Durūs lil-Shaykh Abī Isḥāq al-Ḥuwaynī
دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Regions
Egypt
التشكيك في حكم الرجم والرد عليه
وهناك غيره أيضًا، أحدهم تكلم مرة عن حد الرجم ونشر غسيله القذر في جريدة الأخبار، يقول: إن الرجم باطل في دين الله ﵎، يقصد رجم الزاني المحصن في دين الله ﷿، ودلل على ذلك بحديث رواه الشيخان في صحيحيهما عن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتل أحدكم فليحسن القتلة، وإذا ذبح فليحسن الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، فمن تمام الإحسان المكتوب على كل شيء أن الله ﷿ أمرك إذا ذبحت حيوانًا أو طائرًا أن تحد شفرتك، يعني لا تأتِ بسكينة غير حادة فتعذبه؛ لأن تعذيب المذبوح ليس من الإحسان، بل هو من الإساءة، فيقول: إذا كان الإسلام يحض على الإحسان في ذبح الحيوان الأعجم الأبكم أفيسمح بقتل مسلم عصى الله بزنا بالرجم، بأن تظل تضربه بالحجارة في رأسه حتى يموت؟!! فالزاني المحصن المتزوج إذا زنى بعد زواجه أو المرأة التي زنت بعد زواجها حكمهم الشرعي أن يحفر لهم حفرة في الأرض إلى السرة ويردم عليه، ثم يأتي كل مسلم بحجر ويرميه به في رأسه حتى يموت، هذا هو الحكم الشرعي، فهذا يقول: هل هناك دين في الدنيا يكرم الحيوان بأن يقول لك: حد الشفرة واذبح، وفي نفس الوقت يقول لك: عذب المسلم الموحد الذي زنا وعصى الله ﷿؟ لماذا لا تذبحه بسكين حادة وتعامله معاملة الحيوان الأعجم؟ وهذا الكلام ينطلي على الناس، لكن ما هو وجه القبح فيه طالما أنه زخرفه هكذا من الخارج؟ وجه القبح فيه: أن الشيء إذا فعل لا لحكمة كان قبيحًا، فتخيل مثلًا: أن رجلًا جاء وبنى قصرًا منيفًا بملايين الجنيهات، وبعدما بنى القصر قال للناس كلهم: ما رأيكم في هذا القصر الجميل؟ فقالوا له: ما شاء الله، لا نعرف قصرًا مثله إلا في الجنة، فأحاطه بحزام ناسف وفجره، فهذا فعله قبيح لأنه خلا من الحكمة.
فنسأل ما هي الحكمة في تعذيب الحيوان؟ هذا حيوان ستذبحه لتأكله فليس هناك حكمة في أن تأتي بسكينة غير حادة لأن الذبح بالسكين غير الحاد إساءة، لكنّ رجم المسلم الموحد الذي عصى الله ﷿ بجريمة الزنا بعد إحصانه فيه حكمة، فربنا ﷾ ذكر العقوبة الأخف وهي الجلد، فالشاب الذي لم يتزوج وزنا يجلد مائة جلدة، فقال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، مع أن الله تعالى أمر بالستر، وذم العاصي الذي يعصي الله خلف جداره ثم يخرج يقول: يا فلان ويا علان أنا فعلت كذا وكذا بالأمس فقال النبي ﷺ في حقه: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل وقد ستره الله ثم يصبح فيكشف ستر الله عليه)، وهناك أحاديث في الستر على المسلم كحديث (من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة)، والأصل أن نستر على أصحاب القبائح، وندعوهم إلى الله ﷿ ولكن مع هذا لم يأمر الله ﷾ هنا بالستر، ولكن أمر بالتشهير قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لأنه إذا رأى هذا الشخص يرجم بالحجارة يتفكر في حاله إذا كان مكانه، أنه سيفضح ويعذب، فتحصل بهذا العبرة.
وضُعف العذاب على الزاني المحصن والزانية المحصنة، بينما خفف على البكر رغم أن كله زنا؛ لأن مصيبة المحصن والمحصنة كبيرة؛ لأنه من الممكن أن يزني بها وتلد ولا يعرف زوجها أن هذا ليس بابنه، لكن البنت إذا كانت بكرًا وكلنا كان يعرف أنها بكر وفجأة انتثر بطنها ستسأل من أين هذا؟ وبالتالي يكتشف الزنا، فلما استطعنا كشف الزنا وكانت المسألة واضحة كانت العقوبة على الدون، لكن إذا كانت امرأة متزوجة وعندها أولاد وزني بها وحملت قيل: إنه من زوجها! فيربي الشخص هذا الولد وهو أجنبي، لذلك ضُعِّفت العقوبة، لأن العقوبات على حسب آثار المعاصي، فكلما كانت المعصية أثرها أكبر كانت العقوبة أشد، وهكذا.
فعندما يكتب هذا الكلام، وحد الرجم مجمع عليه بين علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة، فقد أجمعوا جميعًا على ثبوت الرجم.
وقالوا: إنه كان في كتاب الله ﷿ ثم نُسخ نسخَ تلاوة ورفعت الآية برمتها من كتاب الله ﷿ وبقي الحكم.
فأحد أنواع النسخ الذي يذكره علماء الأصول: هو نسخ التلاوة، وهو أن يرفع لفظ الآية كلها، وفي صحيح البخاري أنه كان هناك آية تقرأ في كتاب الله ﷿، قرأها عمر بن الخطاب، وقال: كنا نقرأ فيما نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) والبخاري روى هذا الحديث في كتاب الحدود من صحيحه، باب رجم الزاني المحصن، والآية الأخرى موجودة في مستدرك الحاكم (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة نكالًا من الله والله عزيز حكيم) كانت آية في كتاب الله ونسخت، فكان قرآنًا، ثم رفع القرآن وصار حكمًا لازمًا بالإجماع.
فعندما يأتي شخص وينفي هذا الحكم الثابت بالإجماع بمثل هذه الترهات، نحتاج إلى جيش من الدعاة يبين للناس حقيقة الأمر.
20 / 3