150

Durūs lil-Shaykh Abī Isḥāq al-Ḥuwaynī

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

سجود المشركين بعد قراءة النبي ﷺ لسورة النجم
بقي سؤال أخير -وهو سؤال ضروري-: إذًا لماذا سجد المشركون؟ وسجود المشركين ثابت في صحيح البخاري، من حديث ابن مسعود: (أن النبي ﷺ لما قرأ سورة النجم، فبلغ آخرها ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢] سجد المشركون والمسلمون إلا رجلًا واحدًا أخذ بعض تراب ووضعه على جبهته) هو أمية بن خلف كما ورد في بعض الروايات، وهناك خلاف في تعيين اسم الذي لم يسجد، أنه أخذ بعض تراب ووضعه على جبهته.
لماذا سجدوا إذًا؟ سجد المشركون لأن في آخر السورة ذكر الله ﵎ إهلاك عاد وثمود وقوم لوط ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى *
الجواب
=٦٠٠٤٨٣٧> فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٠ - ٥٤]، هذه آيات أرعبت المشركين، وظنوا أنهم لصدق النبي ﷺ إن لم يسجدوا سيحيق بهم ما حاق بهؤلاء الأقوام، وظنوا أنهم لو سجدوا -حتى ولو عن غير إيمان بهذه الدعوة- أنهم ينجون من العذاب، وقد كانوا يعلمون أن النبي ﷺ صادق، وأن الإنذار الذي يأتي به لا محالة واقع.
وهذا شبيه بما رواه البيهقي في دلائل النبوة بسند حسن عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن أبا جهل قال: من يأتي محمدًا ﷺ ويكون عالمًا بالسحر والكهانة، فيسمع الذي يقول؟ قالوا: إنك لن تجد أفضل من عتبة بن ربيعة -وكان رجلًا عالمًا بالسحر والكهانة- فذهب إلى النبي ﷺ، فتلا عليه النبي ﵊ (حم فصلت)، حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]، وضع عتبة بن ربيعة يده على فم النبي ﷺ، وقال: أمسك لا تكمل؛ لأنه يعلم -وقد صرح كما سيأتي الآن- أنه صادق ﷺ إذا جاء بالإنذار، قال: أمسك، أي: لا تكمل القراءة، وقعد في بيت النبي ﵊ وما استطاع الخروج، ففشا في قريش أنه صبأ وكفر، وأعجبه طعام محمد ﷺ.
فبعد أيام خرج، قالوا له: أعجبك طعام محمد؟ قال: يا قوم! إنكم لتعلمون أني من أغنى قريش، فما كنت لأقعد لطعام محمد، إنما خفت، فإنه لما قرأ (فَإِنْ أَعْرَضُوا) أي: عن هذا البيان وعن هذا القرآن (فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) قال: فأمسكت على فمه وقلت: اذكر بخير، وإنكم يا قوم لتعلمون أنه إن أنذركم بعذاب إنه لصادق.
فكأن المشركين لما قرع أسماعهم هذه الآيات في إهلاك الأقوام السابقين ظنوا أنهم سيحيق بهم هذا العذاب إن لم يسجدوا ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢]، فظنوا -إن سجدوا ولو عن غير إيمان بهذا الذي سمعوا- أن هذا ينجيهم من العذاب، فهذا هو وجه سجود هؤلاء المشركين مع النبي ﷺ.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

15 / 7