Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم . وبه نستعين .
الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستهديه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، | ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله | إلا الله وحده ، لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بين يدي الساعة بشيرا | ونذيرا - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
وبعد ، فهذا كتاب جمعته من أقوال العلماء في علوم القرآن وسميته : ' اللباب في | علوم الكتاب ' ، ومن الله أسأل العون ، وبلوغ الأمل ، والعصمة من الخطأ والزلل .
الاستعاذة : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
هذا ليس من القرآن إجماعا ، وإنما تعرضت له ؛ لأنه واجب في أول القراءة ، أو | مندوب ، وقيل : واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم وحده .
وأصح كيفيات اللفظ هذا اللفظ المشهور ؛ لموافقته قوله تعالى : ^ ( فاستعذ بالله من | الشيطان الرجيم ) ^ [ النحل : 98 ] . ورووا فيه حديثين :
Page 79
قال الشافعي - رضي الله عنه - : واجب أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، | | وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - قالوا : لأن هذا النظم موافق للآية المتقدمة ، | وموافق لظاهر الخبر .
وقال أحمد - رضي الله تعالى عنه - : الأولى أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان | الرجيم ، إنه هو السميع العليم ؛ جمعا بين الآيتين .
وقال بعض الشافعية : الأولى أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان | الرجيم ؛ لأن هذا - أيضا - جمع بين الآيتين .
Page 80
وروى البيهقي في كتاب ' السنن ' بإسناده ، عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول | الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من النوم كبر ثلاثا ، وقال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم . | | وقال الثوري ، والأوزاعي : الأولى أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن | الله هو السميع العليم .
وروى الضحاك عن ابن عباس : أن أول ما نزل جبريل - عليه السلام - على محمد - | عليه الصلاة والسلام - قال : قل يا محمد : استعذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم | قال : قل : ^ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ^ ^ ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ^ [ العلق : 1 ] .
ونقل عن بعضهم ، أنه كان يقول : أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد . |
فصل
اتفق الأكثرون على أن وقت الاستعاذة قبل قراءة الفاتحة .
Page 81
وعن النخعي : أنه بعدها ، وهو قول داود الأصفهاني ، وإحدى | | الروايتين عن ابن سيرين .
وقالوا : إذا [ قرأ ] الفاتحة وأمن ، يستعيذ بالله .
دليل الجمهور : ما روى جبير بن مطعم - رضي الله عنه - : أن النبي _ صلى الله عليه وسلم | وشرف وكرم وبجل وعظم وفخم - حين افتتح الصلاة قال : ' الله أكبر كبيرا ، | ثلاث مرات ، والحمد لله كثيرا ، ثلاث مرات ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، ثلاث مرات ، | ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ' .
واحتج المخالف بقوله تعالى : ^ ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) ^ | [ النحل : 98 ] دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط ، وذكر الاستعاذة جزاء ، والجزاء | متأخر عن الشرط ؛ فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن القراءة .
Page 82
ثم قالوا : وهذا موافق لما في العقل ؛ لأن من قرأ القرآن ، فقد استوجب الثواب | العظيم ، فربما يداخله العجب ؛ فيسقط ذلك الثواب ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : | ' ثلاث مهلكات ' وذكر منها إعجاب المرء بنفسه ؛ فلهذا السبب أمره الله - تعالى - [ بأن | | يستعيذ من الشيطان ؛ لئلا يحمله الشيطان بعد القراءة ] على عمل محبط ثواب تلك الطاعة .
قالوا : ولا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى : ^ ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) ^ أي : إذا | أردت قراءة القرآن ؛ كما في قوله تعالى : ^ ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) ^ [ المائدة : 6 ] .
Page 83
والمعنى : إذا أردتم القيام فتوضئوا ؛ لأنه لم يقل : فإذا صليتم فاغسلوا ؛ فيكون نظير | قوله : ^ ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ ) ^ وإن سلمان كون هذه الآية نظير تلك ، فنقول : نعم ، إذا | قام يغسل عقيب قيامه إلى الصلاة ؛ لأن الأمر إنما ورد بالغسل عقيب قيامه ، وأيضا : | فالإجماع دل على ترك هذا الظاهر ، وإذا ترك الظاهر في موضع لدليل ، لا يوجب تركه | في سائر المواضع لغير دليل . | | أما جمهور الفقهاء - رحمهم الله تعالى - فقالوا : إن قوله تعالى : ^ ( فإذا قرأت القرآن | | فاستعذ ) ^ يحتمل أن يكون المراد منه : إذا أردت ، وإذا ثبت الاحتمال ، وجب حمل اللفظ | عليه توفيقا بين الآية وبين الخبر الذي رويناه ، ومما يقوي ذلك من المناسبات العقلية ، أن | المقصود من الاستعاذة نفي وساوس الشيطان عند القراءة ؛ قال تعالى : ^ ( وما أرسلنا من | قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ^ [ الحج : 52 ] فأمره الله | - تعالى - بتقديم الاستعاذة قبل القراءة ؛ لهذا السبب .
Page 85
قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : ' وأقول : ها هنا قول ثالث : وهو [ أن ] | | يقرأ الاستعاذة قبل القراءة ؛ بمقتضى الخبر ، وبعدها ؛ بمقتضى القرآن ؛ جمعا بين الدلائل | بقدر الإمكان ' .
قال عطاء - رحمه الله تعالى - : الاستعاذة واجبة لكل قراءة ، سواء كانت في الصلاة | أو غيرها .
وقال ابن سيرين - رحمه الله تعالى - : إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره ، فقد كفى | في إسقاط الوجوب ، وقال الباقون : إنها غير واجبة .
حجة الجمهور : أن النبي - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - | لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة .
ولقائل أن يقول : إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة ، فلم | يلزم من عدم الاستعاذة فيه ، عدم وجوبها .
واحتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه :
الأول : أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب عليه ؛ فيكون واجبا - لقوله تعالى : | ^ ( واتبعوه ) ^ [ الأعراف : 158 ] .
الثاني : أن قوله تعالى : ^ ( فاستعذ ) ^ أمر ؛ وهو للوجوب ، ثم إنه يجب القول بوجوبه | عند كل [ قراءة ] ، لأنه تعالى قال : ^ ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) ^ | [ النحل : 98 ] وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل ، والحكم يتكرر | بتكرر العلة .
الثالث : أنه - تعالى - أمر بالاستعاذة ؛ لدفع شر الشيطان ؛ وهو اجب ، وما لا يتم | الواجب إلا به ، فهو واجب . | |
Page 86
فصل في حكم التعوذ قبل القراءة
التعوذ في الصلاة مستحب قبل القراءة عند الأكثرين .
Page 87
وقال مالك - رضي الله تعالى عنه - لا يتعوذ في المكتوبة ، ويتعوذ في قيام شهر | | رمضان للآية والخبر ، وكلاهما يفيد الوجوب ، فإن لم يثبت الوجوب ، فلا أقل من | الندب . |
فصل في الجهر والإسرار بالتعوذ
روي أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لما قرأ أسر بالتعويذ .
وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - : أنه جهر به ؛ ذكره الشافعي - رحمه الله | تعالى - في ' الأم ' ثم قال : فإن جهر به جاز ، [ وإن أسر به جاز ] . |
فصل في موضع الاستعاذة من الصلاة
قال ابن الخطيب : ' أقول : إن الاستعاذة إنما تقرأ بعد الاستفتاح ، وقبل الفاتحة ، | فإن ألحقناها بما قبلها ، لزم الإسرار ، وإن ألحقناها بالفاتحة ، لزم الجهر ، إلا أن المشابهة | بينها ، وبين الاستفتاح أتم ؛ لكون كل منهما نافلة ' . | |
Page 88
فصل في بيان هل التعوذ في كل ركعة ؟
قال بعض العلماء - رحمهم الله - : إنه يتعوذ في كل ركعة .
وقال بعضهم : لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى .
حجته : أن الأصل هو العدم ، وما لأجله أمرنا بالاستعاذة ؛ هو قوله تعالى : ^ ( فإذا قرأت | القرآن فاستعذ بالله ) ^ [ النحل : 98 ] وكلمة ' إذا ' لا تفيد العموم .
ولقائل أن يقول : إن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على العلة ؛ فيتكرر | الحكم بتكرر العلة . |
فصل في بيان سبب الاستعاذة
التعوذ في الصلاة ، لأجل القراءة ، أم لأجل الصلاة ؟
عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله تعالى عنهما - أنه للقراءة [ وعند أبي يوسف : | | أنه للصلاة ] ويتفرع على هذا الأصل فرعان :
Page 89
الأول : أن المؤتم هل يتعوذ خلف الإمام ؟
عندهما : لا يتعوذ ؛ لأنه لا يقرأ وعنده يتعوذ ؛ وجه قولهما قوله تعالى : ^ ( فإذا قرأت | القرآن فاستعذ ) ^ [ النحل : 98 ] علق الاستعاذة على القراءة ، ولا قراءة على المقتدي .
وجه قول أبي يوسف - رحمه الله - التعوذ لو كان للقراءة ؛ لكان يتكرر بتكرر | القراءة ، ولما لم لكن كذلك ، بل يتكرر بتكرر الصلاة ؛ دل على أنها للصلاة .
الفرع الثاني : إذا افتتح صلاة العيد فقال : سبحانك اللهم ، هل يقول : أعوذ بالله ، ثم | يكبر ، أم لا ؟
عندهما أنه يكبر التكبيرات ، ثم يتعوذ عند القراءة .
وعند أبي يوسف - رحمه الله - يقدم التعوذ على التكبيرات . |
فصل
السنة أن يقرأ القرآن مرتلا ؛ لقوله تبارك وتعالى : ^ ( ورتل القرآن ترتيلا ) ^ [ المزمل : 4 ] .
والترتيل : هو أن يذكر الحروف مبينة ظاهرة ، والفائدة فيه أنا إذا وقعت القراءة على | هذا الوجه ؛ فهم من نفسه معاني تلك الألفاظ ، وأفهم غيره تلك المعاني ، وإذا قرأها سردا ، | لم يفهم ولم يفهم ، فكان الترتيل أولى .
Page 90
روى أبو داود - رحمه الله تعالى - بإسناده عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - | قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' يقال للقارئ : اقرأ وارق ، ورتل ، كما كنت ترتل في الدنيا ؛ | [ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ' ] . | | قال أبو سلمان الخطابي - رحمه الله - : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد | درج الجنة ؛ يقال للقارئ : اقرأ وارق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن ، فمن | استوفى ، فقرأ جميع آي القرآن استولى على أقصى الجنة . |
فصل في استحباب تحسين القراءة جهرا
إذا قرأ القرآن جهرا ، فالسنة أن يحسن في القراءة ؛ روى أبو داود ، عن | البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' زينوا القرآن | بأصواتكم ' . |
فصل في صحة الصلاة مع النطق بالضاد والظاء
قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : ' المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء عندنا لا | يبطل الصلاة ؛ ويدل عليه أن المشابهة حاصلة بينهما جدا ، والتمييز عسر ، فوجب أن يسقط | التكليف بالفرق .
Page 91
بيان المشابهة أنهما من الحروف المجهورة ، وأيضا من الحروف الرخوة ، وأيضا من | الحروف المطبقة ، وأيضا : أن النطق بحرف الضاد مخصوص بالعرب ؛ قال - عليه الصلاة | | والسلام - : ' أنا أفصح من نطق بالضاد ' فثبت بما ذكر أن المشابهة بينهما شديدة ، | والتمييز عسر .
وأيضا : لم يقع السؤال عنه في زمن النبي - عليه الصلاة والسلام - وأزمنة الصحابة ، | لا سيما عند دخول العجم في الإسلام ، فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذا ألبتة ، علمنا أن | التمييز بين هذين الحرفين ، ليس في محل التكليف . |
فصل في عدم جواز الصلاة بالوجوه الشاذة
اتفق على أنه لا تجوز القراءة [ في الصلاة ] بالوجوه الشاذة : لأن الدليل ينفي جواز | القراءة مطلقا ، لأنها لو كانت من القرآن ، لوجب بلوغها إلى حد التواتر ، ولما لم يكن | كذلك ، علمنا أنها ليست من القرآن ، عدلنا عن هذا الدليل في جواز القراءة بها خارج | الصلاة ، فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع . |
فصل في قولهم : ' القراءات المشهورة منقولة بالتواتر '
Page 92
اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالتواتر ، وفيه إشكال ؛ وذلك لأنا | | نقول : هذه القراءة إما أن تكون منقولة بالتواتر ، أو لا . | | فإن كان الأول ، فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله - تعالى - قد خير المكلفين بين | هذه القراءة ، وسوى بينهما في الجواز .
وإذا كان كذلك ، كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم المتواترة ؛ | فواجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض ، مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير ، | لكنا نرى أن كل واحد يختص بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليها ، ويمنعهم من | غيرها ، فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه .
وإن قلنا : هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر ؛ بل بطريق الآحاد ، فحينئذ يخرج القرآن عن | كونه مفيدا للجزم ، والقطع اليقين ؛ وذلك باطل بالإجماع ؛ ولقائل أن يجيب عنه ؛ فيقول : | بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأمة فيه ، وتجويز القراءة بكل واحد منها ؛ وبعضها من باب | الآحاد ، لا يقتضي كون القراءة بكليته خارجا عن كونه قطعيا ، والله أعلم ؛ ذكره ابن | الخطيب . |
فصل في اشتقاق الاستعاذة وإعرابها
العوذ له معنيان : أحدهما : الالتجاء والاستجارة .
والثاني : الالتصاق ؛ ويقال : ' أطيب [ اللحم ] عوذه ' هو : ما التصق بالعظم .
فعلى الأول : أعوذ بالله ، أي : ألتجئ إلى رحمه الله ، ومنه العوذة : وهي ما يعاذ به | من الشر .
وقيل للرقية ، والتميمة - وهي ما يعلق على الصبي : عوذة ، وعوذة [ بفتح العين | وضمها ] ، وكل أنثى وضعت فهي عائذ إلى سبعة أيام .
ويقال : عاذ يعوذا عوذا ، وعياذا ، ومعاذا ، فهو عائذ ومعوذ ومنه قول الشاعر : | [ البسيط ] |
Page 94
1 - ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا
وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني
| قيل : عائذ - هنا - أصله اسم فاعل ؛ ولكنه وقع موقع المصدر ؛ كأنه قال : ' وعياذا | بك ' وسيأتي تحقيق هذا القول إن شاء الله تعالى .
و ' أعوذ ' فعل مضارع ، وأصله : ' أعوذ ' بضم الواو ؛ مثل : ' أقتل ، وأخرج أنا ' وإنما | نقلوا حركة الواو إلى الساكن قبلها ؛ لأن الضمة ثقيلة ، وهكذا كل مضارع من ' فعل ' عينه | واو ؛ نحو : ' أقوم ، ويقوم ، وأجول ، ويجول ' وفاعله ضمير المتكلم .
وهذا الفاعل لا يجوز بروزه ؛ بل هو من المواضع السبعة التي يجب فيها استتار | الضمير على خلاف في السابع ولا بد من ذكرها ؛ لعموم فائدتها ، وكثرة دورها :
الأول : المضارع المسند للمتكلم وحده ؛ نحو : ' أفعل ' .
الثاني : المضارع المسند للمتكلم مع غيره ، أو المعظم نفسه ؛ نحو : ' نفعل نحن ' .
الثالث : المضارع المسند للمخاطب ؛ نحو : ' تفعل أنت ' ، ويوحد المخاطب بقيد | الإفراد ، والتذكير ؛ لأنه متى كان مثنى ، أو مجموعا ، أو مؤنثا - وجب بروزه ؛ نحو : | ' تقومان - يقومون - تقومين ' .
الرابع : فعل الأمر المسند للمخاطب ؛ نحو : ' افعل أنت ' ويوحد المخاطب أيضا | - بقيد الإفراد ، والتذكير ؛ لأنه متى كان مثنى ، أو مجموعا ، أو مؤنثا - وجب بروزه ؛ نحو : | ' افعلا - افعلوا - افعلي ' .
الخامس : اسم فعل الأمر مطلقا ، سواء كان المأمور مفردا ، أو مثنى ، أو مجموعا ، أو | مؤنثا ؛ نحو : ' صه يا زيد - يا زيدان - يا زيدون - يا هند - يا هندان - يا هندات ' .
بخلاف فعل الأمر ؛ فإنه يبرز فيه ضمير غير المفرد المذكر ، كما تقدم .
السادس : اسم الفعل المضارع ؛ نحو : ' أوه ' أي : أتوجع ، و ' أف ' أي : أتضجر ، | و ' وي ' أي : أعجب .
وهذه الستة لا يبرز فيها الضمير ؛ بلا خلاف .
وتحرزت بقول : ' اسم فعل الأمر ، واسم الفعل المضارع ' عن اسم الفعل الماضي ؛ | فإنه لا يجب فيه الاستتار كما سيأتي .
السابع : المصدر الواقع موقع الفعل بدلا من لفظه ؛ نحو : ' ضربا زيدا ' ؛ وقول | الشاعر : [ الطويل ] |
2 - يمرون بالدهنا خفافا عيابهم
ويرجعن من دارين بجر الحقائب
3 - على حين ألهى الناس جل أمورهم
فندلا زريق المال ندل الثعالب
| وقوله تعالى : ^ ( فضرب الرقاب ) ^ [ محمد : 4 ] .
Page 95
هذا إذا جعلنا في ' ضربا ' ضميرا مستترا ؛ وأما من يقول من النحويين : إنه لا يتحمل | ضميرا ألبتة ؛ فلا يكون من المسألة في شيء .
والضابط فيما يجب استتاره ، وإن عرف من تعداد الصور المتقدمة - ' أن كل ضمير لا | يحل محله ظاهر ، ولا ضمير متصل ، فهو واجب الاستتار كالمواضع المتقدمة ، وما جاز أن | يحل محله ظاهر ، فهو جائز الاستتار ؛ نحو : ' زيد قام ' في ' قام ' ضمير جائز الاستتار ، | ويحل محله الظاهر ؛ نحو : ' زيد قام أبوه ' أو الضمير المنفصل ، نحو : ' زيد ما قام إلا هو ' | فإن وجد من لسانهم في أحد المواضع المتقدمة ، الواجب فيها الاستتار ضمير منفصل ، | فليعتقد كونه توكيدا للضمير المستتر ؛ كقوله تعالى : ^ ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) ^ [ البقرة : | 35 ] ف ' أنت ' مؤكد لفاعل ' اسكن ' .
و ' بالله ' جار ومجرور ، وكذلك : ' من الشيطان ' وهما متعلقان ب ' أعوذ ' .
ومعنى الباء : الاستعانة ، و ' من ' : للتعليل ، أي : أعوذ مستعينا بالله من أجل | الشيطان ، ويجوز أن تكون ' من ' لابتداء الغاية ، ولها معان أخر ستأتي إن شاء الله تعالى .
وأما الكلام على الجلالة ، فيأتي في البسملة إن شاء الله تعالى .
والشيطان : المتمرد من الجن ، وقيل : الشياطين أقوى من الجن ، والمردة أقوى من | الشياطين ، والعفريت أقوى من المردة ، والعفاريت أقواها .
Page 96
وقال أبو عبيدة - رحمه الله - : الشيطان : اسم لكل عارم من الجن ، والإنس ، | والحيوانات ؛ [ لبعده ] من الرشاد قال تبارك وتعالى : ^ ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين | الإنس والجن ) ^ [ الأنعام : 112 ] ، فجعل من الإنس شياطين . | | وركب عمر - رضي الله تعالى عنه - برذونا ، فطفق يتبختر ؛ فجعل يضربه ، فلا | يزداد إلا تخبترا ؛ فنزل عنه ، وقال : ' ما حملتموني إلا على شيطان ' .
وقد يطلق على كل قوة ذميمة في الإنسان ؛ قال - عليه الصلاة والسلام - : ' الحسد | شيطان ، والغضب شيطان ' ؛ وذلك لأنهما ينشآن عنه .
واختلف أهل اللغة في اشتقاقه :
فقال جمهورهم : هو مشتق من : ' شطن - يشطن ' أي : بعد ؛ لأنه بعيد من رحمة الله | تعالى ؛ وأنشد : [ الوافر ] |
4 - نأت بسعاد عنك نوى شطون
فبانت والفؤاد بها رهين
| وقال آخر : [ الخفيف ] |
Page 97
5 - إيما شاطن عصاه عكاه
ثم يلقى في السجن والأكبال
وحكى سيبويه - رحمه الله - : ' تشيطن ' أي : فعل فعل الشياطين ؛ فهذا كله يدل | على أنه من ' شطن ' ؛ لثبوت النون ، وسقوط الألف في تصاريف الكلمة ، ووزنه على هذا : | ' فيعال ' .
وقيل : هو مشتق من ' شاط - يشيط ' أي : هاج ، واحترق ، ولا شك أن هذا المعنى | موجود فيه ، فأخذوا بذلك أنه مشتق من هذه المادة ، لكن لم يسمع في تصاريفه إلا ثابت | النون ، محذوف الألف ؛ كما تقدم ، ووزنه على هذا ' فعلان ' ويترتب على القولين : صرفه | وعدم صرفه ، إذا سمي به ، وأما إذا لم يسم به ، فإنه متصرف ألبتة ؛ لأن من شرط امتناع | ' فعلان ' الصفة ألا يؤنث بالتاء ، وهذا يؤنث بها ؛ قالوا : ' شيطانة ' .
قال ابن الخطيب : و ' الشيطان ' مبالغة في الشيطنة ؛ كما أن ' الرحمن ' مبالغة في | الرحمة . و ' الرجيم ' في حق الشيطان ' فعيل ' بمعنى ' فاعل ' .
إذا عرفت هذا ، فهذه الكلمة تقتضي الفرار من الشيطان الرجيم إلى الرحمن الرحيم .
قوله : ' الرجيم ' نعت له على الذم ، وفائدة النعت : إما إزالة اشتراك عارض في | معرفة ؛ نحو : ' رأيت زيدا العاقل ' .
وإما تخصيص نكرة ؛ نحو : ' رأيت رجلا تاجرا ' وإما لمجرد مدح ، أو ذم ، أو | ترحم ؛ نحو : ' مررت بزيد المسكين ' وقد يأتي لمجرد التوكيد ؛ نحو قوله : ^ ( نفخة واحدة ) ^ | [ الحاقة : 31 ] ولا بد من ذكر قاعدة في النعت ، تعم فائدتها :
Page 98
اعلم أن النعت إن كان مشتقا بقياس ، وكان معناه لمتبوعه ، لزم أن يوافقه في أربعة | من عشرة ؛ أعني في واحد من ألقاب الإعراب : الرفع ، والنصب ، والجر ، وفي واحد من : | الإفراد ، والتثنية ، والجمع ، وفي واحد من : التذكير ، والتأنيث ، وفي واحد من : التعريف ، | والتنكير . | | وإن كان معناه لغير متبوعه ، وافقه في اثنين من خمسة : في واحد من ألقاب | الإعراب ، وفي واحد من التعريف والتنكير ؛ نحو : ' مررت برجلين عاقلة أمهما ' ، فلم | يتبعه في تثنية ولا تذكير .
وإذا اختصرت ذلك كله ، فقل : النعت يلزم أن يتبع منعوته في اثنين من خمسة مطلقا : | في واحد من ألقاب الإعراب ، وفي واحد من التعريف و التنكير ، وفي الباقي كالفعل ؛ يعني : | أنك تضع موضع النعت فعلا ، فمهما ظهر في الفعل ، ظهر في النعت ؛ مثاله ما تقدم في : | ' مررت برجلين [ عاقلة أمهما ' ] ؛ لأنك تقول : ' مررت برجلين عقلت أمهما ' .
' والرجيم ' قد تبع موصوفه في أربعة من عشرة ؛ لما عرفت ، وهو مشتق من | ' الرجم ' ، والرجم أصله : الرمي بالرجام ، وهي الحجارة ، ويستعار الرجم للرمي بالظن | والتوهم . قال زهير : [ الطويل ] |
6 - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
ويعبر به - أيضا - عن الشتم ؛ قال تعالى : ^ ( لئن لم تنته لأرجمنك ) ^ [ مريم : 46 ] | قيل : أقول فيك قولا سيئا .
Page 99
والمراجمة : المسابة الشديدة استعارة كالمقاذفة ، فالرجيم معناه : المرجوم ، فهو | ' فعيل ' بمعنى ' مفعول ' ؛ كقولهم : كف خضيب أي : مخضوب : ورجل لعين أي : ملعون | قال الراغب : والترجمان تفعلان من ذلك كأنه يعني أنه يرمي بكلام من يترجم عنه إلى | | غيره ؛ والرجمة : أحجار القبر ، ثم عبر بها عنه ؛ وفي الحديث : ' لا ترجموا قبري ' ، أي : | لا تضعوا عليه الرجمة .
ويجوز أن يكون بمعنى ' فاعل ' ؛ لأنه يرجم غيره بالشر ، ولكنه بمعنى ' مفعول ' أكثر ، | وإن كان غير مقيس .
ثم في كونه مرجوما وجهان :
الأول : أن معنى كونه مرجوما كونه ملعونا من قبل الله تعالى ؛ قال الله تعالى : ^ ( فاخرج | منها فإنك رجيم ) ^ [ الحجر : 34 ] واللعن يسمى رجما .
وحكى الله تعالى - عن والد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : ^ ( لئن لم تنته | لأرجمنك ) ^ قيل : عنى بقوله الرجم بالقول .
وحكى الله - تعالى - عن قوم نوح عليه السلام أنهم قالوا : ^ ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن | من المرجومين ) ^ [ الشعراء : 116 ] وفي سورة يس : ^ ( لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ) ^ [ يس : 18 ] .
والوجه : أن الشيطان إنما وصف بكونه مرجوما ؛ لأنه - تعالى - أمر الملائكة برمي | الشياطين بالشهب والثواقب ؛ طردا لهم من السموات ، ثم وصف بذلك كل شرير متمرد | وأما قوله في بعض وجوه الاستعاذة : إن الله هو السميع العليم ، ففيه وجهان :
الأول : أن الغرض من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ، ومعلوم أن الوسوسة | كأنها كلام خفي في قلب الإنسان ، ولا يطلع عليها أحد ، فكأن العبد يقول : يا من هو | يسمع كل مسموع ، ويعلم كل سر خفي أنت تعلم وسوسة الشيطان ، وتعلم غرضه منها ، | وأنت القادر على دفعها عني ، فادفعها عني بفضلك ؛ فلهذا السبب كان ذكر السميع العليم | أولى بهذا الموضع من سائر الأذكار .
الثاني : أنه إنما تعين هذا الذكر بهذا الموضع ؛ اقتداء بلفظ القرآن ؛ وهو قوله تعالى : | ^ ( وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) ^ [ الأعراف : 200 ] . |
فصل في احتجاج المعتزلة لإبطال الجبر
Page 100