Īḍāḥ al-masālik ilā qawāʿid al-Imām Mālik

إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك

Editor

أحمد بو طاهر الخطابي

Publisher

مطبعة فضالة

Edition

الأولى

Publication Year

1400 AH

Publisher Location

المحمدية

بمناسبة مطلع
القرن الخامس عشر الهجرى
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾
صندوق إحياء التراث الإسلامي
المشترك بين
المملكة المغربية والإمارات العربية
المتحدة
إيضاح المسالك
إلى قواعد الإمام مالك
تأليف:
أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسى
تحقيق
أحمد بو طاهر الخطابي
خريج دار الحديث الحسنية - الرباط
مع
دراسة لحياة المؤلف وآثاره وعصره
طبع هذا الكتاب
بإشراف اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي
بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة
الرباط - ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م

مقدمة / 1

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد فإن كتاب "إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك". لمؤلفه العلامة الشهير أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي تغمده الله برحمته، الذي نقدمه للقراء الكرام يعتبر بحق من أبرز وأنفس وأثمن وأجمع كتب الفقه المالكي التي اهتمت اهتماما بالغا بدراسة موضوعات قواعد فقه المذهب المالكي فهو ذخيرة علمية تضاف إلى لبنات ذخائر فقهنا الإسلامي الهادف، الذي تزدان بمختلف فروعه مكتباتنا الإسلامية زيادة على أنه قد جمع بين التحقيق والتدقيق والتنقيح والبيان والإحاطة في العمق والشمول لعدد غير قليل من الأصول والنوازل والفروع والقواعد والشروح والتنبيهات الفرضية منها والكلية.
فرسم بذلك لهذه المعلمة الفقهية المالكية صورة واضحة المعالم والمنهج مستنبطة من كتاب الله ﷿ أولا، ومن سنة رسوله ﷺ ثانيا.
يلمس ذلك القارئ من خلال تتبعه لهذا الكتاب كما يلمس بوضوح وجلاء ما للمغاربة القدامى من تضلع وتمكن في هذا الفن بالذات وسبر لأغواره عبر التاريخ مخلفين كشاهد على

مقدمة / 4

ذلك مجلدات كثيرة تزخر بها مكتباتنا الفقهية العامة منها والخاصة.
واعتبارا لما ذكر في هذه العجالة عن الكتاب وأهميته البالغة وقيمة موضوعاته العلمية والفقهية النادرة وأثرها في هذا التراث المتألق في سماء موقعنا الغربي الإسلامي وما أنجبه هذا الغرب الإسلامي من عباقرة شوامخ في هذه الحلبة وفي غيرها ما يزال واسطة عقد القلادة في فقه هذا المذهب المالكي بهذه الديار.
من أجل ذلك ارتأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية أن تقدم هذه الدراسة كاملة في كتاب تضعه كباقة فواحة العبير شهية الأخذ والتناول لعشاق هذا الفن الإسلامي هدية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، بعد اتفاقها مع الأستاذ أحمد بو طاهر الخطابي على نشر هذه الدراسة الجامعية التي قدمها لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية بالرباط - ومنحت لها لجنة المناقشة ميزة "حسن جدا" تقديرا لما بذله الأستاذ من جهود مضنية في إخراج كتاب "الإيضاح".
فريد نوعه في الكيف والمضمون والنوع.
وتم الطبع تحت إشراف اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك
بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة
الرباط في عام ١٤٠٠ هـ
موافق ١٩٨٠ م

مقدمة / 5

بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
الحمد لله حمدا يليق بجماله وجلاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه
إن من نعم الله الكبرى على الأمة الإسلامية، تكريمها بالرسالة المحمدية، الخاتمة للشرائع السماوية، الجامعة للمصالح البشرية، الواردة بالأصول الكلية -لطفا منه سبحانه ورحمة بعباده- لتستنبط منها الأحكام الملائمة لكل جيل وبيئة، تاركة المجال فسيحا لذوي المؤهلات الاجتهادية، مواصلة التشريع الفرعي والجزئي لكل نازلة. وإيجاد حلول شرعية لمختلف القضايا المتجددة، في نطاق النصوص الكلية للشريعة السمحة، دون الخروج عن أهدافها العامة، ومقاصدها السامية.
وقد طبق -عمليا- خدام الشريعة هذه المنهجية السليمة عبر المراحل التي مر فيها الفقه الاسلامي، الذي بلغ القمة في عهد الأئمة الكبار، انطلاقا من ظهور مدارسه التي تبلورت إلى مذاهب، كل له منهاجه في الاستنباط، وتلاميذه وأتباعه، يمدهم بالرواية والدراية الفقهية، ويدرس النوازل الواقعة، بل منهم من تناول الفرضية منها، والكل يستنطق الينبوع الأساسي للتشريع الإسلامي کتاب الله أولا، وسنة رسول الله -ثانيا، ثم المصادر الأخرى- ثالثا. وهنا اختلفت الآراء إلا أن الاختلاف لم يكن -في الواقع- في ذات الدين، ولا في لب
- أ -

مقدمة / 6

الشريعة، وإنما اختلاف في فهم نصوصها، وتطبيق كلياتها على الفروع، وأخذ كل بما استقام في نظره، وبما رآه جديرا أن يعتبر كمصدر، فمنهم من وسع في هذا الشأن، ومنهم من اقتصر، ومما لا ريب فيه أن البيئة الطبيعية، والاجتماعية، والسياسية - التي كانت تحيط بكل إمام- لعبت دورا بارزا في اختلاف النظر الى الوقائع، وفي تقدير الأدلة وفهمها وتأويلها مما أدى إلى تعدد المذاهب.
أهم المذاهب الفقهية
يمكن تقسيم المذاهب الفقهية عموما إلى نوعين سني، وغير سني، وكل نوع يتفرع إلى عدة فروع، ويهمنا منها النوع السني الذي يتفرع بدوره -باعتبار الانتشار والاندثار- إلى ثلاثة فروع
أ - فرع نشأ لكنه لم يكتب له البقاء والانتشار، كمذهب محمد بن ابي ليلى (ت ١٤٨ هـ)، ومذهب سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ)، ومذهب الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ)، ومذهب سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، وغيرها من المذاهب التي اندثرت بموت أصحابها.
ب - فرع تكون واستمر لوقت محدود، كمذهب عبد الرحمان الأوزاعي (ت ١٣٦ هـ)، ومذهب داوود الظاهري (ت ١٧٠ هـ). ومذهب محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ).
ج - أما الفرع الثالث الذي أسعده الحظ في الاستمرار والانتشار، ووقف التقليد عنده في سائر الأقطار -إلى حد الآن- فينحصر في المذاهب التالية
١ - المذهب الحنفي
وإمامه أبو حنيفة النعمان، ولد بالكوفة (٨٠ هـ) وتوفي ببغداد (١٥٠ هـ)، وقد انتشر مذهبه بالكوفة والعراق، والشام، ومصر، والجزيرة
- ب -

مقدمة / 7

العربية، وشمال إفريقيا، وغيرها من البلدان الَّتِي كان منفردا فيها، إلا أنه سرعان ما نافسته المذاهب الأخرى حينما بزغت، فتقلص في بعضها، واضمحل في بعضها الآخر، ورغم ذلك فلا زال معمولا به في العراق مطلقا، وفي الفتيا والقضاء -فقط- في جل البلدان الَّتِي كانت خاضعة للدولة العثمانية، كمصر، وسوريا، ولبنان ... كما لازال مذهب الأغلبية- في الأمور الدينية- لدى مسلمي تركيا، وباكستان، وأفغانستان، والهند، وروسيا، وغيرها من البلدان الَّتِي لا زال له فيها اتباع- عدا المغرب، رغم أنه من أولى المذاهب الَّتِي دخلت إليه.
٢ - المذهب المالكي
وإمامه مالك بن أنس، ولد بالمدينة المنورة (٩٣ هـ)، وبها توفي (١٧٩ هـ)، وهو مستغن بشهرته عن التعريف به، وقد أورد القاضي عياض في "المدارك"، والسيوطي في "تزيين المسالك"، والزواوي في "مناقب مالك" وغيرهم، من ثناء الأئمة عليه علما، ودينا، وورعا، وثباتا .. ما فيه كفاية.
وقد انتشر مذهبه في الحجاز، ومصر، والسودان، والكويت، والبحرين، وتونس، والجزائر، والأندلس، والمغرب الأقصى - البلد الوحيد الذي أضحى فيه بدون منافس، وله أتباع في جل البلدان الإسلامية الأخرى.
٣ - المذهب الشافعي
وإمامه محمد بن إدريس الشافعي، ولد بغزة (١٥٠ هـ) ونشأ بمكة، وربي بهذيل، وتوفي بمصر (٢٠٤ هـ). وانتشر مذهبه الثاني في مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وباكستان، والهند، واندنيسيا، ولدى السنيين في إيران، واليمن، وغيرها من البلدان الَّتِي لا زال له فيها أتباع - عدا المغرب.
- جـ -

مقدمة / 8

٤ - المذهب الحنبلي
وإمامه أحمد بن حنبل، ولد وتوفي ببغداد (١٦٤ - ٢٤١) وكان إماما في الحديث بدون منازع، وانتشر مذهبه في المشرق عموما، غير أنه مع مر الأيام كاد أن يندثر -حيث لم يبق له حتى في البلدان الَّتِي انتشر فيها غير صدي خافت- لو لم يحيه محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عَشر الهجري، ومنذئذ انتعش، وأصبح له أتباع في بعض البلدان الإسلامية كالحجاز، والشام .... عدا المغرب.
من هذا يتضح أن المذاهب الفقهية السنية الَّتِي كتب لها البقاء، كانت -ولا زالت- منتشرة ومتنافسة في جل البلدان الإسلامية، باستثناء المغرب الأقصى الذي تسنم عرشه المذهب المالكي منذ أن تقلده المغاربة، رغم محاولة بعض ملوك الموحدين القضاء عليه- لكن بدون جدوى، الشيء الذي يدعو إلى طرح الأسئلة التالية لماذا انفرد المذهب المالكي بالنفوذ في المغرب؟ وما هي البواعث الَّتِي دفعت أهله إلى التمسك به تمسك الرضيع بأمه؟ وهل ذلك عن اختيار واقتناع بصلاحيته؟ أم فرض عليهم بالقوة- كما يدعي البعض؟ أم أن ذلك كان كنتيجة حتمية لعدم تعرفهم على المذاهب الأخرى؟
وأن المستنطق لتاريخ المغاربة سيجد أنهم كانوا يتسمون بالصلابة في الرأي، والتروي في اتخاذ المواقف الحاسمة، وعدم إقبالهم -بلهفة على كل جديد، وعدم تأثرهم بسرعة بكل وارد -كما هو ملاحظ اليوم- إلا بعد اختبارهم إياه، والتثبت منه بأنه يتلاءم مع مزاجهم، وبيئتهم الاجتماعية والعرفية، والعقلية والنفسية ... وهذا الموقف نفسه وقفوه ازاء الإسلام حيث لم يعتنقوه اعتناقا صادقا، وآمنوا به إيمانا عميقا امتزج بدمهم ولحمهم، إلا في الكرة الثانية عشرة- كما يذكر ذلك ابن أبي زيد القيرواني- حينما تيقنوا أنه ليس له مثيل،
- د -

مقدمة / 9

ومنذئذ لم يرضوا به بديلا، وصاروا يدافعون عنه -ولا زالوا- بكل ما أوتوا من قوة، وكفاهم فخرا أنهم كانوا في طليعة الناشرين له في أوربا وأفريقيا.
وإذا كان هذا موقفهم مع الإسلام، فليس بصحيح ما ادعاه ابن حزم من أن المذهب المالكي لم ينتشر في الأندلس والمغرب إلا بالسلطة، ويفند زعمه هذا بالنسبة للمغرب ما قام به بعض ملوك الموحدين، وخاصة يعقوب المنصور من محاولات لمحو المذهب المالكي منه، بإحراق كتبه بالجملة، وإلزام المغاربة بالتخلي عنه رهبة، إلا أن النتيجة كانت عكسية، حيث ازداد المغاربة تمسكا به، نعم قد تكون السلطة سببا مكملا لحماية الإرادة الشعبية من تشكيكها في عقيدتها الأشعرية ووحدتها المذهبية، والعمل على تنقيتها من الطفيلات الشاذة.
كما ليس بصحيح -بتاتا- الظن بأن السبب في انتشار مذهب مالك واستمراره بالمغرب يرجع إلى عدم تعرف أهله على المذاهب الأخرى، لأن التاريخ يثبت بكيفية قاطعة، أن كثيرا من المذاهب السنية وغير السنية وفدت على المغرب، وعاشت فيه مدة، وحاولت التمركز فيه قبل وبعد إدخال المذهب المالكي إليه، غير أن المغاربة تخلوا عنها لسبب أو لآخر، وتمسكوا بمذهب مالك، وذلك لعدة عوامل
عوامل تمسك المغاربة بمذهب مالك
ليس من اليسير في هذه العجالة تقصي كل العوامل والأسباب الَّتِي حفزت المغاربة إلى التشبث بمذهب مالك، لذا سأكتفي بالاشارة إلى البعض منها
١ - نشوء المذهب بالديار المقدسة.
٢ - ورود الأثر في صاحب المذهب.
٣ - إشادة مختلف الأئمة به.
- هـ -

مقدمة / 10

٤ - تشابه البيئتين المغربية والحجازية.
٥ - طبيعة المذهب نفسه وخصائصه.
١ - بزوغ المذهب بالبقاع المقدسة:
من المسلم به أن كل مسلم له ارتباط وثيق -عقيديا وروحيا- بالديار المقدسة منبع الرسالة المحمدية، منذ اعتناقهم الإسلام، وظهور مذهب فقهي سني في دار الهجرة، هدف صاحبه خدمة السنة النبوية بتدوينها وحمايتها من الشوائب، وتوطيء فقهه بها في مسجد الرسول الأكرم، وبجوار قبره ﵊ وتعاقب الوفود من التلاميذ والحجيج باستمرار - على المدينة المنورة، يرتوون ويروون، ثم انتشارهم انتشار الشعاع في شتى الأصقاع، مبلغين أصداء هذا المذهب ومزاياه إلى كثير من بقاع العالم الإسلامي- ومنه المغرب، واقترن طول عمر الإمام، وكثرة العلم، بعظمة المكان ذاته بيت الله الحرام، ومسجد رسول الله، وهيبة قبره، ومغداه ومرحاه، وأبنائه، وأبناء أصحابه، والأثر والذكر العطر بنوره، بلدة طيبة، وعلم زاخر ... كل ذلك وغيره، أهَّلَ الديار المقدسة - بصفة عامة، والمدينة المنورة بوجه خاص- أن تكون بذاتها وبروحها عاملا مهما لانتشار واستمرار مذهب مالك بالمغرب، وتمسك أهله به، تمسكهم بالعروة الوثقى، وذلك لعدة أسباب، منها:
أ- خروج المذهب على يد تلامذة مالك، وادخالهم إياه إلى بلدانهم وغيرها، وكان أول من أدخله إلى شمال افريقيا تلميذ مالك أبو الحسن علي بن زياد التونسي (ت ١٨٣ هـ).
ب- توافد الحجيج كل سنة على تلك البقاع المقدسة، وإعجابهم بالمذهب الذي وجدوه امتدادا لنهج السلف عقيدة، وعملا.
- و-

مقدمة / 11

ج- توارد الوفود تلو الوفود من الفقهاء وغيرهم على المغرب من القيروان والأندلس، وخاصة في عهد مولاي إدريس الثاني، وكان أول وفد ورد عليه مكونا من عرب قيس، والأزد، ومذحج، ويحصب وغيرهم، واستقضى منهم عامر بن محمد بن سعيد القيسي، الذي كان من تلامذة مالك، فانتشر مذهب مالك بالمغرب وعم أرجاءه، لا سيما حين أدخلت مدونة سحنون على يد أبي ميمونة دراس بن اسماعيل الجراوي الفاسي شيخ أبي الحسن القابسي، وابن أبي زيد القيرواني وغيرهما. (ت ٣٥٧ هـ).
٢ - ورود الأثر في صاحب المذهب:
لعل من أهم العوامل الَّتِي حدت بالمغاربة إلى اتباع مذهب مالك وتفضيله على غيره، - ما وقع من اجماع الأمة على إمامة صاحبه، وما ورد فيه من أثر عن رسول الله ﷺ، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ -وفي رواية- يَلْتَمِسُونَ الْعِلْمِ، فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ".
ورواه أبو موسى الأشعري بلفظ "يَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ".
وعلق سفيان بن عيينة على هذا الحديث- قائلا "نرى أن المراد بهذا الحديث مالك بن أنس". وعضده كثير من أهل العلم كالقاضي أبي محمد عبد الوهاب الذي قال ما معناه لا يمكن أن ينازعنا في هذا الحديث أحد من أهل المذاهب الأخرى، لكون السلف والخلف كانوا إذا قالوا "عالم المدينة" لا يقصدون بذلك إلا مالك بن أنس.
- ز -

مقدمة / 12

٣ - إشادة مختلف الأئمة بمالك:
وربما كان من العوامل التي جعلت المغاربة يتشبثون بمذهب مالك إشادة مختلف الأئمة بعلم مالك، وورعه ورجاحة عقله، وتعمقه في فهم أسرار الشريعة، و... فهذا الإمام الشافعي يقول في حقه "مالك أستاذي وعنه أخذت العلم، وما أحد أمّنَّ عليَّ من مالك، وجعلته حجة بيني وبين الله".
وقال في حق موطئه "أصح كتاب بعد کتاب الله موطأ مالك".
وقال ابن مهدي "ما رأيت أحدا أتمَّ عقلا، ولا أشدَّ تقوى من مالك". و"ما بقي على وجه الأرض آمنُ على حديث رسول الله ﷺ من مالك".
وقال سفيان بن عيينة "كان مالك سراجا، وحجة في زمانه".
وقال أحمد بن حنبل- "مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في الحديث والفقه".
٤ - تشابه بيئة البلدين:
لقد أورد لنا ابن خلدون تعليلا دقيقا لانتشار مذهب مالك في المغرب والأندلس، منطلقا من حسه الاجتماعي الفياض، قائلا:
"إن أهل المغرب والأندلس، كانوا إلى أهل الحجاز أميل، لمناسبة البداوة التي كانت غالبة عليهم، ولم يكونوا يعانون من الحضارة التي لأهل العراق ... ".
وبهذا المنظر الخلدوني، يُمكِن أن ندرك أثر البيئة المادية، والمعنوية في تقبل هذا المذهب أو ذاك، فالبداوة، والحضارة، والخصب، والجدب، والغني، والرخاء، والنعيم، والبؤس، والأخلاق، والأعراف، والتقاليد وغيرها من المظاهر البيئية التي يتشابه في جلها البلدان الحجاز
- حـ -

مقدمة / 13

والمغرب - كل ذلك كان له أثر فعال، مِمَّا يجعَل أن يسلم تعليل ابن خلدون بدون جدال.
٥ - طبيعة المذهب نفسه، وخصائصه:
إن النفوس ميالة -إلى اتباع مذهب ما- بطبيعتها، لما يتوفر عليه من يسر ومرونة في أُصوله وقواعده، ومنهجه في الاستنباط، وطريقته في معالجة الحوادث النازلة، ومدى توخيه المصلحة، ودفع المشقة، اللذين هما لباب الدين- مقصدا ومنهجا، ومنهما يفوح شذي السنة الأرج، وما يتراءاه العباد فيها من سهولة وسماحة، امتثالا لغير ما آية من كتاب الله جل علاه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ولقول الرسول ﵇ "إنَّ الدِّيْنَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّيْنَ أَحُدٌ إِلَّا غَلَبَهُ" وقوله "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُا" الحديث.
ومذهب مالك -بدون شك- يتسم بما سلف وبكثير من الخصائص الأخرى، منها:
١ - كونه يعتبر الممثل الأصيل لفقه الفقهاء السبعة، الذي التزمه أهل مدينة الرسول، فهو امتداد طبيعي، عضوي، فكري، وتاريخي لأيام الرسالة واقترانه بفكرة إتباع السنة، وترصده عمل السلف الصالح، ورسوخ ذلك كله في أذهان المغاربة، جعلتهم يقبلون عليه بشغف كبير، استمساکابعامل الأمان، حتى لا يتورطوا في مستحدثات الأمور ومبتدعاتها، ورأوا أن الاتباع منجاة لهم من الوقوع فيما لا تحمد عقباه في دينهم ودنياهم، والإمام الذي وهب نفسه لخدمة السنة المطهرة، جدير أن تهفو الأفئدة لاتباعه، واتخاذه قدوة، وتطمئن إليه الفئة العاجزة عن استنباط الأحكام بنفسها من ينبوع الشريعة الإسلامية.
- ط -

مقدمة / 14

٢ - سلوكه مسلكا وسطا:
أظن أن المغاربة فضلوا المذهب المالكي، وتمسكوا به تمسكا فريدا، لسلوكه مسلكا وسطا لا إفراط فيه ولا تفريط، بحيث لا يعتمد على الرأي والقياس، بقدر ما يعتمد على النصوص، ويتبع ما أجمع عليه أهل المدينة، ويبتعد عن كل ما ليس فيه مصلحة راجحة للعباد وهو بهذا كله ينسجم مع طبيعة المغاربة التي تتشبث بالنقول الثابتة، والنصوص الصريحة، وتنفر من التأويلات البعيدة، والتشديدات المنفرة، والتعقيدات السقيمة، خوفا من الوقوع في الشبهات "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشَبِّهَاتٌ ... " الحديث.
٣ - خصوبة مصادره، وتعدد أجواء الاجتهاد فيه
لا شك أن أي مذهب تنمو فروعه، وتتسع آفاق التفكير فيه بتعدد أصوله، وخصوبة مصادره، ومدى سعة تفكير الساهرين عليه من بعد إمامهم، وتعدد أجواء الاجتهاد فيه .. ومذهب مالك متوفر على هذا كله، فأصوله كثيرة، وقواعده خصبة، ومناهجه متنوعة، وتلاميذ الإمام ومن بعدهم قد وسعوا تفكيرهم في تطبيق أصول إمامهم في مختلف الميادين، وتفننوا في وضع القواعد وتنويعها، وجمع عدة أحكام تحت كل واحدة منها، وبذلك تركوا لنا ذخائر من التراث الفقهي الأصيل، المبني على القواعد والأصول، لا يقدر بأي ثمن.
٤ - التمسك به جمعا للكلمة، وصونا للوحدة:
ولعل من أهم الأسباب البارزة التي جعلت المغاربة يتشبثون بمذهب واحد، أنهم أخذوا درسا مِمَّا وقع فيه غيرهم من بعض البلدان الإسلامية، ولا زالوا -مع الأسف- من براثن النزعات الطائفية، والخلافات المذهبية، التي شتتت أوصال البلد الواحد، بل مزقت أواصر الأسرة الواحدة، مع أن الدين واحد، وهدف الأئمة -رضوان الله عليهم-
- ي -

مقدمة / 15

واحد، وتصيد الرخص حرام بالإجماع وتفاديا لذلك، اتفقت كلمتهم على اتباع مذهب واحد، ووحدوا صفوفهم عليه، مفضلين العيش في أمان ووئام، تحت لواء الإسلام، ملتزمين الصف الواحد، والرأي الواحد، في كنف العقيدة الأشعرية، والوحدة المذهبية، مرددين مع الشاعر
نظرنا في المذاهب ما رأينا ... كمذهب مالك للناظرينا
ومذهبه اتباع لا ابتداع ... كما اتبع الكريم الأكرمينا
وعندي كل مجتهد مصيب ... ولكن مالك في السابقينا
- كـ -

مقدمة / 16

تحقيق "إيضاح المسالك":
فقد عانيت في البداية ما يعانيه كل باحث مبتدئ في اختيار موضوع البحث، وظلت أمواج الحيرة تقذف بي هنا وهناك مدة، إلى أن أضناني التردد، ووجدتني منساقا إلى تحقيق كتاب "إيضاح المسالك" لعدة أسباب؛ منها:
١ - تحقيق أمل طالما حلمت به، وهو أن أساهم مساهمة رمزية في إحياء ما تركه لنا أمجادنا من ذخائر التراث، ولا سيما في المجال الفقهي، حتى يتسنى للأجيال الصاعدة أن تقف على أصالة التراث الفقهى، وما يزخر به من نظريات وحلول لمختلف القضايا النازلة، بل قد يوجد فيه حلول لقضايا، فرضية ربما لا تخطر على البال.
٢ - توقعي أن أجد إجابة -في هذا المخطوط- عن التساؤل الذي كثيرا ما خامرني -وربما ساور غيري-: إذا كان الاختلاف بين المذاهب يبدو له مبرراته -تبعا لاختلافهم في بعض الأصول- فلم الاختلاف في المذهب الواحد- مع أن أصوله واحدة؟ .

1 / 1

٣ - أنبنى ضميري حينما رأيت المستشرقين يتهافتون على تحقيق التراث الإسلامي، بينما المنتمون إليه تنكروا له -لسبب أو لآخر- إلا القليل منهم، وهذا عقوق منا لأسلافنا، ولما خلفوه لنا من تراث ثري بكل ما نحتاج إليه في عصرنا الحاضر، علما بأن المستشرقين -جلهم- لا يقدمون على ذلك إلا لحاجة في نفس يعقوب، الرامية إلى تحقيق أهداف خاصة.
٤ - تأثري العميق بإرشاد أستاذي الدكتور عبد الواحد وافي، أثناء تقديمى له مشروع بحث غير هذا، وبمجرد ما قرأ عنوان البحث نظر إلي وقال: مالي أراكم تفرون كلكم عن تراثكم الذي أصبح يتلاشى يوما عن يوم! ! فمن الأحسن أن تبحث عن مخطوط ملائم، فأنا رهن الإشارة للإشراف عليه.
ومن يومئذ تركت البحث -الذي كنت أنفقت في تهييء مشروعه مدة ليست بقصيرة- جانبا، وقررت أن أبحث عن موضوع فقهي، ربما لميلي إلى الفقه منذ زمن التلمذة، وتصفحت كثيرا من المخطوطات قبل أن أقف على "إيضاح المسالك" وحينما عثرت عليه -صدفة- تفاءلت باسمه، فبادرت إلى تسجيله، وكنت أعتقد أنه سهل كما يوحي بذلك عنوانه، ولكن سرعان ما فوجئت بعقبات متنوعة اعترضت سبيلي كدت أقف معها في البداية -رغم أن نسخ الكتاب متعددة، بيد أن جلها لم تستوف متطلبات المنهجية الحديثة: من صيغ التمليك، واسم ناسخها، وتاريخ نسخها، ومكانه ... إلا أن أحد أساتذتي الكرام -جزاه الله خيرا- كان يستحثني على مواصلة البحث والعمل باستمرار، ولكن كيف أواصل؟ .

1 / 2

فها هو ذا عصر المؤلف -الذي هو العصر الوطاسي- قد طوته كتب التاريخ طيا، ولا يكاد يذكر إلا لماما. ولا أبالغ إن قلت: إنه حلقة مفقودة -أو كادت- في تاريخ المغرب، والأسف أن بعض مميزات هذا العصر أضيفت- خطأ- إلى العصر الذي يليه- وهو العصر السعدي، وإلى اللحظة التي أحرر فيها هذه السطور لم أقف على أية محاولة جدية تسلط الأضواء عليه.
ثم إن موضوع القواعد الفقهية في مذهب مالك -كباقي المذاهب- لم ينل حظه من عناية الباحثين- على كثرة ما كتبوا في أصول الفقه، لذا كانت المراجع فيه جد ضئيلة. ورغم الصعوبات الجمة والمتنوعة -التي واجهتني- فقد اقتحمت الموضوع، وصرت أتردد على المكتبات العامة والخاصة- أتصفح أمهات الفقه، باحثا عن الشوارد التي تضمنتها كل قاعدة من قواعد الإيضاح، واسترشدت بكثير من رجال العلم والبحث والتحقيق، الذين يهدون التائهين -مثلي- في متاهات بحوثهم.
خطة البحث:
قد جعلت موضوع الرسالة يتكون من جزءين:
الجزء الأول: دراسة عن أبي العباس الونشريسي: مؤلف الإيضاح وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: عصر المؤلف.
الفصل الثاني: حياته.
الفصل الثالث: آثاره.

1 / 3

الفصل الرابع: دراسة تحليلية للكتاب.
الفصل الخامس: القواعد وأهميتها.
الجزء الثاني: نص المخطوط.
فالفصل الأول: تحدثت فيه عن الفترة التي عاشها أبو العباس بتلمسان (٤) وفاس، وحاولت أن أستشف من أحداث التاريخ الظروف والأسباب التي دفعت السلطة الجزائرية إلى طرد صاحبنا -الونشريسي- ونهب داره وكتبه.
وربما وقفت طويلا مع الناحية الفكرية والاجتماعية، وشفيعي في ذلك، أن هذا العصر لم ينل حظه من عناية الدارسين، بل ظل يكتنفه كثير من الغموض، وأبرزت مزايا لهذا العصر- وقد أضيفت-خطأ- إلى العصر الذي يليه -كما أومأت إلى ذلك آنفا.
والفصل الثاني: تناولت فيه نشأته وحياته الدراسية والعلمية، وفحصت الراويات والأخبار الواردة في نسبه ومكان ولادته، ونبهت على أخطاء وقع فيها كثير من المؤرخين، سواء منهم القدامى والمحدثون.

(٤) (تلمسان) اسم بربري، مركب من كلمتين اثنتين؛ أولاهما: (تلم) بكسر التاء، ومعناها تجمع- والثانية (سان) ومعناها اثنين، فهو إذن إسم وصفي للمدينة باعتبار موقعها الطبيعي الجامع بين الصحراء والتل، ويقول ابن خلدون: يعنون إلى البر والبحر ... انظر تاريخ الجزائر العام- ج- ٢ - ص: ١٢٥ تعليق ٣.

1 / 4

وعملت على إبراز شخصيته وصفاته الخلقية والخلقية، ومكانته العلمية، وآراء الناس فيه، وتقويمهم لشخصيته وثقافته.
والفصل الثالث: عقدته لآثاره ومؤلفاته، وتتبعت فهارس المخطوطات وكتب التراجم، واستطعت أن أثبت أن له أربعا وعشرين مؤلفا، ولم يكن معروفا منها إلا عدد ضئيل؛ وقد ذكرتها إجمالا، ثم حللت أهمها تحليلا موجزا، وعرفت بالمخطوط والمطبوع منها، وصححت أخطاء لبعض المفهرسين وأصحاب التراجم في أسمائها وعناوينها، وأثبت صورة من خط يد المؤلف وتوقيعه.
أما الفصل الرابع: فقد خصصته لدراسة كتاب "إيضاح المسالك" دراسة تحليلية، إذ وثقت عنوان الكتاب، وأثبت تاريخ تأليفه، والباعث على تدوينه، وذكرت مضمونه وفحواه، وحاولت تقييمه، بإبراز أهم محاسنه، وما يوخذ عليه.
وفي الفصل الخامس: تناولت فيه القواعد وأثرها في الدراسات الفقهية والتشريع. حيث عرفت فيه بالقاعدة، وأحصيت أنواعها، ولمحت إلى الفرق بين القواعد الأصولية والفقهية، وأعطيت لمحة تاريخية عن تدوينها، والأطوار التي مرت بها، وأبرزت أهميتها في الدراسات الفقهية، وأثرها في التشريع الحديث، وختمت هذه الدراسة بمصادر ومراجع عدت إليها أثناء إعداد هذه الفصول، وقسمتها إلى مخطوطات، ومطبوعات، وصحف ومجلات، وبعض مصادر أجنبية أثبتها آخر الكتاب.

1 / 5

أما الجزء الثاني: فهو نص المخطوط، وقد قدمت له بمقدمة، عرفت فيها بالنسخ الخطية للكتاب، ورسمت مشجرا بينت فيه النسخة (الأم) والفروع التي تفرعت عنها، سواء منها القديم والحديث، وأوضحت المنهج الذي سرت عليه في التحقيق، وهو أنه يرمى إلى توثيق النص، واخراجه كما أراده المؤلف أو قريبا من ذلك.
ووضعت حاشيتين: إحداهما للفروق، والأخرى للتعاليق، وذيلت الكتاب بفهارس مفصلة، تلقي أضواء كاشفة عن موضوعاته، وأهم محتوياته. وأرجو أن أكون قد وفقت فيما بذلت، وحققت ما أملت، وعلى الله قصد السبيل والاتكال، في الحال والمآل.

1 / 6