156

Al-ḥaḍāra al-islāmiyya ususuha wa-wasāʾiluha wa-ṣuwar min taṭbīqāt al-muslimīn laha wa-lamaḥāt min taʾthīriha fī sāʾir al-umam

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

Publisher

دار القلم

Edition

الأولى المستكملة لعناصر خطة الكتاب ١٤١٨هـ

Publication Year

١٩٩٨م

Publisher Location

دمشق

Regions
Syria
الغيوب التي أخبر بها، فمن أنكر شيئًا من ذلك فقد أنكر كمال صفات الله، ومن فعل ذلك لم يكن بالله عارفًا، ولم يكن به مؤمنًا.
وقد أبان القرآن كفر اليهود إذ آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، قال تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول" مخاطبًا اليهود:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
ولما كانت العبادة مظهرًا من مظاهر الإيمان لم يقبل الله المساومة فيها، وذلك حينما عرض كفار قريش على النبي ﷺ أن يعبدوا إلهه، على أن يعبد آلهتهم، ويتذبذب معهم بين الإيمان والكفر، وإذ كانت هذه المساومة مرفوضة شكلًا وموضوعًا أنزل الله على رسوله قوله في سورة "الكافرون: ١٠٩ مصحف/ ١٨ نزول":
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ .
ولا يعني اشتراط التزام المثالية في جانب الإيمان وكل ما يتصل به أن هذه المثالية متماثلة بين الأفراد، ولا تقبل التفاوت، فالحقيقة أن هذه المثالية مرتبة عظمى ذات درجات بعضها أرقى من بعض، ولكن أدنى هذه الدرجات لا تخرج عن دائرة المثالية.
ومن أجل هذه قررت النصوص الإسلامية أن الإيمان يزيد وينقص، وسأعالج هذه النقطة بمزيد من الشرح إن شاء الله.
ثانيًا: المثالية في النيات
وتتجلى هذه المثالية كما سبق بابتغاء مرضاة الله في فعل الأعمال الحسنة،

1 / 180