فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمر بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ فدعا إلى الله وإلى توحيده وعبادته وحده لا شريك له جهرًا، وأعلن الدعوة، وذم الآلهة التي تعبد من دون الله، وذم من عبدها وأخبر أنه من أهل النار، فثار عليه المشركون، واجتهدوا في إيصال الأذى إليه وإلى اتباعه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلا إعلانا بالدعوة وتصميما على إظهارها وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس.
وكان يخرج بنفسه في مواسم الحج إلى من يقدم إلى مكة من قبائل العرب فيعرض نفسه عليهم، ويدعوهم إلى التوحيد، وهم لا يستجيبون له، بل يردون عليه قوله ويسمعونه ما يكره، وربما نالوه بالأذى، وبقي عشر سنين على ذلك يقول: " من يمنعني حتى أؤدي رسالات ربي؟ ".
وكان يشق أسواقهم بالمواسم وهم مزدحمون بها كسوق ذي المجاز، ينادي: " يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا " ووراءه أبو

1 / 16

لهب يؤذيه ويرد عليه وينهى الناس عن اتباعه.
واجتمع المشركون مرة عند عمه أبي طالب يشكونه إليه ويقولون: شتم آلهتنا وسفه أحلامنا وسب آباءنا، فمره فليكف عن آلهتنا. فقال أبو طالب للنبي ﷺ: أجب فيما سألوه. فقال: " أنا أدعوهم إلى خير من ذلك: أن يتكلموا كلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم ". فقال أبو جهل " نعطيكها وعشر أمثالها، قال: " تقولون لا إله إلا الله ". فنفروا عنه ذلك وتفرقوا وهم يقولون: ﴿أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن هذا لشيء عجاب﴾ وفي رواية أنه ﷺ قال لعمه: " يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ".

1 / 17

قال ﷺ: " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما أوذي أحد، ولقد أتت علي ثلاثون - من بين يوم وليلة - ومالي طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ".
وفي رواية عنه ﷺ قال: " ما أوذي أحد في الله ما أوذيت ".
كان العدو يجهد له نيل الأذى، والصديق يلوم على هذا الاحتمال إذا كان كذا، والمحبة تقول: حبذا هذا الشقاء إذا كان في رضى الحبيب والدعوة إلى التوحيد، حبذا.
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبًا لذكرك فليلمني اللوم
ثم إن أبا طالب لما توفي وتوفيت بعده خديجة اشتد المشركون

1 / 18

على رسول الله صلى الله عله وسلم حتى اضطروه إلى أن خرج من مكة إلى الطائف، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فلم يجيبوه وقابلوه بغاية الأذى وأمروه بالخروج من أرضهم، وأغروا به سفاءهم، فاصطفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أدموه، فخرج معه مولاه زيد بن حارثة فلم يمكنه دخول مكة إلا بجوار وطلب من جماعة من رؤساء قريش أن يجيروه حتى يدخل مكة فلم يفعلوا حتى أجاره المطعم بن عدي، فدخل في جواره، وعاد إلى ما كان عليه من الدعاء إلى توحيد الله وعبادته.
وكان يقف بالموسم على القبائل فيقول لهم قبيلة قبيلة: " يا بني فلان إني رسول الله إليكم: يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا " وأبو لهب خلفة يقول: لا تطيعوه. وكان النبي صلى الله عله وسلم ينادي: " من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " فلا يجيبه أحد حتى بعث له الأنصار بالمدينة فبايعوه.
هذا كله وهو صابر على الدعوة إلى الله ﷿ على هذا الوجه،

1 / 19

راض بما يحصل له فيها من الأذى، منشرح الصدر بذلك، غير متضجر منه ولا جزع. كان إذا اشتكى أحد من أصحابه يقول: " إني عبد الله ولن يضيعني ".
صرت لهم عبيدًا ... وما للعبد أن يعترضا
من لمريض لا يرى ... إلا الطبيب المُمرضا؟
وفي الصحيح عن عائشة قالت: قلت، يا رسول الله، هل مر عليك يوم أشد من يوم احد؟ فقال: " لقد لقيت من قومك ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بساحبة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك وما شئت، إن شئت أن أطبق الاخشبين عليهم، فقال له الرسول ﷺ: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد اله وحده لا يشرك به شيئًا ".
ما مقصود الرسول ﷺ إلا أن يعبد الله ولا يشرك به شيء، وما يبالي - إذا حصل ذلك - ما أصابه في الدعوة إليه، إذا وحد معبوده، حصل مقصوده، إذا عبد محبوبه، حصل مطلوبه، إذا ذكر ربه، رضي قلبه، وأما جسمه فما يبالي أصابه في سبيل ربه ما يؤلمه، أو يلائمه.
إذا كان سركم ما قد بليت به ... فما لحرج إذا أرضاكم ألم
وحسب سلطان الهوى أنه ... يولف فيه كل ما يؤلم
وكان كلما آذاه الأعداء إذا دعاهم إلى مولاهم رجع إلى مولاه فتسلى بعلمه ونظره إليه وقربه منه، واشتغل بمناجاته، وذكره ودعائه وخدمته، فنسي كل ما أصابه من الألم من اجله، وقد أمره الله بذلك في القرآن في مواضع كثيرة نحو قوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾ وقوله: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾

1 / 20

وقوله: ﴿ولقد نعلك انك ليضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ .
وكان ﷺ إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة لأن الصلاة صلة، وكان يقول: " وجعلت قرة عيني في الصلاة ".
سروري من الدهر لقياكم ... ودار سلامي مغناكم
وأنتم منتهى أملي ما حييت ... وما طاب عيشي لولاكم
إذا ازدحمت في فؤادي الهموم ... أروح قلبي بذكراكم
فلا تنسوا العهد فيما مضى ... فلسنا مدى الدهر ننساكم
فلم يزل ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له حتى ظهر دين الله وأعلن ذكره وتوحيده في المشارق والمغارب، وصارت كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وتوحيده هو الشائع، وصار الدين كله لله، والطاعة كلها لله، ودخل

1 / 21

الناس في دين الله أفواجا. فجعل ذلك علامة اقتراب اجله وأمر حينئذ بالتهيؤ للقاء الله والنقلة إلى دار البقاء.
وكان المعنى أن قد حصل المقصود من إرسالك، وظهر توحيدي في أقطار الأرض وزال منها ظلام الشرك، وحصلت عبادتي وحدي لا شريك لي، وصار الدين كله لي، فأنا أستدعيك إلى جواري لأجزيك أعظم الجزاء: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ .
وفي صفته ﷺ في التوراة: " ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله وأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا ".
وكان ﷺ إنما يقاتل على دخول الناس في التوحيد كما قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ".

1 / 22