159

Durūs lil-Shaykh Abī Isḥāq al-Ḥuwaynī

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

الاشتغال بالمفضول من الأعمال عن الفاضل
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
إذا سبقت للعبد من الله الحسنى فلم يشتغل بمثل هذا المباح عن الذكر، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جره إلى الجنس السادس والأخير وهو: الاشتغال بالمفضول عن الفاضل، وأكثر الناس يقع في هذا، ولا يتفطن إليه إلا العلماء.
الأعمال الصالحات درجات، مثلًا: إذا تخيلنا رجلًا تاجرًا وعنده عشرة أصناف من ألوان التجارة؛ صنف بألف جنية والربح فيه خمسون جنيهًا، وصنف آخر الربح فيه ثلاثون، وآخر عشرون أو عشرة، فبالله عليكم هل هناك عاقل يترك الصنف الذي يكسب فيه خمسين ويأخذ الذي يكسب فيه عشرة؟ كثر سؤال الصحابة للنبي ﷺ هذا
السؤال
يا رسول الله! ما أحب الأعمال إلى الله؟ وكله خير، فلماذا لم يتوجهوا من تلقاء أنفسهم لأي خير؟ لأنهم يعلمون أن العمر قصير، والاشتغال بالخير الدون لا يكون لائقًا بالعقلاء، لذلك كان من أعظم الخير تعلم العلم وبثه لله ﷿؛ لأن تعلم العلم توصيل لرسالة الله الذي وقف صناديد أهل الأرض ضدها، أعداء الرسل هم أصحاب الشوكة والمال، وأصحاب الشوكة هم الذين يستطيعون إيصال الضر، وقد قضى الله ﷿ في قدره أن يكون أتباع الرسل من المستضعفين.
إذًا: لحوق الضرر بهؤلاء المستضعفين إذا كانت الشوكة في يد الصناديد أمر متوقع محقق، فمن الذي يبحث عن المتاعب لنفسه، ومن الذي يعرض نفسه لمثل هذا الضيق والإرهاق، لاشك أنه إذا صبر واحتسب وعلم فإن الأجر على قدر المشقة، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فأشار إلى أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لابد أن يلحقه الأذى، فأمره أن يصبر على ما يصيبه.
فهذا أقرب شيء في الدنيا، ولذلك قال النبي ﷺ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وقال ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين: -أي أنه إذا جاز أن يحسد أحدٌ أحدًا فلا حسد إلا في خصلتين- رجل آتاه الله القرآن -أو (آتاه الله العلم) أو (آتاه الله الحكمة) ثلاث روايات- فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق).
وهذا الرجل الثاني صاحب المال مفتقر افتقارًا أكيدًا إلى الرجل الأول، فإن المال وحده ليس ممدوحًا، فلا يمدح المال إلا إذا سلطته على ما يهلكه في الحق، ولا يعرف الحق إلا عالم أو من يسأل العالم.
إذًا: هذا الرجل الثاني ليس ممدوحًا؛ حتى يلتصق بواحد من أهل العلم فيسأله عن وجوه إنفاق المال، وما يحل له من ذلك وما يحرم؛ فحينئذٍ يكون من المحسودين؛ لأنه سلطه على هلكته في الحق، أما الجاهل الذي لا يعرف الحق من الباطل؟ فلا يتصور في رجل أن يهلك ماله في الحق إلا إذا كان عالمًا أو ملتصقًا بعالم.
فأنت عندما تريد أن تفعل الخير ابحث عن أعلى الخير وأفضله، قالوا: (يا رسول الله! ما أحب الأعمال إلى الله؟) يعني: نريد أعلى الأعمال وأتمها، وهذا أيضًا في العلم كما قال الراجح: العلم إن طلبته كثير والعمر عن تحصيله قصير فقدم الأهم منه فالمهم وكلما اشتغلت بفضول العلم ضاع عليك لب العلم، قليل من الناس من ينتبه إلى هذه المرتبة، قالوا: (يا رسول الله! ما أحب الأعمال إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قالوا: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قالوا: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).
فمن أحب الأعمال: (الصلاة على وقتها)، وفي رواية: (الصلاة لأول وقتها) (على) حرف جر يفيد الاستعلاء والتمكن، تقول: ارتقيت على الدابة يعني: تمكنت من ظهرها، فكأن الرجل يأتي إلى الصلاة في أوائل الناس مستمكنًا من أول الوقت، لا تفوته تكبيرة الإحرام، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.
فالشيطان يشغل العبد بالثواب الأقل؛ لأنه إذا لم يستطع أن يوقعه في الشر المحض فعلى الأقل أن يقلل خيره، ومن تقليل الخير أن يرشده إلى الأقل في باب الخيرات.
فهذه يا عباد الله! ستة أجناس من الشر، كل عمل للشيطان مهما كان كثيرًا ومهما كان دقيقًا لا يخرج عن واحدٍ من هذه الأجناس، وسنفصل هذه الأجناس كلها؛ لأن معرفة عداوة الشيطان من أفضل ما يحصله الإنسان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فقدم الكفر على الإيمان، إذ لا إيمان إلا بعد كفر.
ومثل الذي يؤمن بالله ﷿ ويعبد طاغوتًا كمثل رجل معه ماء رقراق ومعه إناء في أسفله طين، فإذا صب الماء الرقراق على الطين تعكر الماء كله، فإذا أردت أن يظل الماء رقراقًا نظف الإناء ثم صب الماء، كذلك التوحيد لابد أن يتطهر المرء من رجس الطواغيت، ولا يعبد شيئًا من دون الله ﷿، فإذا وُجد التوحيد نفعه أقل العمل.
أخلص دينك لله يكفيك العمل القليل.
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويدًا وتجي في الأول نسأل الله ﵎ أن يقبضنا وإياكم على التوحيد الخالص، وأن يحسن خاتمتنا وإياكم أجمعين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكاها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

16 / 9