Ikhtiyār al-awlā fī sharḥ ḥadīth ikhtiṣām al-malaʾ al-aʿlā

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى

Editor

أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني

Publisher

الفاروق الحديثة للطباعة والنشر

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى

4 / 3

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه عَلَى محمد خاتم النبيين، وإمام (المتقين) (*)، ورسول رب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين.
خرَّج الإمام أحمد (١) ﵀: من حديث مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوَّبَ (٢) بِالصَّلَاةِ وَصَلَّى وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ». ثُمَّ أَقْبَلَ (إِلَيْنَا) (**) فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ (٣)، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﷿ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟
قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ . قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي يا رَبِّ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّه بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي، وَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ .
قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتُ.

(*) المرسلين: "نسخة".
(١) (٥/ ٢٤٣).
(٢) التثويب: إقامة الصلاة (النهاية مادة: ثوب).
(**) علينا: "نسخة".
(٣) كذا في الأصول وجامع الترمذي وتوحيد ابن خزيمة، ووقع في المسند "استيقظت".

4 / 5

قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟.
قُلْتُ: نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ (عَلَى) (*) الْكَرِيهَاتِ.
فَقَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ.
قَالَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ".
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا».
وخرّجه الترمذي (١)، وقال: "حديث (حسن صحيح) (**) "، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فَقَالَ: "هذا حديث حسن صحيح (٢).

(*) عند:"نسخة".
(**) صحيح: "نسخة".
(١) برقم (٣٢٣٥).
(٢) ونقل الترمذي في السنن (٥/ ٣٤٤) قول البخاري: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا خالد بن اللجلاج حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: سمعت رسول الله ﷺ فذكر الحديث، وهذا غير محفوظ. هكذا ذَكَرَ الوليدُ في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله ﷺ. وروى بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي ﷺ. وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي ﷺ.
وفي علل الترمذي الكبير (٦٦١) قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فَقَالَ: عبد الرحمن بن عائش لم يدرك النبي ﷺ.
وحديث الوليد بن مسلم غير صحيح.
والحديث الصحيح ما رواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير حديث معاذ بن جبل هذا.

4 / 6

قلت: وفي إسناده اختلاف، وله طرق متعددة، وفي بعضها زيادة وفي بعضها نقصان، وقد ذكرت عامة أسانيده وبعض ألفاظه المختلفة في كتاب "شرح الترمذي".
وفى بعض ألفاظه عند الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) أيضًا: "المشي عَلَى الأقدام إِلَى الجماعات" بدل "الجُمُعات".
وفيه أيضًا عندهما (٣) بعد ذكر الكفّارات زيادة: "ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه".
وفيه (٤) أيضًا عندهما: "والدرجات: إفشاء السلام ... " بدلًا لين الكلام".
وفي بعض رواياته (٥): " ... فعلمت ما في "السماء" (*) والأرض". ثم تلى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥].
وفي رواية أخرى (٦): " ... فتجلَّى لي ما بين السماء والأرض".
وفي رواية (٧): ... "ما بين المشرق والمغرب".

(١) (٥/ ٣٧٨) عن بعض أصحاب النبي ﷺ.
(٢) برقم (٣٢٣٣) عن ابن عباس.
قال الترمذي: وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلًا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس:
(٣) انظر رقمي (١، ٢).
(٤) الترمذي (٣٢٣٣).
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٨٥) بلفظ: "فعلمت ما في السماوات".
(*) السماوات: "نسخة".
(٦) أخرجها الروياني في مسنده (٦٥٦).
(٧) أخرجها الترمذي (٣٢٣٤) عن ابن عباس، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

4 / 7

وفي بعضها زيادة في الدعاء الَّذِي فيه وهي (١): " ... وتتوب عَلَى.".
وفي بعضها (٢): "إصباغ الوضوء في السَّبرات".
وفي بعضها (٣): "وقال: يا محمد! إذا صلّيت فقلْ: اللهم إني أسألك فعل الخيرات ... " فذكره.
والمقصود هنا: شرحُ الحديث وما يُستنبط منه من المعارف والأحكام وغير ذلك.
ففي الحديث دلالة عَلَى أن النبي ﷺ لم يكن من عادته تأخير صلاة الصبع إِلَى قرب طلوع الشمس، وإنما كانت عادتُه التغليس بها، وكان أحيانًا يسفر بها عند انتشار الضوء عَلَى وجه الأرض، وأما تأخيرها إِلَى قريب طلوع الشمس فلم يكن من عادته، ولهذا اعتذرَ لهم عنه في هذا الحديث.
وقد قيل: إن تأخيرها إِلَى هذا الإسفار الفاحش لا يجوز لغير عذر، وأنَّه وقت ضرورة كتأخير العصر إِلَى بعد اصفرار الشمس، وهو قول القاضي من أصحابنا في بعض كتبه، وقد أومأ إِلَيْهِ الإمام أحمد، وقال: "هذه صلاة مفرط، إِنَّمَا الإسفار أن ينتشر الضوءُ عَلَى الأرض".
وفي الحديث: دلالة عَلَى أنّ من أخَّر الصلاة إِلَى آخر الوقت لعذر أو غيره وخاف خروج الوقت في الصلاة إن طوّلها أن يخففها حتى يدركها كلَّها في الوقت.

(١) أخرجها ابن أبي عاصم في السنة (٣٨٨)، وفي الآحاد والمثاني (٢٥٨٥).
(٢) أخرجها البزار في البحر الزخار (٢٦٦٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٩٠)، الأوسط (٥٤٩٦).
(٣) أخرجها الترمذي (٣٢٣٣).
وانظر في الكلام عَلَى هذا الحديث علل الدراقطني (٦/ ٥٤ - ٥٧) برقم (٩٧٣)، والعلل المتناهية لابن الجوزي (١/ ٣٠ - ٣٥)، فقد ذكر الدارقطني الخلاف في هذا الحديث ثم قال: ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة، ونقل كلامه ابن الجوزي وقال: قال أبو بكر البيهقي: قد رُوي من أوجه كلها ضعاف.

4 / 8

وأما قول أبي بكر الصديق ﵁ لما طوّل في صلاة الفجر وقرأ بالبقرة فقِيلَ لَهُ: كادت الشمس أن تطلع!
فَقَالَ: "لو طلعت لم تجدنا غافلين" (١)، فإن أبا بكر ﵁ لم يتعمد التأخير إِلَى طلوع الشمس ولا أن يُمدَّها ويطيلها حتى تطلع الشمس لأنه دخل فيها بغلس، وأطال القراءة وربما كان قد استغرق في تلاوته فلو طلعت الشمس حينئذٍ لم يضره لأنّه لم يكن متعمدًا لذلك.
وهذا يدل عَلَى أنَّه كان يرى صحة الصلاة لمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاته كما أمر النبي ﷺ من طلعت عليه الشمس -وقد صلّى ركعة من الفجر- أن يضيف إليها أخرى (٢).
وفي حديث معاذ: دليل عَلَى أن من رأى رؤيا تسرُّه فإنَّه يقصها عَلَى أصحابه وإخوانه المحبين له، ولاسيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعليمًا لما ينفعهم، وقد كان النبي ﷺ إذا صلّى الفجر يقول لأصحابه: "من رأى منكم الليلة رؤيا"؟ (٣).
وفيه أيضًا: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتى رأى رؤيا تسره فإنَّ في ذلك بشرى له.
وفي مراسيل الحسن: "إذا نام العبد -وهو ساجد- باهى الله به الملائكة، يقول: يا ملائكتي انظروا إِلَى عبدي: جسده في طاعتي وروحه عندي".
وفيه: دلالة عَلَى شرف النبي ﷺ وتفضيله بتعليمه. ما في (السماوات) (*) والأرض، وتجلَّى ذلك له مما تختصم فيه الملائكة في السماء وغير ذلك، كما أُريَ

(١) أخرجه الييهقي في السنن الكبير (١/ ٣٧٩)، وفيه أن القراءة كانت "بآل عمران".
(٢) أخرجه "أحمد" (٢/ ٤٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٨٦)، ومسلم (٢٢٧٥) من حديث سمرة.
(*) السماء: "نسخة".

4 / 9

إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.
وقد ورد في غير حديث مرفوعًا (١) وموقوفًا (٢) أنَّه ﷺ أعطي علم كلِّ شيء خلا مفاتيح الغيب الخمس التي اختص الله ﷿ بعلمها، وهي المذكورة في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤].
وأما وصف النبي ﷺ لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ به ربه ﷿ فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نفي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العِلْم وأخبر عنهم أنهم يَقُولُونَ عند المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
وكلما قال النبي ﷺ في القرآن: "وما جهلتهم منه فكلوه إِلَى عالمه"، خرّجه الإمام أحمد (٣) والنسائي وغيرهما، ولا يتكلَّف ما لا علم له به فإنَّه يُخشى عليه من ذلك الهلكة.
سمع ابن عباس يومًا من يروي عن النبي ﷺ شيئًا من هذه الأحاديث فانتفض رجل استنكارًا لذلك، فَقَالَ ابن عباس: "ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" خرَّجه عبد الرزاق في "كتابه" (٤) عن معم، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄.
فكلما سمع المؤمنون شيئًا من هذا الكلام قالوا: هذا ما أخبرنا الله به ورسوله ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].

(١) أخرجه "أحمد" (٢/ ٨٥ - ٨٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٦٣) رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح وهو بنحوه عند البخاري في صحيحه (١٠٣٩) من حديث ابن عمر.
وأخرجه أحمد (١/ ٣٨٦، ٤٣٨، ٤٤٥) وغيره من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه الطيالسي (١٨٠٩) عن ابن عمر بنحوه.
(٣) في مسنده (٢/ ١٨٥) وفي (٢/ ١٨١، ٣٠٠) بلفظ: "فردوه إِلَى عالمه".
(٤) كما في الجامع لمعمر (١١/ ٤٢٣ مع المصنف) برقم (٢٠٨٩٥).

4 / 10

وفي الحديث دلالة عَلَى أن الملأ الأعلى -وهم الملائكة أو المقرَّبون منهم- يختصمون فيما بينهم، ويتراجعون القول في الأعمال التي تُقرِّب بني آدم إِلَى الله ﷿ وتكفر بها عنهم خطاياهم، وقد أخبر الله عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا ويدعون لهم.
وفي الحديث الصحيح (١): "إن الله إذا أحبَّ عبدًا نادى: يا جبريل إني أَحَبّ فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".
وقال أبو هريرة ﵁: "إذا مات ابن آدم قال الناس: ما خلَّف؟.
وقالت الملائكة: ما قدَّم؟ " (٢).
فالملائكة يسألون عن أعمال بني آدم ولهم اعتناء بذلك واهتمامٌ به.
وبقي الكلام عَلَى المقصود من الحديث، وهو: ذكر الكفّارات والدرجات والدعوات، ونعقد لكل واحدة منها فصلًا مفردًا.
...

(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧).
(٢) أخرجه البيهقي في "الشعب" (١٠٤٧٥) بلفظ: "إذا مات الميت، قالت الملائكة: ما قدَّم، وقال بنو آدم ما خلف".

4 / 11

الفصل الأول في ذكر الكفَّارات
وهي إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إِلَى الجُمعات (أو) (*) الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات.
وسميت هذه كفارات لأنها تكفر الخطايا والسيئات، ولذلك جاء في بعض الروايات: "من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه".
وهذه الخصال المذكورة الأغلب عليها تكفيرُ السيئات، ويحصل بها أيضًا رفعُ الدرجات كما في صحيح مسلم (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ألا أدلكم عَلَى ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟! ".
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: "إسباغ الوضوء عَلَى المكاره، وكثرة الخطأ إِلَى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط".
وقد رُوي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة. فهذه ثلاثة أسباب تُكفَّر بها الذنوب: أحدها: الوضوء، وقد دلَّ القرآن عَلَى تكفيره للذنوب في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ يشمل طهارة ظاهر البدن بالماء، وطهارة الباطن من الذنوب والخطايا، وإتمامُ النعمة إِنَّمَا يحصل بمغفرة الخطايا وتكفيرها، كما قال تعالى لنبيه

(*) (و): "نسخة".
(١) برقم (٢٥١).

4 / 12

ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢].
وقد استنبط هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، ويشهد له الحديث الَّذِي خرّجه الترمذي (١) وغيره (٢) عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يدعو، يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة.
فَقَالَ له: "أتدري ما تمامُ النعمة؟ ". قال: دعوةٌ دعوت بها، أرجو بها الخير.
فَقَالَ النبي ﷺ: "إن تمام النعمة: النجاةُ من النار، ودخول الجنة". فلا تتِمُّ نعمة الله عَلَى عبده إلا بتكفير سيئاته.
وقد تكاثرت النصوص عن النبي ﷺ بتكفير الخطايا بالوضوء كما في "صحيح مسلم" (٣) عن عثمان ﵁ أنَّه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ هكذا غُفرَ له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إِلَى المسجد نافلة".
وفيه (٤) أيضًا عنه عن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره".
وفيه أيضًا (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ

(١) برقم (٣٥٢٧) وقال: هذا حديث حسن.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١، ٢٣٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٤).
قال أبو نعيم في الحلية: تفرد به عن اللجلاج أبو الورد، وحدث به الأكابر عن الجريري منهم: إسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع، وعنهما الإمامان: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل.
(٣) برقم (٢٢٩).
(٤) برقم (٢٤٥).
(٥) برقم (٢٤٤).

4 / 13

العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء، فَإِذَا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيًّا من الذنوب".
وفيه أيضًا (١) عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا (خَرَّجت) (*) خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّا (خَرَّجت) (*) خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ أَهْله وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
وفي "الموطأ" (٢) "ومسند الإمام أحمد" (٣) "وسنن النسائي" (٤) "وابن ماجه" (٥) عن الصنابحي عن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلاَتُهُ نَافِلَةً».

(١) برقم (٨٣٢).
(*) في صحيح مسلم "خرَّت".
(٢) (١/ ٥٦) برقم [٣٠١].
(٣) (٤/ ٣٤٨، ٣٤٩).
(٤) (١/ ٧٤، ٧٥).
(٥) برقم (٢٨٢).

4 / 14

وفي "المسند" عن أبي أمامة (١) عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ وَيُمَضْمِضُ فَاهُ وَيَتَوَضَّأُ كَمَا أَمَرَ اللهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ: مَا نَطَقَ بِهِ فَمُهُ، وَمَا مَسَّ بِيَدَيْهِ، وَمَا مَشَى إِلَيْهِ، حَتَّى إِنَّ الْخَطَايَا تَحَادَرُ مِنْ أَطْرَافِهِ، ثُمَّ إِذَا هُوَ مَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ فَرِجْلٌ تَكْتُبُ حَسَنَةً، وَأُخْرَى تُمْحِي سَيِّئَةً». وفيه أيضًا (٢) عن النبي ﷺ قال: "أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه، نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرةٍ، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له، ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا".
وفي هذا المعنى أحاديثُ (أخر) (*)، وفيما ذكرناه كفاية. وقد وردت النصوص أيضًا بحصول الثواب عَلَى الوضوء، وهذا زيادة عَلَى تكفير السيئات به:
ففي "صحيح مسلم" (٣) عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا اله الا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ الثَمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ".
وفيه أيضًا (٤): عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث

(١) لم أجده في "المسند" وهو عند "الطبرانى في "الكبير" (٨/ ٧٩٩٥) قال: الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٢٣): رواه الطبراني في "الكبير" وفيه: لقيط أبو المساور (*)، روى عن أبي أمامة، وروى عنه الجريري وقرة بن خالد، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ ويخالف.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٥٦، ٢٦٣، ٢٦٤) من طرق عن شهر بن حوشب.
وشهر ضعيف. وانظر الترغيب والترهيب للمنذرى (١/ ١٥٥) ومجمع الزوائد للهيثمي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٦).
(*) كثيرة: "نسخة".
(٣) برقم (٢٣٤).
(٤) برقم (٢٥٠).

(*) هكذا في المجمع، وفي الثقات لابن حبان "أبو المثنى وفي إسناد الطبراني الكبير "أبو المشاء".

4 / 15

يبلغ الوضوء".
وفيه أيضًا (١): عنه عن النبي ﷺ قال: "أنتم الغر المحجلون من إسباغ الوضوء".
وخرّجه البخاري (٢)، ولفظه: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من أثر الوضوء".
واعلم أن حديث معاذ بن جبل في المنام إِنَّمَا فيه ذكر إسباغ الوضوء عَلَى الكريهات، وكذا في حديث أبي هريرة المبدوء بذكره في هذا الفصل، فهاهنا أمران:
أحدهما: إسباغ الوضوء، وهو إتمامه إبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب السابغ المغطي للبدن.
وفي "مسند البزار" (٣) عن عثمان مرفوعًا: "من توضأ فأسبغ الوضوء غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". إسناده لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم (٤) من وجه آخر عن عثمان.
وخرَّج النسائي (٥) وابن ماجه (٦) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إسباغ الوضوء شطر الإيمان".
[وخرّجه مسلم (٧)، ولفظه: "الطهور شطر الإيمان"] (*).

(١) برقم (٢٤٦).
(٢) برقم (١٣٦).
(٣) برقم (٢٦٢ - كشف) بنحوه
وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٣٧): "ورجاله موثقون والحديث حسن إن شاء الله، وكذا حسنه المنذري فى الترغيب والترهيب (١/ ١٠٣).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) في المجتبى (٥/ ٥).
(٦) برقم (٢٨٠).
(٧) برقم (٢٢٣).
(*) ما بين المعقوفتين من المطبوع.

4 / 16

وثانيهما: أن يكون إسباغه عَلَى الكريهات، والمراد أن يكون عَلَى حالة تكره النفس فيها الوضوء، وقد فُسِّر بحال نزول المصائب فإن النفس حينئذٍ تطلب الجزع، فالاشتغال عنه بالصبر والمبادرة إِلَى الوضوء والصلاة من علامة الإيمان كما قال الله ﷿: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
والوضوء مفتاح الصلاة، وقد يٌطفأ به حرارة القلب الناشئة عن ألم المصائب، كما يؤمر من غضب بإطفاء غضبه بالوضوء.
وفُسِّرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ: " ... إسباغ الوضوء (عَلَى) (*) السبرات"، والسبرة: شدة البرد، ولا ريب أن إسباغ الوضوء في البرد يشق عَلَى النفس وتتألم به، وكل ما يؤلم النفوس ويشق عليها فإنَّه كفارة للذنوب وإن لم يكن للإنسان فيه صنعٌ ولا تسبب كالمرض وغيره كما دلت النصوص الكثيرة عَلَى ذلك.
وأما إن كان ناشئًا عن فعل هو طاعة لله فإنَّه يكتب لصاحبه به أجر، وترفعِ به درجات كالألم الحاصل للمجاهد في سبيل الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وكذلك [ألم] (**) الجوع والعطش الَّذِي يحصل للصائم، فهكذا التألم بإسباغ الوضوء في البرد. ويجب الصبر عَلَى الألم بذلك، فإن حصل به الرضى فذلك مقام خواصِّ العارفين المحبين، وينشأ الرضا بذلك عن ملاحظة أمور:
أحدها: تذكر فضل الوضوء من حطَّه للخطايا، ورفعه للدرجات وحصول الغرة والتحجيل به، وبلوغ الحلية في الجنة إِلَى حيث يبلغ، وهذا كما انكسر ظفر

(*) في: "نسخة".
(**) من المطبوع.

4 / 17

بعض الصالحات من السَّلف من عثرة عثرتها فضحكت وقالت: أنساني حلاوة ثوابه مرارة وجعه.
وقال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثَقُلت عليه في جميع الأحوال.
الثاني: تذكُّر ما أعده الله ﷿ لمن عصاه من العذاب بالبرد والزمهرير، فإن [شدة] (*) برد الدُّنْيَا يذكِّر بزمهرير جهنم، وفي الحديث الصحيح (١): "إن أشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم".
فملاحظة هذا الألم الموعود يهون الإحساس بألم برد الماء، كما رُوي عن زبيد اليامي أنَّه قام ليلة للتهجد -[وكان] (*) البرد شديدًا- فلما أدخل يده في الإناء وجد شدة برده فذكر زمهرير جهنم فلم يشعر ببرد الماء بعد ذلك، وبقيت يده في الماء حتى أصبح، فقالت له جاريته: مالك لم تصل الليلة كما كنت تصلي؟!.
فَقَالَ: إني لما وجدت شدة برد الماء (ذكرتُ) (**) زمهرير جهنم فما شعرت به حتى أصبحت، فلا تخبري بهذا أحدًا ما دمت حيًّا.
الثالث: ملاحظة جلال من أمر بالوضوء، ومطالعة عظمته وكبريائه، وتذكُّر التهيؤ للقيام بين يديه ومناجاته في الصلاة (فذلك يهوِّن) (...) كل ألم ينال العبدَ في طلب مرضاته من برد الماء وغيره، وربما لم يشعر بألمه بالكلية كما قال بعض العارفين: بالمعرفة هانت عَلَى العاملين العبادة.
قال سعيد بن عامر: بلغني أن إبراهيم الخليل ﵇ كان إذا توضأ سُمع لعظامه قعقعة.

(*) من المطبوع.
(١) أخرجه البخاري (٥٣٦)، مسلم (٦١٧).
(**) تذكرت: "نسخة".
(...) فبذلك يهون: "نسخة".

4 / 18

وكان علي بن الحسين إذا توضأ اصفر لونه، فيقال له: ما هذا الَّذِي يعتريك عند الوضوء؟!. فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟.
وكان منصور بن زاذان إذا فرغ من وضوئه يبكي حتى يرتفع صوته، (فقيل) (*) له: ما شأنك؟!. (فَقَالَ) (**): وأي شيء أعظم من شأني، إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله (يعرض) (...) عني.
وكان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاءً شديدًا، فقِيلَ لَهُ في ذلك، فَقَالَ: إني أريد أن أتقدم إِلَى أمر عظيم: إني أريد أن أقوم بين يدي الله ﷿.
الرابع: استحضار اطلاع الله ﷿ عَلَى عبده في حال العمل له، وتحمل المشاق لأجله، فمن تيقَّن أن البلاء بعين من يحبه هان عليه الألم كما أشار تعالى إِلَى ذلك وله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].
وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. وقال: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك" (١).
وقال أبو سليمان الداراني: قرأت في بعض الكتب: يقول الله ﷿: "بعيني ما تحمَّل المتحمِّلون من أجلي، وكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، وتبحبحوا في رياض خلدي؟
فهنالك فليبشر المُصَفُّون لله أعمالهم بالمنظر العجيب من الحبيب

(*) فيقال: "نسخة".
(**) فيقول: "نسخة".
(...) في المطبوع: "يرضى".
(١) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٨) في سياق حديث جبريل الطويل.

4 / 19

القريب، أترون أني أضيع لهم عملًا؟
فكيف وأنا أجود عَلَى المولين عني، فكيف بالمقبلين إليّ؟ ".
فبإسباغ الوضوء في البرد -لاسيما في الليل- يطلع الله عليه، ويرضى به، ويباهي به الملائكة، فاستحضار ذلك يهون ألمه.
وفي "المسند" (١) وصحيح ابن حبان (٢) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إِلَى الطهور وعليه عُقَدٌ فيتوضأ، فَإِذَا وضّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضّأ وجهه انحلَّت عقدة، إذا مسح برأسه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلَّت عقدة، فيقول الرب ﷿ للذين وراء الحجاب: انظروا إِلَى عبدي هذا يعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له ... " وذكر بقية الحديث.
وروى عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ: "إن الله يضحك إِلَى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطُّهور فصلى ... " (٣) وذكر الحديث.
كان بعض السَّلف له ورد بالليل ففتر عنه، فهتف به هاتف يقول:
بعين الله في الليل لما يصنع خدّامه ... إذا قاموا وحثَّتهم عَلَى الخدمة أحكامه
الخامس: الاستغراق في محبة من أمر بهذه الطاعة، وأنه يرضى بها ويحبها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فمن امتلأ قلبه من محبة الله ﷿ أَحَبّ ما يحبه وإن شق عَلَى النفس وتألمت به، كما يقال: المحبة تهوَّن الأثقال.
وقال بعض السَّلف في مرضه: أحَبُّهُ إِلَيّ أحَبُّهُ إِلَيْهِ.

(١) (٤/ ١٥٩، ٢٠١) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٢٤) عن الثاني: رجاله ثقات.
(٢) برقم (١٦٨ - موارد).
(٣) أخرجها "البزار" (٧١٥ - كشف) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطية العوفي به، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥٦)، فيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام كثير لسوء حفظه لا لكذبه.

4 / 20

وكما قيل:
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وكما قيل أيضًا:
في حبكم يهون ما قد ألقى ... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى
من خدم من يحب تلذّذ بشقائه في خدمته.
وقال بعضهم: القلبُ المحبُّ لله يحب النصب له.
وقال عبد الصمد: أوجدهم في عذابه عُذوبة.
فإسباغ الوضوء عَلَى المكاره من علامات المحبِّين كما في "كتاب الزهد" للإمام أحمد (١) عن عطاء بن يسار قال: "قال موسى ﵇: يا رب! من أهلك الذين هم أهلك، الذين تظلهم في ظل عرشك؟.
قال: هم البريئة (أيديهم) (*)، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذكروا بي، وإذا ذُكروا ذكرت بذكرهم، الذين يُسبغون الوضوء في المكاره، ويُنيبون إِلَى ذكري كما تنيب النسور إِلَى أوكارها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حَرِبَ".
وقد يخرق الله العادة لبعض المحبِّين له فلا يجد ألم برد الماء، كما كان بعض السَّلف قد دعا الله أن يهوِّن عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخار، وربما سُلِب بعضهم الإحساس في الحرِّ والبرد مطلقًا.
وكان علي بن أبي طالب ﵁ قد دعا له النبي ﷺ أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فكان يلبس في الصيف لباس الشتاء، وفي الشتاء لباس

(١) (ص ٧٤ - ٧٥) وبين عطاء بن يسار وموسى ﵇ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي.
(*) أبدانهم: "نسخة".

4 / 21

الصيف (١).
وقال النبي ﷺ فيه: "إنه يحب الله رسوله، ويحبه الله ورسوله" (٢).
ورأى أبو سليمان الداراني في طريق الحج في شدة برد الشتاء شيخًا عليه أخلاقٌ رثَّة وهو يرشح عرقًا، فسأله عن حاله، فقال: إِنَّمَا الحر والبرد خلقان لله ﷿، فإن أمرهما أن يغشياني أصاباني، لأن أمرهما أن يتركاني تركاني.
وقال: أنا في هذه البرية منذ ثلاثين سنة يلبسني في البرد فيحًا من محبته، ويُلبسني في الصيف بردًا من محبته.
وقيل لآخر -وعليه خرقتان في برد شديد: لو استترت في موضع يكنك من البرد!. فأنشد:
ويحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحدٌ في كنِّه يجد البردا
...

(١) أخرجه ابن ماجه (١١٧) قال البوصيري في الزوائد (١/ ٧٠): هذا إسناد ضعيف، ابن أبي ليلى شيخ وكيع هو محمد، وهو ضعيف الحفظ لا يحتج بما ينفرد به وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٨٦) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٢٢): إسناده حسن.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦).

4 / 22

السبب الثاني من مكفّرات الذنوب: المشيُ عَلَى الأقدام إِلَى الجماعات وإلى الجُمُعات
ولا سيما إن توضأ الرجل في بيته ثم خرج إِلَى المسجد لا يريد بخروجه إلا الصلاة فيه كما في الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسة وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ".
وفي صحيح (٢) مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ (*) إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً».
وفي الصحيحين (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كل خطوة يمشيها إِلَى الصلاة صدقة".
وفي "المسند" (٤) وصحيح ابن حبان (٥) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال:

(١) أخرجه البخاري (٦٤٧)، ومسلم (٦٤٩).
(٢) برقم (٦٦٦).
(*) خطواته: "نسخة".
(٣) ليس في الصحيحين بهذا اللفظ عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد (٢/ ٣١٢، ٣١٦، ٣٥٠).
(٤) (٤/ ١٥٧).
(٥) برقم (٢٠٤٥ - إحسان).

4 / 23