Kashf al-khafāʾ wa-muzīl al-albās ʿammā ishtahara min al-aḥādīth ʿalā alsinat al-nās
كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس
Editor
عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي
Publisher
المكتبة العصرية
Edition
الأولى
Publication Year
1420 AH
المجلد الأول
مقدمة المحقق:
الحمد لله الذي أنزل الكتاب على رسوله ﷺ، وجعل سنته ﷺ مبينة له، فقال عز من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وأمرنا سبحانه باتباع سنته ﷺ وامتثال أمره ونهيه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢.
وأخبر أنه ﷺ باقٍ فينا بسنته وهديه ما لهج المسلمون بحديثه فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ٣.
وأخبر سبحانه أن الهداية في طاعته فقال حاثًّا على طاعة أمره واتباع سنته: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٤.
وبين سبحانه أنه اتباع سنته ﷺ هي السبيل الأوحد لمحبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ ثم أمر سبحانه بطاعة رسوله ﷺ مع طاعته تعالى، وبين أن من تولى عن طاعته وطاعة رسوله فهو من الكافرين فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٦.
وجعل سبحانه طاعة رسوله ﷺ طاعة مستقلة بنفسها، ولم يجعل لأحد من أولي الأمر طاعة مستقلة، بل جعل طاعتهم تبعًا لطاعة الرسول ﷺ، فإن أمروا بأمره وسنته أطيعوا، وإلا فلا طاعة لهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
١ النحل: ٤٤.
٢ الحشر: ٧.
٣ الحجرات: ٧.
٤ النور: ٥٤.
٥ آل عمران: ٣١.
٦ آل عمران: ٣٢.
1 / 3
مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
فانظر كيف كرر الأمر بالطاعة في حق الرسول ﷺ ولم يكرره مع أولي الأمر، ثم انظر كيف جعل مرد النزاع إلى الله ورسوله ﷺ على السواء؛ وذلك لأنه لا تعارض بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إذ كانت مبينة لكتاب الله تعالى، ومفصلة له.
ولم لا، وقد أوتي ﷺ القرآن ومثليه معه من السنة الشريفة كما صح عنه ﷺ، وقد تكاثرت الآيات والأحاديث في وجوب اتباع حديث النبي ﷺ والعمل به ما دام قد اتصل إسناده إلينا بنقل العدول الضابطين من المسلمين عن النبي الأمين ﷺ.
ولكني أحببت أن أصدر هذا الكتاب الخادم لسنة النبي ﷺ، الذاب عنها ما انتحله المنتحلون، وكذب فيه الكاذبون والوضاعون -أحببت أن أصدره بتلك الآيات الآمرة باتباع حديث النبي ﷺ ولزوم سنته؛ نظرًا لتواكب زمن تحقيقي لهذا الكتاب مع اطلاعي على بعض ما يوجهه المغرضون من أعداء هذا الدين من طعون وسهام إلى سنة النبي ﷺ وصد عنها.
ولا غرابة في أن يصدر هذا من أعداء الإسلام الذين لا ينتسبون إليه، ولكن ما فَتَّ في كبدي هو صدور تلك السهام وذلك الصد من أناس ينتسبون في الظاهر إلى هذا الدين، ويتمسحون في كتابه وينتسبون إليه فيزعمون أنهم قرآنيون، لا يتبعون غير كتاب الله تعالى، مستغنين به عن سنة رسوله ﷺ؛ لأنهم قد استعصى عليهم تمييز صحيحها من سقيمها بزعمهم.
ولعمر الله، إنهم لكذابون أفاكون!
فما هم بقرآنيين ولا يعرفون القرآن ولا يقرءونه، ولو قرءوه وعرفوه وطالعوا تلك الآيات التي صدرت بها هذه المقدمة، لعرفوا أن القرآن يأمرهم بوجوب اتباع حديث النبي ﷺ ولزوم سنته، وأنهم لا يفقهون القرآن ولا يعرفون تفصيل مجمله، ولا بيان مشكله، ولا إيضاح خفيه إلا من السنة المطهرة التي حفظها الله تعالى بجهود هؤلاء الأئمة الذين بذلوا حياتهم للذب عن سنة النبي ﷺ ونفي الدخيل عنها، وبيان ما يصح نسبته إليه ﷺ مما كذبه عليه الكذابون الأفاكون.
١ النساء: ٥٩.
1 / 4
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو واحد من هذه الكتب التي تصدت لهذه المهمة العظيمة، وهي الذب عن سنة النبي ﷺ وتطهيرها من الدخيل عليها.
وقد بذل فيه مؤلفه جهدًا عظيمًا في بيان حال ما اشتهر على ألسنة الناس مما ينسب إلى النبي ﷺ، فكثير من هذه الأحاديث قد لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ لكونه من وضع الوضاعين أو كذب الكذابين، ولكن الله تعالى يقيض لهؤلاء الكذابين من يكشف باطلهم وينبه عليه، حتى تظل سنة النبي ﷺ محفوظة مطهرة بغير تبديل ولا تحريف؛ وذلك لأنه بضياع سنة النبي ﷺ يضيع فهم القرآن، فكان من تمام حفظ الله تعالى لكتابه أن حفظ سنة نبيه ﷺ التي جعلها الله تعالى مبينة لكتابه، ومفصلة له، وصدق الله تعالى حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢ فسنة رسول الله ﷺ هي المبينة لكتاب الله تعالى، وإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه، فمن تمام حفظه حفظ سنته التي هي مبينة لكتابه.
وقد كان هذا الحفظ بتسخير هؤلاء الأئمة الأعلام الذين عنوا بحفظ حديث النبي ﷺ وجمع طرقه ورواياته ومعرفة أسانيده وحفظها وتلقيه ممن سمعوه عن الثقات عن النبي ﷺ.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا سِفْرٌ جامع، جمع بين طرفيه قرابة ثلاثة آلاف ومائتي حديث، بَيَّن فيه مؤلفه ما يصح منها إلى النبي ﷺ وما لا يصح نسبته إليه، وقد جمع تلك الأحاديث من الكتب التي سبقته في هذا الباب، وقد اعتمد بالأخص على أوثق ما كُتب في هذا الباب وهو كتاب "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للحافظ السخاوي.
وقد ذكر ذلك المصنف في مقدمته، وذكر مصادره الأخرى التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه.
١ سورة الحجر: الآية: ٩.
٢ سورة النحل: الآية: ٤٤.
1 / 5
عملنا في تحقيق الكتاب:
١- تم ضبط متن الكتاب على عدد من النسخ المطبوعة مع مراجعة نسخة دار الكتب المصرية فيما أشكل، وقد اهتدينا بفضل الله تعالى إلى تصحيح كثير من الأخطاء الفاحشة -لا سيما في حديث النبى- وقد وقع في تلك الأخطاء جميع طبعات الكتاب المتداولة؛ وذلك لكون هذه الطبعات ناقلة عن بعضها البعض بغير تصحيح ولا تنقيح.
٢- تم بيان درجة أغلب أحاديث الكتاب من صحيح الجامع وضعيفه وغيرهما من كتب فضيلة الشيخ الألباني حفظه الله، وقد اكتفينا بذكر رقم الحديث في الصحيح أو الضعيف على سبيل الاختصار دون ذكر اسم المصدر؛ وذلك لتنبيهنا عليه في أول الكتاب فأهملنا ذكره بعد تجنبًا للتكرار والإطالة؛ وما كان في غير صحيح الجامع وضعيفه بيناه، وما ظهر من كلام المصنف صحته بأن رواه الشيخان مثلًا، أو نص على ضعفه تركنا الكلام عليه اختصارًا.
٣- تم تخريج الآيات القرآنية التي اشتمل عليها الكتاب.
٤- قمت بالتعليق على بعض ما وقع فيه المصنف من المزالق، سواء ما يتعلق بالعقيدة أو الحديث أو غير ذلك.
٥- أثبتُّ فهرسًا للكتاب في آخره على حروف المعجم بفصول الكتاب هذا، والله أسأل أن يجزل لنا المثوبة على هذا العمل، وأن يجعله ذخرًا لنا يوم لقائه، وأن يجزل المثوبة كذلك لكل من ساعد في إخراجه، لا سيما الأخ الفاضل محمد بن عبد الوهاب، ولله المرجع والمآب.
وكتب
عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي
المدرس بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة
الجيزة في الرابع عشر من المحرم ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩/ ٤/ ٣٠م.
1 / 6
حياة المصنف مختصرة من سلك الدرر للمرادي:
هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني الشهير بالجراحي "نسبة إلى أبي عبيدة بن الجراح أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة ﵃" الشافعي، العجلوني المولد، الدمشقي المنشأ والوفاة، الشيخ العالم الهمام الحجة الرحلة العمدة الوَرِع العلامة. كان عالما بارعا صالحا مفيدا محدثا مبجلا قدوة سندا خاشعا، له يد في العلوم لا سيما الحديث والعربية وغير ذلك مما يطول شرحه ولا يسع في هذه السطور وصفه، له القدم الراسخ في العلوم واليد الطولى في دقائق المنطوق والمفهوم.
ولد بعجلون في سنة سبع وثمانين بعد الألف تقريبًا، وسماه والده أولًا باسم محمد مدة من الزمان لا تزيد على سنة، ثم غير اسمه إلى مصطفى نحو ستة أشهر، ثم غير اسمه بإسماعيل واستقر الأمر بهذا الاسم.
ثم لما بلغ سن التمييز شرع في قراءة القرآن العظيم حتى حفظه عن ظهر قلبه في مدة يسيرة، ثم قدم إلى دمشق وعمره نحو ثلاث عشرة سنة تقريبًا لطلب العلم، وذلك في منتصف شوال سنة ألف ومائة، واشتغل على جماعة أجلاء بالفقه والحديث والتفسير والعربية وغير ذلك إلى أن تميز عن أقرانه بالطلب.
ومن أسباب توجهه لطلب العلم أنه لما كان في بلاده وكان صغيرًا يقرأ في المكتب رأى في عالم الرؤيا أن رجلًا ألبسه جوخة خضراء مركبة على فرو أبيض في غاية الجودة والبياض، وقد غمرته لكونها سابغة على يديه ورجليه. فأخبر والده بالمنام فحصل له بذلك السرور التام، وقال له: إن شاء الله يجعل لك يا ولدي من العلم الحظ الوافر، ودعا له بذلك.
قلت: ومشايخه كثيرون والكتب التي قرأها لا تعد لكثرتها، ما بين كلام وتفسير وحديث وفقه وأصول وقراءات وفرائض وحساب وعربية بأنواعها ومنطق، وغير ذلك.
وقد ألف ثبتًا سماه حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمل الرجال.
وترجم مشايخه به؛ فمن مشايخه الشيخ أبو المواهب مفتي الحنابلة بدمشق، والشيخ محمد الكاملي الدمشقي، والشيخ إلياس الكردي نزيل دمشق، والأستاذ الشيخ
1 / 7
عبد الغني النابلسي الدمشقي، والشيخ يونس المصري نزيل دمشق، والشيخ عبد الرحمن المجلد الدمشقي، ومفتيها الشيخ إسماعيل الحائك، والشيخ نور الدين الدسوقي الدمشقي، والشيخ عثمان القطان الدمشقي، والشيخ عثمان الشمعة الدمشقي، والشيخ عبد القادر التغلبي الحنبلي، والشيخ عبد الجليل أبو المواهب المذكور، والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق، ومن غير الدمشقيين الشيخ محمد الخليلي المقدسي، والشيخ محمد شمس الدين الحنفي الرملي، وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم المكي البصري، والشيخ تاج الدين القلعي مفتي مكة، والشيخ محمد الشهير بعقيلة المكي، والشيخ محمد الوليدي، والشيخ محمد الضرير الإسكندراني المكي، والشيخ يونس الدمرداشي المصري ثم المكي، والشيخ أبو طاهر الكوراني المدني، والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني، والشيخ ابن عبد الرسول البرزنجي الحسيني المدني، والشيخ أحمد النجلي المكي، والشيخ سليمان بن أحمد الرومي واعظ أيا صوفية.
وارتحل إلى الروم في سنة تسع عشرة ومائة وألف، فلما كان بها أنحل تدريس قبة النسر بالجامع الأموي عن شيخه الشيخ يونس المصري بموته فأخذه صاحب الترجمة وجاء به إلى دمشق، وكان والي دمشق إذ ذاك الوزير يوسف باشا القبطان عارضًا به إلى شيخه الشيخ محمد الكاملي وألزم القاضي بعرض على موجب عرضه وأنه يعطي ما صرفه شيخه الشيخ أحمد الغزي مفتي الشافعية بدمشق للقاضي، وكان مراد الغزي أولًا التدريس، فحين وصول العروض إلى دار الخلافة قسطنطينية للدولة العلية ما وجهوا التدريس لشيخه الكاملي ووجهوه للمترجم واستقام بهذا التدريس إلى أن مات.
ومدة إقامته من ابتداء سنة عشرين إلى أن مات إحدى وأربعون سنة، وهو على طريقة واحدة مبجلًا بين العال والدون، ودرس بالجامع الأموي وفي مسجد بني السفرجلاني ولزمه جماعة كثيرون لا يحصون عددًا.
وألف المؤلفات الباهرة المفيدة منها:
١- كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس.
٢- الفوائد الدراري بترجمة الإمام البخاري.
٣- إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين.
٤- تحفة أهل الإيمان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان.
1 / 8
٥- نصيحة الإخوان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان.
٦- عرف الزرنب١ بترجمة سيدي مدرك والسيدة زينب.
٧- الفوائد المحررة بشرح مسوغات الابتداء بالنكرة.
٨- الأجوبة المحققة عن الأسئلة المفرقة.
٩- الكواكب المنيرة المجتمعة في تراجم الأئمة المجتهدين الأربعة.
١٠- أربعون حديثًا كل حديث من كتاب.
١١- عقد الجوهر الثمين بشرح الحديث المسلسل بالدمشقيين.
وهذه الكتب كاملة وأقلها نحو الكراستين وأكثرها نحو العشرين، ومنها التي لم تكمل وهي كثيرة أيضًا؛ منها أسنى الوسائل بشرح الشمائل، ومنها استرشاد المسترشدين لفهم الفتح المبين على شرح الأربعين النووية لابن حجر المكي، ومنها عقد اللآلي بشرح منفرجة الغزالي، ومنها إسعاف الطالبين بتفسير كتاب الله المبين، ومنها فتح المولى الجليل على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، ومنها وهو أجلها شرحه على البخاري المسمى بالفيض الجاري بشرح صحيح البخاري، وقد كتب من مسوداته مائتين واثنتين وتسعين كراسة وصل فيها إلى قول البخاري باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم من المغازي، ولو كمل هذا الشرح لكان من نتائج الدهر.
وكان صاحب الترجمة حليما، سليم الصدر، سالما من الغش والمقت، صابرا على الفاقة والفقر، ملازما للعبادات والتهجد، والاشتغال بالدروس العامة والخاصة، كافًّا لسانه عما لا يعنيه مع وجاهة نيرة، ولم يزل مستقيمًا على حالته الحسنة المرغوبة إلى أن مات.
قرأ عليه الوالد مدة ولازمه وأخذ عنه وأجازه، ولما حج الوالد في سنة سبع وخمسين ومائة وألف كان هو أيضًا حاجًّا في تلك السنة فأُقرئ كتاب صحيح البخاري في الروضة المطهرة وأعاد له الدرس الوالد، وقد أجاز الوالد نثرًا ونظمًا فالنظم قوله:
١ الزرنب: طيب أو شجر طيب الرائحة، كما في القاموس.
1 / 9
أجزت نجل العارف المرادي ... أعني عليًّا فاز بالمراد
وهو الشريف اللوذعي الكامل ... الأريب والمفضال ذو الأيادي
أجزته بكل ما أخذته ... عن الشيوخ الفضل الأطواد
أجزته بكل ما صنفته ... كالفيض والكشف مع الإرشاد
أجزته بكل ما في ثبتنا ... الجامع النوعين بالسداد
أجزته إجازة بشرطها ... عند أولي التحديث والنقاد
أجزته في الروضة الفيحاء ... بطيبة المختار طه الهادي
صلى عليه ربنا وسلما ... وآله وصحبه الأمجاد
ما غردت قمرية فأطربت ... وأمطرت سحب وسال واد
وكان ينظم الشعر، وشعره شعر علماء؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم به كما قال ابن بسام: إن شعر العلماء ليس فيه بارقة تسام، وجعل الشهاب أن أحسن بعض أشعارهم من قبيل دعوة البخيل أو حملة الجبان. وقال الأمين في نفحته: قلت: علة ذلك أنهم يشغلون أفكارهم بمعنى يعنى، والشعر وإن سموه ترويح الخاطر لكنه مما لا يثمر فائدة ولا يغني "هذه تسلية العلماء، وحديث: "إن من الشعر حكمة" محفوظ عند الجميع" وشتان بين من تعاطاه في الشهر مرة، وبين من أنفق في تعاطيه عمره.
وقد ترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه: خاتمة أئمة الحديث ومن ألقت إليه مقاليدها بالقديم والحديث اقتدح زناده فيه فأضاء وشاع حتى ملأ الفضاء آخذًا بطرفي العلم والعمل متسنمًا ذروة عن غيره بعيدة الأمل، يقطع آناء الليل تضرعًا وعبادة، ويوسع أطراف النهار قراءة وإفادة، لا يشغله عن ترداده النظر في دفاتره مرام، ولا عن نشر طيبها نقض ولا إبرام.
ولصاحب الترجمة أشعار غير التي ذكرناها، وبالجملة فهو أحد الشيوخ الذين لهم القدم العالية في العلوم والرسوخ.
وكانت وفاته بدمشق في محرم الحرام، افتتاح سنة اثنتين وستين ومائة وألف، ودفن بتربة الشيخ أرسلان -رحمه الله تعالى١.
١ في الأصل: "رضى الله عنه" والأولى قصر الترضية على أصحاب النبي ﷺ.
1 / 10
مقدمة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي حفظ السنة المصطفوية بأهل الحديث، والصلاة والسلام على نبينا محمد المرسل بأصدق الكلام والحديث، وعلى آله وأصحابه الذين أعزوا دينه الصحيح بسيرهم في نصرته السير الحثيث، وعلى التابعين لهم بإحسان وسائر المؤمنين في القديم والحديث.
أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى مولاه الفتاح، إسماعيل العجلوني بن محمد جَرَّاح: إن الأحاديث المشتهرة على الألسنة قد كثرت فيها التصانيف، وقلما يخلو تصنيف منها عن فائدة لا توجد في غيره من التآليف، فأردت أن ألخص مما وقفت عليه منها مجموعًا تقر به أعين المنصفين؛ ليكون مرجعًا لي ولمن يرغب في تحصيل المهمات من المستفيدين، ولما أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مما يلحق المؤمن من حسناته بعد موته علمًا نشره" ١ وهو شامل للتصنيف والتعليم، وهو في التصنيف أظهر؛ لأنه أطول استمرارًا وأكثر انتشارًا.
وأنص -إن شاء الله تعالى- في هذا المجموع على بيان الحديث من غيره، وتمييز المقبول منه السالم من ضَيْرِه٢، إذ من النصيحة في الدين كما قال الحافظ ابن حجر في خطبة كتابه "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة" التنبيه على ما يشتهر بين الناس مما ألفه الطبع، وليس له أصل في الشرع، قال: وقد صنف الإمام تاج الدين الفزاري كتابًا في فقه العوام، وإنكار أمور اشتهرت بين الأنام لا أصل لها أجاد فيها الانتقاد، وصان الشريعة أن يدخل فيها ما يخل بالاعتقاد، قال: وقد رأيت ما هو أهم من ذلك، وهو تبيين الأحاديث المشتهرة على ألسنة العوام وكثير من الفقهاء الذين لا معرفة لهم
١ حسن: أخرجه ابن ماجه "٢٤٢"، وابن خزيمة "٢٤٩٠"، وانظر صحيح ابن ماجه "ح١٩٨" وتمامه: "وولدًا صالِحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته".
٢ الضير: المضرة، والمقصود تمييز الحديث السالم الصحيح من الضعيف الذى يضر به.
1 / 11
بالحديث، وهي إما أن يكون لها أصل يتعذر الوقوف عليه لغرابة موضعه، أو لذكره في غير مظنته، وربما نفاه بعضهم لعدم اطلاعه عليه، والنافي له كمن نفى أصلًا من الدين، وضل عن طريقه المبين، وإما لا أصل لها البتة، فالناقل لها يدخل تحت ما رواه البخاري في ثلاثياته من قوله ﷺ: "من نقل عني ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار" ١ انتهى.
ثم نقل فيها بسنده إلى أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "هلاك أمتي في ثلاث: في القدرية، والعصبية، والرواية من غير تثبت"٢ لكنه منكر.
وبسنده أيضا إلى ابن المبارك أنه قيل له في هذه الأحاديث الموضوعة فقال: يعيش لها الجهابذة.
وبسنده إلى الإمام أحمد أنه قال: "إن للناس في أرباضهم٣ وعلى باب دورهم أحاديث يتحدثون بها عن النبي ﷺ لم نسمع نحن بشيء منها".
ولذلك وجبت العناية بما وصل العلم إليه ووقع الاطلاع عليه، قال الربيع بن خيثم: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكر.
وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب، وينفر منه قلبه في الغالب، وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: "إن لله تعالى عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا من أوليائه يذب عن دينه"٤ انتهى.
وإن من أعظم ما صنف في هذا الغرض وأجمع ما ميز فيه السالم من العلة والمرض، الكتاب المسمى بالمقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، المنسوب للإمام الحافظ الشهير أبي الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، لكنه مشتمل على طول بسوق الأسانيد التي ليس لها كبير فائدة إلا للعالم الحاوي. ومن
١ أخرجه البخارى في "العلم"، ٢٤٣/ ١، "ح١٠٩"، ولفظه: "من يقل علي...." ولعل المذكور هنا تصحيف عن لفظه في الصحيح.
٢ أورده العلامه الشوكاني في "الفوائد المجموعة"، ٦٢٠/ ٢، وقال: "رواه العقيلي عن ابن عباس مرفوعًا وهو موضوع، والمتهم به ابن سمعان"، وانظر كلام الشيخ الألباني عليه في "ظلال الجنة في تخريج كتاب السنة" لابن أبي عاصم "ح٣٢٦".
٣ أرباض: جمع ربض، هو ما يكون حول الدار خارجًا عنها، وفي الحديث: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة"، وهو بفتح الباء: ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن والقلاع. النهاية ١٨٥/ ٢.
٤ موضوع: وانظر الضعيف الجامع "ح١٩٤٩"، وراجع الكلام عليه في "الضعيفة"، "ح٨٦٩".
1 / 12
ثم لخصته في هذا الكتاب مقتصرا على مخرج الحديث وصحابيه رومًا للاختصار، غير مخل إن شاء الله تعالى بما اشتمل عليه مما يستطاب أو يستحسن عند أئمة الحديث الأخيار، وضامًّا إليه مما في كتب الأئمة المعتبرين كاللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة لأمير الحفاظ والمحدثين من المتأخرين الشهاب أحمد بن حجر العسقلاني، بلغنا الله وإياه في الدارين الأماني. واعلم أني حيث أقول: قال في اللآلئ أو ذكر فيها فالمراد به كتاب الحافظ العسقلاني المذكور، وحيث أقول: قال في الأصل أو في المقاصد فمرادي به المقاصد الحسنة المذكورة، وحيث أقول: قال في التمييز فمرادي الكتاب المسمى بتمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث للحافظ عبد الرحمن بن الديبع تلميذ الإمام السخاوي، فإنه اختصر المقاصد الحسنة لشيخه المذكور، لكنه أخل بأشياء مما فيه مسطور،
وحيث أقول: قال في الدرر فالمراد الكتاب المسمى بالدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للحافظ جلال الدين السيوطي، وهي نسختان صغرى وكبرى، وحيث أقول: رواه أبو نعيم فمرادي في الحلية، وحيث أقول: رواه الشيخان أو اتفقا عليه أو متفق عليه فالمراد أنه في الصحيحين لشيخي الحديث البخاري ومسلم، وإن كان في أحدهما قلت: رواه البخاري أو مسلم، وحيث أقول: رواه أحمد فالمراد الإمام أحمد في مسنده، وحيث أقول: رواه البيهقي فالمراد في الشعب، وحيث أقول: رواه الأربعة فالمراد أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه في سننهم، وحيث أقول: رواه الستة فالمراد هؤلاء الأربعة والشيخان في الكتب الستة، وكذا إذا أفردت واحدًا منهم فالمراد في كتابه أحد السنن الستة، وحيث أقول: قاله النجم فالمراد شيخ مشايخنا العلامة محمد نجم الدين الغزي في كتابه المسمى إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن، وحيث أقول: قال القاري فالمراد به الملا علي القاري في كتابه الموضوعات المسماة بالأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة وهي صغرى وكبرى، وقد نقلت منهما، وحيث أقول: قاله الصغاني فالمراد به العلامة حسن بن محمد الصغاني مؤلف المشارق، وما لم يكن كذلك في جميع ما مر فأنص على الكتاب الذي رواه مؤلفه فيه، وربما تعرضت لحديث ليس من المشهورات لمناسبة أو غيرها من المقاصد الصحيحات.
هذا والحكم على الحديث بالوضع أو الصحة أو غيرهما، إنما هو بحسب الظاهر للمحدثين باعتبار الإسناد أو غيره، لا باعتبار نفس الأمر والقطع لجواز أن يكون
1 / 13
الصحيح مثلا -باعتبار نظر المحدث- موضوعا أو ضعيفا في نفس الأمر، وبالعكس ولو لما في الصحيحين على الصحيح، خلافًا لابن الصلاح كما أشار إلى ذلك الحافظ العراقي في ألفيته بقوله:
واقطع بصحة لما قد أسندا ... كذا له وقيل ظنا ولدي
محققيهم قد عزاه النووي ... وفي الصحيح بعض شيء قد روي
نعم المتواتر مطلقًا قطعي النسبة لرسول الله ﷺ اتفاقًا، ومع كون الحديث١ يحتمل ذلك فيعمل بمقتضى ما يثبت عند المحدثين ويترتب عليه الحكم الشرعي المستفاد منه للمستنبطين، وفي الفتوحات المكية٢ ما حاصله: فرب حديث يكون صحيحا من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف أنه غير صحيح لسؤاله لرسول الله ﷺ، فيعلم وضعه ويترك العمل به وإن عمل به أهل النقل لصحة طريقه، ورب حديث ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضاع في رواته يكون صحيحًا في نفس الأمر لسماع المكاشف له من الروح حين إلقائه على رسول الله ﷺ انتهى٣. واعلم أن الحافظ جلال الدين السيوطي قال في خطبة جامعه الكبير ما حاصله: كل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول؛ فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن، وكل ما كان في كتاب الضعفاء للعقيلي ولابن عدي في الكامل وللخطيب البغدادي ولابن عساكر في تاريخه وللحكيم الترمذي في نوادر الأصول وللحاكم في تاريخه ولابن النجار في تاريخه وللديلمي في مسند الفردوس
١ أي: مع احتمال أن يكون الصحيح عن المحدثين ضعيفًا في نفس الأمر.
٢ في متن الكتاب في هذا الموضع: "للشيخ الأكبر -قدس الله سره- الأنور" وقد حذفت ذلك من المتن؛ لإجماع محققي أهل السنة على تكفير ابن عربي صاحب الفتوحات هذا، وأثبتُّه في الهامش للأمانة العلمية.
٣ هذا كلام باطل مؤداه هدم الشريعة واتباع منامات الصوفية وخرافاتهم، والحق الذى عليه عامة أهل العلم من أهل السنة هو أنه إذا صح إسناد الحديث إلى النبي ﷺ بلا معارض له، ولا قادح فقد وجب العمل به، ولا يصح أن يكون المعارض للحديث أو القادح فيه منامًا أو غيره مما يسميه مخرفو الصوفية منامات، فالشريعة لا تثبت بتلك المنامات والرؤى الباطلة، ولا يلبسن عليك ملبس بحديث: "من رآنى في المنام فقد رآنى حقًّا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي" فالجواب عنه: أن الشيطان لا يتمثل بالنبي ﷺ في صورته وهيئته الحقيقية، فمن رأى النبي ﷺ في صورته وهيئته الحقيقية فقد رآه حقا لأن الشيطان لا يتمثل به في صورته الحقة، ولكن قد يتمثل الشيطان في صورة أخرى غير صورة النبي ﷺ ثم يلقي في نفس النائم أنه النبي ﷺ؛ ثم يكذب على أتباعه ما يشاء فيحل ما يشاء مما حرمه الله ورسوله ﷺ، ويحرم ما شاء مما أحل الله ورسوله، ويكذب الصحيح الثابت من سنة النبي ﷺ، ويصحح الضعيف المكذوب عليه ﷺ، فما أدرى هذا المخرف المتبع لضلالات إبليس أن الذي رآه في المنام هو النبى ﷺ؟؟!.
1 / 14
فهو ضعيف، فيستغنى عن بيان حاله بالعزو إليها أو إلى أحدها انتهى؛ لكنه مقيد بما لم يجبر بتعدد طرقه، وإلا فيصير حسنًا لغيره فيعمل به، ولعل ما ذكره أغلبي، وإلا فيبعد كل البعد أنه لا يكون في كتاب منها حديث حسن أو صحيح فتأمل.
وسميت ما جمعته من ذلك "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" ورتبته على حروف المعجم كأصله؛ ليكون أسهل في المراجعة لنقله، لكن لا أرمز بحروف إلى المخرجين كالنجم، بل أصرح بأسمائهم دفعًا للبس والوهم، جعله الله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم، وهذا أوان الشروع في المقصود، بعون الله الملك المعبود.
1 / 15
حرف الهمزة:
١- "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " ١.
رواه الشيخان عن عمر بن الخطاب، وكذا رواه غيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة، حتى مالك، لكن في غير الموطأ، وقول ابن دحية: إن مالكًا رواه في موطئه، وَهَّمَهُ في ذلك المحدثون، لكن قال الحافظ السيوطي في شرحه الصغير على الموطأ أنه موجود في الموطأ من رواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، قال: وبذلك يتبين صحة قول من عزا روايته إلى الموطأ ووهم من خطأه في ذلك، انتهى فاعرفه. ورواه البخاري في صحيحه عن عمر في سبعة مواضع بألفاظ مختلفة، بيناها وغيرها في الفيض الجاري بشرح صحيح البخاري منها: إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. وهذه الرواية ليست في الصحيحين، بل خرجها ابن الجارود في المنتقى من طريق يحيى بن سعيد، وقد روي حديث: إنما الأعمال بالنيات عن نحو سبعة عشر صحابيًّا، لكنه لم يصح إلا من طريق عمر ﵁، فهو فرد غريب باعتبار أول سنده، مشهور باعتبار آخره. قال الكرماني وغيره: قال الحافظ: لا تصح روايته عن النبي ﷺ إلا من جهة عمر، ولا عن عمر إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة إلا من جهة محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد إلا من جهة يحيى بن سعيد وعنه انتشر، إذ رواه عنه أكثر من مائتي مسند، فهو مشهور باعتبار آخره، غريب باعتبار أوله، لكنه مجمع على صحته، انتهى. وهو أحد الأحاديث الأربعة
١ صحيح متفق عليه. ننبه القارئ إلى أننا سوف نهمل التعليق فيما بعد على ما ذكر المصنف أنه مروي في الصحيحين أو أحدهما؛ وذلك لاستغناء المروي في الصحيح عن بيان حكمه.
1 / 17
التي عليها مدار الدين، وقد نظمها طاهر بن مفوز الإشبيلي -وقيل الإمام الشافعي- بقوله:
عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات، وازهد، ودع ما ... ليس يعنيك، واعملن بنية
وقد أشبعنا الكلام عليه في الفيض الجاري، فراجعه.
٢- آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك.
رواه أحمد ومسلم وعبد بن حميد عن أنس ﵁.
٣- آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر١.
رواه ابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس والخطيب٢ لكن بلفظ من الشهر، وقال السيوطي في الجامع الكبير: رواه وكيع في الغرر، وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس، وفيه مسلمة بن الصلت متروك، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، ورواه الطيوري من وجه آخر عن ابن عباس موقوفًا، انتهى؛ وقال ابن رجب: لا يصح، ورواه الطبراني بسند ضعفه بلفظ: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، وهو محمول على الحديث المقيد بآخر أربعاء جمعًا بينهما، وفي السيرة الحلبية ما حاصله تحمل الأحاديث الواردة بمدح يوم الأربعاء على غير آخر أربعاء في الشهر كالحديث الضعيف: خلق الله يوم الأربعاء الأنهار والأشجار، وأما الأحاديث الواردة بذمه فهي محمولة على آخر أربعاء في الشهر كالحديث المرفوع: يوم الأربعاء نحس مستمر، وفيه ولد فرعون، وفيه ادعى الإلهية، وفيه أهلكه الله تعالى، وكالحديث الآخر: يوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء، والحديث الذي روي بسند ضعيف: أمرنا رسول الله ﷺ باجتناب الحجامة يوم الأربعاء؛ فإنه اليوم الذي أصيب فيه أيوب ﵇ بالبلاء، وما يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء وليلة الأربعاء؛ وكذا ما جاء في حديث من النهي عن قص
١ موضوع: ضعيف الجامع رقم٣. وننبه القارئ إلى أننا سوف نكتفي بعد ذلك ببيان حكم الحديث وذكر رقمه دون بيان المصدر، حيث إن المصدر هو صحيح الجامع إن كان صحيحًا، وضعيف الجامع إن كان ضعيفًا.
٢ "والخطيب" مستدركة من بعض النسخ.
1 / 18
الأظفار في يوم الأربعاء وأنه يورث البرص، وما ذكر عن ابن الحاج المالكي أنه قص أظفاره يوم الأربعاء فلحقه برص فرأى النبي ﷺ في نومه فشكا له فقال: ألم تسمع نهيي عن ذلك؟! فقال: يا رسول الله، لم يصح عندي الحديث عنك، فقال: يكفيك أن تسمع، ثم مسح بيده الشريفة على بدنه، فزال البرص جميعًا، فليتأمل هذا الجمع، انتهى١. وذكر المناوي قصة ابن الحاج، وزاد أنه قال: فجددت مع الله تعالى توبة أن لا أخالف ما سمعت عن رسول الله ﷺ أبدًا.
تكميل: أخرج أبو يعلى عن ابن عباس، وكذا ابن عدي، وتمام في فوائده عن أبي سعيد مرفوعًا: يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر وطلب رزق، ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس، ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء، ويوم الخميس يوم طلب الحوائج والدخول على السلطان، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح. قال السخاوي: سنده ضعيف، وذكر برهان الإسلام عن صاحب الهداية أنه ما بدئ شيء يوم الأربعاء إلا وتم؛ فلذلك كان المشايخ يتحرون ابتداء الجلوس فيه للتدريس لأن العلم نور، فبدئ به يوم خلق النور، انتهى. ويمكن حمله على غير أربعاء آخر الشهر٢، وذكر السيوطي في الإسفار عن قلم الأظفار أنه اشتهر على الألسنة أبيات لا يُدرى قائلها، ولا هي صحيحة في نفسها، وهي:
في قص الأظفار يوم السبت آكلة ... تبدو، وفيما يليه يذهب البركه
وعالم فاضل يبدو بتلوهما ... وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكه
ويورث السوء في الأخلاق رابعها ... وفي الخميس الغنى يأتي لمن سلكه
والعلم والرزق زِيدا في عروبتها ... عن النبي روينا فاقتفوا نسكه
وقال المناوي نقلًا عن السهيلي: نحوسته على من تشاءم وتطير، بأن كانت عادته التطير وترك الاقتداء بالنبي ﷺ في تركه، وهذه صفة من قل توكله، فذلك الذي تضر نحوسته في تصرفه فيه، ثم قال المناوي: والحاصل أن توقي يوم الأربعاء على
١ بينت في تعليقي على مقدمة الكتاب أن هذا ونحوه من الأباطيل؛ لأن الشريعة لا تثبت بالمنامات ولا المكاشفات وغيرها من شطحات الصوفية ودعاواهم الباطلة، فراجع تعليقنا على المقدمة لزامًا.
٢ لا يصح شيء من الأحاديث في التفاؤل أو التشاؤم بيوم الأربعاء ولا غيره من الأيام، سواء كان أول الشهر أو آخره.
1 / 19
وجه الطيرة وظن اعتقاد المنجمين حرام شديد التحريم؛ إذ الأيام كلها لله تعالى لا تضر ولا تنفع بذاتها وبدون ذلك لا ضير ولا محذور، ومن تطير حاقت به نحوسته، ومن أيقن بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله لم يؤثر فيه شيء من ذلك، قال: تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور، وفي حديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا وخرجه الحاكم من طريقين: "لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء"١، وكره بعضهم العيادة يوم الأربعاء، وعليه قيل:
لم يؤت في الأربعاء مريض ... إلا دفناه في الخميس
ثم قال المناوي: وقفت على أبيات بخط الحافظ الدمياطي، وقال: إنها تعزى إلى علي بن أبي طالب ﵁-٢ وهي:
لنعم اليوم يوم السبت حقّا ... لصيد إن أردت بلا امتراء
وفي الأحد البناء فإن فيه ... تبدى الله في خلق السماء
وفي الاثنين إن سافرت فيه ... سترجع بالنجاح وبالثراء
وإن ترد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعاته هرق الدماء
وإن شرب امرؤ يومًا دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاء حاج ... فإن الله يأذن بالقضاء
وفي الجمعات تزويج وعرس ... ولذات الرجال مع النساء
وهذا العلم لا يدريه إلا ... نبي أو وصي الأنبياء
وسيأتي زيادة على ذلك في آخر الكتاب، في حديث: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر.
٤- "آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ، فاصنع ما شئت" ٣.
رواه ابن عساكر عن ابن مسعود البدري، وكذا رواه عنه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وكذا أحمد عن حذيفة، لكن بلفظ: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولي، إذا لم تستح فاصنع ما شئت. ورواه البخاري عن ابن مسعود البدري أيضًا بلفظ: هؤلاء، لكن بإسقاط لفظ الأولى فاعرفه، وما أحسن ما قيل:
١ لا يصح شيء من ذلك كما سبق بيانه.
٢ لا يصح ذلك عن علي ﵁.
٣ صحيح الجامع رقم "٢".
1 / 20
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح، فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا، إذا ذهب الحياء
٥- آخر ما تكلم به إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل١.
رواه الخطيب البغدادي بسند ضعيف عن أبي هريرة وقال الخطيب: غريب، والمحفوظ عن ابن عباس موقوفًا، وسيأتي في حرف الحاء المهملة: حسبي الله ونعم الوكيل مع الكلام عليه بأبسط.
٦- آخر من يدخل الجنة رجل يقال له: جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين٢.
رواه الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر ﵄، وفي رواية عن ابن عمر رفعه بلفظ: إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له: جهينة، الحديث. ورواه الدارقطني في غريب مالك بزيادة في آخره وهي: سلوه هل بقي من الخلائق أحد يعذب؟ فيقول: لا، وحكى السهيلي أنه جاء أن اسمه هناد.
٧- آخر الطب الكي٣.
قال في الأصل: هو من كلام بعض الناس، وليس بحديث، والمراد أنه بعد انقطاع طرق الشفاء يعالج بالكي؛ ولذا حمل العلماء قوله ﷺ: "وأنهى أمتي عن الكي" على ما إذا وجد طريق غيره مرجو للشفاء، وقال القاري في موضوعاته الكبرى: والمشهور كما قال العسقلاني في أمثلة العرب: آخر الداء الكي، والمعنى: آخر الشفاء من الداء الكي.
٨- أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا.
رواه العسكري في الأمثال عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا بهذا اللفظ، لكن في سنده من لم يعرف، ورواه الديلمي بلا سند عن ابن عباس رفعه بلفظ: "أعطيت جوامع
١ موضوع: رقم "٥".
٢ موضوع: رقم "٦".
٣ هو من كلام بعض الناس.
1 / 21
الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا" ورواه الشيخان لكن بلفظ: "بعثت بجوامع الكلم" وفي خبر أحمد: "أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه"، وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه مر برجل يقرأ كتابًا من التوراة، فذكر للنبي ﷺ فقال: "إنما بُعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واختصر لي الحديث اختصارًا". ولأبي يعلى عن خالد بن عرفط قال: كنت عند عمر فجاء رجل فذكره، وفيه فقال النبي ﷺ: "يا أيها الناس، أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصارًا"، وفي رواية ابن سيرين عن أبي هريرة: "أعطيت فواتح الكلم" وفي أخرى: "أعطيت مفاتيح الكلم"، وفي أخرى: "أعطيت جوامع الكلم"، وفي حديث أبي موسى: "أعطيت فواتح الكلم وخواتمه"، قلنا: يا رسول الله، علمنا مما علمك الله، فعلمنا التشهد، ورواه أيضًا في المختارة عن عمر بن الخطاب بلفظ آخر مع بيان سبب وروده، قال عمر: فانطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال رسول الله ﷺ: "ما هذا في يدك يا عمر؟ " قلت: يا رسول الله، كتاب نسخته لنزداد به علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار: أغضب نبيكم، السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بيمين رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: "يا أيها الناس، إني أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي الكلام اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون "، قال عمر: فقمت، فقلت: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبك رسولًا، ثم نزل رسول الله ﷺ انتهى. والمتهوكون: جمع متهوك بتشديد الواو مكسورة وبالكاف، قال في القاموس: المتهوك المتحير كالهواك كشداد، والساقط في هوة الردى.
٩- ائتدموا بالزيت، وادهنوا به؛ فإنه يخرج من شجرة مباركة١.
رواه الترمذي في العلل، وقال: مرسل، وابن ماجه والحاكم وقال على شرطهما، والبيهقي والدارقطني في الأفراد، وأبو يعلى وعبد بن حميد عن ابن عمر، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بلفظ: ائتدموا من هذه الشجرة -يعني: الزيت- ومن عرض عليه طيب فليصب منه، وقد رمز السيوطي في جامعه لضعفه.
١ حسن: رقم "١٨".
1 / 22
١٠- ائتدموا ولو بالماء١.
رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم والخطيب وتمام عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال ابن الجوزي: لا يصح، فيه مجهول، وآخر ضعيف، وقال البيهقي٢: فيه عريك بن سنان لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
١١- "آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة " ٣.
رواه أحمد وأبو يعلى عن ابن عباس مرفوعًا من حديث، صدره: إنه لم يكن نبي إلا له دعوة قد تنجزها في الدنيا، وإني قد اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائي ولا فخر، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري بلفظ: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ، آدم فمن دونه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، قال أبو العباس المرسي قدس سره: معنى قوله ﷺ: أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي: ولا أفتخر بالسيادة، وإنما فخري بالعبودية قال:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
ونقل عن الشيخ الأكبر قدس سره الأنور٤ أنه روى الحديث بلفظ: ولا فخز، بالزاي بدل الراء، أي: ولا تكبر.
١٢- الآدمي كالنخلة، إذا قطع رأسه مات.
انظر هل هو حديث أم لا٥؟ وذكره في شرح الأزهرية مثالًا للكاف الجارة، ولم يتعرض له الحلبي في شرحه، وهو من القلب٦ على حد قوله: كما طينت بالفدن السياعا.
١ ضعيف: رقم "٢٤".
٢ في نسخة: "الهيثمي" بدل "البيهقي".
٣ صحيح، انظر صحيح الجامع "ح١٤٦٨".
٤ نبهنا فيما سبق على إجماع محققي أهل السنة على كفر ابن عربي، الذى يدعوه الصوفية بالشيخ الأكبر.
٥ كذا في النسخ، ولعل مراده أنه لا يزال في بحثه هل هو حديث أم لا؟.
٦ أي: النخلة كالآدمي، والفدن: القصر المشيد، والسياع: الطين بالتبن اهـ القاموس أي: كما طينت بالسياع الفدن اهـ.
1 / 23