Imlāʾ mā minnahu al-Raḥmān
إملاء ما من به الرحمن
قوله تعالى (ومن يرغب) من استفهام بمعنى الإنكار، ولذلك جاءت إلا بعدها لأن المنكر منفى، وهى في موضع رفع بالابتداء، ويرغب الخبر، وفيه ضمير يعود على من (إلا من) " من " في موضع نصب على الاستثناء، ويجوز أن يكون رفعا بدلا من الضمير في يرغب، ومن نكرة موصوفة أو بمعنى الذى، و(نفسه) مفعول سفه، لأن معناه جهل، تقديره: إلا من جهل خلق نفسه أو مصيرها، وقيل التقدير: سفه بالتشديد، وقيل التقدير في نفسه.
وقال الفراء: هو تمييز، وهو ضعيف لكونه معرفة (في الآخرة) متعلق بالصالحين: أي وإنه من الصالحين في الآخرة، والألف واللام على هذا للتعريف لا بمعنى الذى، لأنك لو جعلتها بمعنى الذى لقدمت الصلة على الموصول، وقيل هي بمعنى الذى، وفى متعلق بفعل محذوف يبينه الصالحين، تقديره: إنه لصالح في الآخرة، وهذا يسمى التبيين، ونظيره: ربيته حتى إذا تمعددا * كان جزائي بالعصا أن أجلدا تقديره: كان جزائي الجلد بالعصا، وهذا كثير في القرآن والشعر.
قوله تعالى (إذ قال له) إذ ظرف لاصطفيناه، ويجوز أن يكون بدلا من قوله في الدنيا، ويجوز أن يكون التقدير: اذكر إذ قال (لرب العالمين) مقتضى هذا اللفظ أن يقول: أسلمت لك، لتقدم ذكر الرب، إلا أنه أوقع المظهر موقع المضمر تعظيما، لأن فيه ما ليس في اللفظ الأول، لأن اللفظ الأول يتضمن أنه ربه، وفى اللفظ الثاني اعترافه بأنه رب الجميع.
قوله تعالى (ووصى بها) يقرأ بالتشديد من غير ألف، وأوصى بالألف وهما بمعنى واحد، والضمير في بها يعود إلى الملة (ويعقوب) معطوف على إبراهيم، ومفعوله محذوف تقديره: وأوصى يعقوب بنيه، لأن يعقوب أوصى بنيه أيضا، كما أوصى إبراهيم بنيه، ودليل ذلك قوله " إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى "
والتقدير: قال يا بنى، فيجوز أن يكون إبراهيم قال يا بنى، ويجوز أن يكون يعقوب، والألف في (اصطفى) بدل من ياء بدل من واو، وأصله من الصفوة، والواو إذا وقعت رابعا فصاعدا قلبت ياء، ولهذا تمال الألف في مثل ذلك (فلا تموتن) النهى في اللفظ عن الموت، وهو في المعنى على غير ذلك: والتقدير: لا تفارقوا الإسلام حتى تموتوا (وأنتم مسلمون) في موضع الحال، والعامل الفعل قبل إلا.
Page 64