Manār al-Hudā fī bayān al-waqf waʾl-ibtidāʾ

منار الهدى في بيان الوقف والابتدا

Editor

عبد الرحيم الطرهوني

Publisher

دار الحديث - القاهرة

Publisher Location

مصر

منار الهدى
في بيان الوقف والابتدا
تأليف
أحمد بن محمد بن عبد الكريم الأشموني
من علماء القرن الحادي عشر الهجري
تحقيق
الشيخ عبد الرحيم الطرهوني
تخصص في القراءات وعلوم القرآن الكريم
ومدرس القراءات والتجويد بالأزهر الشريف
دار الحديث
الجزء الأول

1 / 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، أنزل القرآن الكريم تبيانًا لكل شىء، فكان المعجزة الخالدة على مر الأزمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الأمين تلقى القرآن العظيم وبلَّغه كما أُنزل إليه من ربه، فقرأه على الناس على مُكْث ورتّله كما أحب الله أن يرتله، فأعطى الحروف حقها ومستحقها مما يليق عند النطق، ورضى الله عن آله وصحبه الذين سمعوه منه، ونقلوه عنه كما سمعوه، فأدّوا الأمانة خير أداء إعظامًا للكلام والمتكلم وإجلالًا للخطاب والمخاطب -سبحانه-، ورضى الله عَمَّنْ تلقوه عنهم من التابعين وتابعي التابعين ومن والاهم بإحسان جيلًا بعد جيل، حتى وصل إلينا كتاب الله في كماله، محفوظًا من التغيير والتبديل، مصونًا من كل تحريف منطوقًا به على الوجه الصحيح، مؤدًى كما نزل بلسان عربي مبين. ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
وبعد:
فقد خلق الله الإنسان، وميّزه بالبيان، وجعل له اللسان أداة للنطق، والأذن أداة للسمع، والعقل أداة للفهم، والروح أداة للتأثير والتأثر، والقرآن المجيد أعلى الكلام وأحلاه، وما ظنك بكلام ربِّ العالمين وقد منَّ به على أمّة أحبّ أحبابه
وأصفى أصفيائه، سيدنا محمد ﷺ، فكانت أمته أمّة القرآن الكريم، وكانت خير أمّة أخرجت للناس.
وقد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[الحجر: ٩].
لينتفع به الآخرون كما انتفع به الأولون، فكان من كل جيل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله.
وقد قرأ الأولون القرآن، فأدوا القراءة أحسن أداء، وكان حسن الأداء سبيلهم لحسن الاستماع، وكان حسن الاستماع سبيلًا لحسن التدبر، وحسن التدبر سبيلًا لحسن الانتفاع، وكيف لا يفعلون والكلام عزيز من عزيز وعلىٌّ من علىًّ وحكيم من حكيم، أحكمت آياته وفصِّلت كلماته، وبهرت

1 / 5

بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول.
وهو مع قوة بيانه وشدة سلطانه، عميق البحار واسع الأقطار، يقول القارئ إذا قرأه والسامع إذا سمعه: قد فهمته لتجلى فحواه فإذا تأمله كأنه ما قرأه أو سمعه لقوة مبناه، ودقة معناه، فلزم أن يقرأه القارئ على روية وإحكام، كما كان يفعلُ رسول الله ﷺ، فقد أعطى الحروف حقها فى قراءته الشريفة على الأصول الصحيحة، فلم تكن قراءته هذًّا ولا عجلة بل كانت مفسرّة حرفًا حرفًا.
كما كان ﷺ يقطِّع قراءته كل آية فيقول مثلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويقف، ثم يقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقف، ثم يقول ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهكذا.
وقد روى الزهري أن قراءته ﷺ كانت آية آية، وروى ذلك البيهقى أيضًا في «شُعَب الإيمان» وغيره كثيرون ممن رجَّحوا الوقوف على رؤوس الآي، وإن تعلقت في المعنى بما بعدها.
ولا شك في أنّ إتباع هدى النبي ﷺ وسنته أولى من اتباع الرأي القائل بتسجيل اتباع الأغراض والمقاصد للوقوف عند انتهائها، وقد قال -تَعَالَى-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال -تَعَالَى-: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وكما كان ﷺ يقرأ القرآن بنفسه كان يحب أن يسمعه من غيره، وفى كلٍّ من قراءته واستماعه كان أحيانًا يذرف الدمع من عينيه إجلالًا وهيبة من عظمته واستعظامًا لقدرته وإشفاقًا على أمته، وقد طلب ﷺ من ابن مسعود ﵁ أن يقرأ عليه فقال: أأقر وعليك أنزل؟! فقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ قول الله -تَعَالَى-: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. بكى ﷺ حتى ذرفت عيناه بالدموع.
وكان ﷺ يذكر الله على جميع أحيانه، وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئا ومحدثًا، ولم يكن يمنعه شىء من قراءة القرآن إلا الجنابة.
ويجب أن يتلو المؤمن القرآن الكريم حق تلاوته كما كان يفعل رسول الله ﷺ وأصحابه، فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل».
وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي ﵁:
«وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ، والتأثر بالأزجار والائتمار،

1 / 6

فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ».
وقال ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وقد جعل الله فى قلوب عباده من القوة ما شاء فضلًا منه ورحمة، ليتدبَّروه وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته وأداء حقوقه، فلقد قال ﷾: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ كما ينطق به قوله
﷾: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
أريد به توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم خشوعه عند تلاوته وقلة تدبُّره فيه.
ومن الصحابة الذين علّمهم الرسول ﵊ عن سيدنا جبريل
﵇ أُبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ولقد قال ﷺ في أولهم: «أقرؤُكُم أُبىٌ»، وفى ثانيهم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا طريًّا كما أُنزل فليقرأ قراءة ابن أُم عبد»، يعنى عبد الله بن مسعود. وقال أيضًا «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبىّ ابن كعب».
وقد أخذ عن الصحابة المجيدين للتلاوة من تلاميذ الرسول ﷺ كثيرون من الصحابة والتابعين، فمثلًا أخذ عن أُبىٌ بن كعب من الصحابة: أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب، ومن التابعين: عبد الله بن عياش ابن أبى ربيعة المخزومى، وأبو عبد الرحمن عبد الله ابن حبيب السلمي، وأبو العالية الرياحى حتى انتهى الأمر إلى أسانيد تسعة من الأئمة العشرة المتواترة قراءاتهم إلى اليوم وهم: نافع وأبو جعفر المدنيان، وعبد الله بن كثير المكي، وأبو عمرو، ويعقوب البصريان، وعاصم وحمزة والكسائى وخلف الكوفيون.
أما السند العاشر فهو عبد الله بن عامر الدمشقي، وقد أخذ قراءته عن أبى الدرداء وقيل عن عثمان بن عفان.
ولأنه كتاب الله الكريم وفرقانه المبين الذي يفرق بين الحق والباطل وهو نبراس البشرية الهادي لها في الظلمات فإن أهل الضلال الخائضين في الظلمات تحروا نقضه وتربصوا له يبغون رفضه فقام لهم سدنة الحق من العلماء، فشمروا عن ساعد الجد، وقاموا يدفعون عنه كل زيغ وضلال، ومن ثَم لم يحظ كتاب عبر تاريخ البشرية بمثل ما حظي به كتاب الله -تعالى- قراءة وحفظًا، وتجويدًا، وأداء،

1 / 7

ورسمًا وضبطًا، وفهمًا واستنباطًا. فمن حيث قراءاته، اتجهت همم السلف من علماء الأمة إلى العناية بعلم تجويده وترتيله، رواية ودراية، فألَّفوا فيه التآليف البديعة، وصنفوا التصانيف المفيدة، مؤصِّلين أصوله، ومقعدِّين قواعده، فكثرت التآليف وانتشرت التصانيف، واختلفت أغراضهم بحسب الإيجاز والتطويل والتقليل.
ومن ثَم عزيزي القارئ الكريم أردنا أن نضع بين يديك هذا السِفر الجليل:
* منار الهدى في بيان الوقف والابتدا *
وموضوع هذا الكتاب إنما يتبين بمعالجته لظاهرة الوقف والإبتداء، وهوجانب مهم في أداء العبارة القرآنية، فهو يوضح كيف وأين يجب أن ينتهي القارئ لآي القرآن الكريم بما يتفق مع وجوه التفسير واستقامة المعنى وصحة اللغة وما تقتضيه علومها من نحوٍ وصرفٍ ولغةٍ، حتى يستتم القارئ الغرض كله من قراءته، فلا يخرج على وجه مناسب من التفسير والمعنى من جهة، ولا يخالف وجوه اللغة، وسبل أدائها التي تُعين على أداء ذلك التفسير والمعنى، وبهذا يتحقق الغرض الذي من أجله يقرأ القرآن؛ ألا وهو الفهم والإدراك.
أما مؤلفه! فإننا لم نعثر على ترجمة له، ويبدو أن هذه المشكلة قديمة، إذ عندما أرادت مطبعة البابي الحلبي عام (١٩٣٤م) أن تطبع هذا الكتاب نسبته إلى أبي الحسن نور الدين علي بن محمد الأُشموني المتوفى في أوائل القرن العاشر، والمعاصر للإمام السخاوي الذي ترجم له في كتابه: الضوء اللامع؛ وذلك لأنها لم تعثر على ترجمة لأحمد بن عبد الكريم الأشموني على ما يبدو.
وكل ما عثرت عليه هو ما ذكره عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين ٢/ ١٢١: أحمد الأشموني من علماء القرن الحادي عشر الهجري، الموافق للقرن السابع عشر الميلادي، أحمد ابن محمد بن عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم الأشموني، الشافعي، فقيه، مقرئ، من تصانيفه: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، والقول المتين في بيان أمور الدين. اهـ
ولقد أخرجنا هذا الكتاب في ثوبٍ قشيبٍ فيه من الجدة ما يثلج الصدور، وهو عون للقاري المبتدي وتذكرة للمقري المنتهي، يُعين العقول على فهم هذا العلم الجليل، وإدراك مبهمة، وإيضاح ما استغلق منه، وكان منهجنا في هذا السِفر ما سنوضحه فيما يلي:
منهج العمل بكتابنا هذا:
١ - قمنا بنسخ الأصول المتوفرة لدينا على ما يوافق قواعد الإملاء الحديثة.
٢ - أثبتنا علامات الترقيم والأقواس حسب المتعارف عليه الآن.

1 / 8

٣ - نظمنا النص على نسقٍ واحدٍ من أوله إلى آخره بما يفيد فهم النص فهمًا جيدًا، فتظهر معانيه ودِلالاته واضحة جلية.
٤ - وقع في بعض نصوص كتابنا أخطاء لغوية، وفي بعضها الآخر إسقاط في نص القرآن، فقد قمنا بإصلاح ذلك كله داخل النصوص؛ وذلك لكونها من أخطاء النُّساخ.
٥ - عُنينا عناية بالغة بمقابلة أسماء الأعلام، وكذا المادة التراجمية الواردة عنهم، ومقابلتها بما احتوته أمهات كتب التراجم المعنية بها، ولا سيما كتب تراجم القراء، فإذا وجدناها متفقة معها سكتنا، ولم نعلِّق على صحة الاسم أو المادة، أما إذا وجدنا خلافا فقد عُنينا بالتعليق عليه، ورجّحنا الصواب بعد التحليل، وأحلنا على الموارد التي أدت إلينا هذا الترجيح.
٦ - ترجمنا للأعلام؛ تتميمًا لعموم النفع.
٧ - بينّا المصطلحات الواردة بكتابنا هذا؛ شارحين لها ومعلِّقين عليها.
٨ - ذكرنا معاني الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى شرح وإيضاح.
٩ - جعلنا ترقيم الآيات القرآنية ضمن مادة كتابنا، ولم نجعلها في الهامش؛ وذلك لعدم ثقل الهوامش، كما ذكرنا أرقام الآيات عند ورود كل سورة بجانبها ولم نذكرها بالهامش إلا في حالة إشارة المؤلف إلى ورود حرف ما بمواضع عديدة، فعند ذلك فقط نشير إلى أرقام تلك الآيات في الهامش.
١٠ - وأما القسم الخاص بفرش السور داخل كتابنا فإننا اكتفينا فيه بذكر رقم الآية بجانبها اعتمادًا منا على أن المصنف يناقش آيات سورةٍ واحدةٍ، فلا داعي لتكرار اسم السورة إلا إذا دعت الحاجة إلى عكس ذلك.
١١ - في ضبط الآيات القرآنية، قمنا بضبطها على ما يوافق قراءة حفص عن عاصم إلا إذا عمد المصنف إلى غير ذلك.
١٢ - خرَّجنا القراءات القرآنية على الكتب المعنية بها من كتب القراءات، وكتب حُجج القراءات وعللها، وكتب إعراب القرآن، والتفاسير، وكل ما له صلة بذلك.
١٣ - نظرنا في الشواهد الشعرية فضبطناها بالشكل وعزوناها إلى قائليها، وبينّا مواضعها في الدواوين، أو كتب اللغة والصرف والنحو.
١٤ - خرّجنا الأحاديث النبوية الشريفة من مظانها: (الصحاح، السنن، المسانيد).
١٥ - عرضنا النص وأخرجناه بصورة تُعين القارئ وتسهل عليه الرجوع إلى ما يريد.

1 / 9

وفي الخاتمة فاللهَ أسألُ أن يكتبَ السداد والرشاد، وأن يُلْهِمَ الإخلاص في القول والعمل، فإن أصبت فذلك الفضل من الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما أجمل ما قاله القاضي البيساني ﵀: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتابًا في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارِك على عبدك ونبيك محمدٍ ﷺ،،،
المحقق
عبد الرحيم الطرهوني
سوهاج في التاسع والعشرين من صفر سنة ١٤٢٣هـ
الموافق: الحادي عشر من مايو سنة ٢٠٠٢م

1 / 10

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نوَّر قلوب أهل القرآن بنور معرفته تنويرًا، وكسا وجوههم من إشراق ضياء بهجته نورًا، وجعلهم من خاصة أحبابه إكرامًا لهم وتوقيرًا، فجعل صدورهم أوعية كتابه، ووفَّقهم لتلاوته آناء الليل وأطراف النهار؛ ليعظم لهم بذلك أجورًا، فترى وجوههم كالأقمار تتلألأ من الإشراق، وتبتهج سرورًا، وقد أخبر عنهم الصادق المصدوق ممثلًا بأنهم جراب مملوء مسكًا، وأَعْظِم بذلك فخرًا وتبشيرًا، فيا لها من نعمة طُهِّروا بها تطهيرًا! وحازوا بها عزًّا ومهابة وتحبيرًا؛ فهم أعلى الناس درجات في الجنان تخدمهم فيها الملائكة الكرام عشيًّا وبكورًا، ويقال لهم في الجنة تهنئة لهم وتبشيرًا: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢٢].
فسبحانه من إله عظيم تعالى في ملكه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
أحمده ﷾ حمد من قام بواجب تجويد كلامه، ومعرفة وقوفه، ونسأله من فيض فضله وإحسانه لطفًا وعناية وتيسيرًا، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له شهادة يغدو قلب قائلها مطمئنًا مستنيرًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد ﷺ عبده ورسوله الذي اختاره الله من القدم حبيبًا ونبيًّا ورسولًا، وأرسله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وقد أخذ له العهد والميثاق على سائر المخلوقات، وكتب له بذلك منشورًا.
أما بعد: فيقول العبد الفقير، القائم على قدمي العجز والتقصير، الراجي عفو ربه القدير أحمد ابن الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الكريم عامل الله الجميع بفضله العميم، وأسكنهم من إحسانه جنات النعيم، هذا تأليف لم يسألني فيه أحد؛ لعلمهم أني قليل البضاعة، غير دريٍّ بهذه الصناعة، فإني والله لست أهلًا لقول ولا عمل، وإني والله من ذلك على وَجَل، لكن الكريم يقبل من تطفل، ولا يخيب من عليه عوَّل؛ فإني بالعجز معلوم، ومثلي عن الخطأ غير معصوم، وبضاعتي مزجاة، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فشرعت فيما قصدت، وما لغيري وجدت، وذلك بعد لبثي حينًا من الدهر أتروَّى وأتأمل، وأنا إلى جميع ما تشتت من ذلك أميل، قادني إلى ذلك أمل ثواب الآخرة سائلًا من المولى الكريم الصواب والإعانة، متبرئًا من حولي وقوتي إلى من لا حول ولا قوة إلَّا به، والمأمول من ذي العزة والجلال أن ينفع به في الحال والمآل، وأن يكون تذكرة لنفسي في حياتي وأثرًا لي بعد وفاتي، فلا تكن ممن إذا رأى صوابًا غطَّاه، وإذا وجد سهوًا نادى عليه وأبداه، فمن رأى خطأ منصوصًا عليه فليضفه بطرته إليه، والنص عليه:
يَا مَنْ غَدَا نَاظِرًا فِيمَا كَتَبْتُ وَمَنْ ... أَضْحَى يُرَدِّدُ فِيمَا قُلْتُه النَّظَرَا

1 / 11

سَأَلْتُكَ اللهَ إِنْ عَايَنْتَ لِي خَطًا ... فَاسْتُرْ عَلَيَّ فَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ سَتَرَا
فالموفَّق تكفيه الإشارة، ولا ينفع الحسود تطويل العبارة، وعلى الله اعتمادي في بلوغ التكميل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وسميته:
* منار الهدى في بيان الوقف والابتدا *
مقدمًا أمام المقصود فوائد وتنبيهات تنفع القارئ وتعينه على معرفة الوقف والابتداء؛ ليكون على بصيرة إذا خاض في هذا البحر الزخَّار، الذي لا يدرك له قرار، ولا يسلك إلى قنته ولا يصار، من أراد السبيل إلى استقصائه لم يبلغ إلى ذلك وصولًا، ومن رام الوصول إلى إحصائه لم يجد إلى ذلك سبيلًا، قد أودع الله فيه علم كل شيء، وأبان فيه كل هدى وغي، فترى كل ذي فن منه يستمد، وعليه يعتمد، جعله للحكم مستودعًا، ولكل علم منبعًا، وإلى يوم القيامة نجمًا طالعًا، ومنارًا لامعًا، وعلمًا ظاهرًا، ولا يقوم بهذا الفن إلَّا من له باع في العربية، عالم بالقراءات، عالم بالتفسير، عالم باللغة التي نزل القرآن بها على خير خلقه، مزيل الغمة، بعثه به بشيرًا ونذيرًا إلى خير أمة، شهد به كتابه المبين عن لسان رسوله الصادق الأمين، جعله كتابًا فارقًا بين الشك واليقين، أعجز الفصحاء معارضته، وأعيا الألباء مناقضته، وأخرس البلغاء مشاكلته، جعل أمثاله عبرًا للمتدبرين، وأوامره هدى للمستبصرين، ضرب فيه الأمثال، وفرَّق فيه بين الحرام والحلال، وكرر القصص والمواعظ بألفاظ لا تمل، وهي مما سواها أعظم وأجل، ولا تخلق على كثرة الترديد، بل بكثرة تلاوتها حسنًا وحلاوة تزيد، قد حثنا على فهم معانيه، وبيان أغراضه ومبانيه، فليس المراد حفظ مبناه، بل فهم قارئه معناه، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. فقد ذم الله اليهود؛ حيث يقرءون التوراة من غير فهم، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]. فعلى العاقل الأديب، والفطن اللبيب أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنية، ويأخذ بالرتبة السَّنيَّة، فيقف على أهم العلوم وآكدها المتوقف عليها فهم الكتاب والسُّنَّة وهي بعد تجويد ألفاظه خمسة: علم العربية، والصرف، واللغة، والمعاني، والبيان.

1 / 12

فوائد مهمة تحتاج إلى صرف الهمة
[الأئمة الذين اشتهر عنهم هذا الفن]
الفائدة الأولى: في ذكر الأئمة الذين اشتهر عنهم هذا الفن وهو فن جليل قال عبد الله ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ، فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأينا اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده، وكل حرف منه ينادي: أنا رسول الله إليك؛ لتعمل بي وتتعظ بمواعظي.
قال النحاس (١): فهذا يدل على أنهم كانوا يتعلمون الوقوف كما يتعلمون القرآن، حتى قال بعضهم: إن معرفته تُظْهِر مذهب أهل السنة من مذهب المعتزلة، كما لو وقف على قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] فالوقف على «يختار» هو مذهب أهل السنة؛ لنفي اختيار الخلق لاختيار الحق؛ فليس لأحد أن يختار، بل الخيرة لله تعالى، أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه، وقال علي -كرم الله وجهه- في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤]: الترتيل تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف.
وقال ابن الأنباري (٢): من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء؛ إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلَّا بمعرفة الفواصل، فهذا أدل دليل على وجوب تعلمه وتعليمه. وحُكي أن عبد الله بن

(١) وهو: أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس، مفسر، أديب، مولده ووفاته بمصر، كان من نظراء نفطويه وابن الأنباري، زار العراق واجتمع بعلمائه، وصنف: تفسير القرآن، وإعراب القرآن، وتفسير أبيات سيبويه، وناسخ القرآن ومنسوخه، والقطع والاستئناف، ومعاني القرآن، الجزء الأول منه، وشرح المعلقات السبع (ت٣٣٨ هـ). انظر: ابن خلّكان (١/ ٢٩)، النجوم الزاهرة (٣/ ٣٠٠)، البداية والنهاية (١١/ ٢٢٢)، إنباه الرواة (١/ ١٠١)، آداب اللغة (٢/ ١٨٢).
(٢) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظا للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن. أخذ عن أبيه وثعلب وطائفة، وعنه الدارقطني وغيره، ولد في الأنبار (على الفرات)، وتوفي ببغداد، وكان يتردد إلى أولاد الخليفة الراضي بالله، يعلمهم. من كتبه: الزاهر في اللغة، وشرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، وإيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله ﷿، الهاءات في كتاب الله ﷿، والكافي في النحو، وعجائب علوم القرآن، وشرح الألفات، وخلق الإنسان، والأمثال، والأضداد، وأجل كتبه: غريب الحديث، وله: الأمالي (ت٣٢٨ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٣/ ١٨١ - ١٨٦)، معجم الأدباء (١٨/ ٣٠٦ - ٣١٣)، الكامل في التاريخ (٨/ ١١٨)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٥٧ - ٥٩)، البداية والنهاية (١١/ ١٩٦)، نزهة الألباء (ص: ٣٣٠ - ٣٤٢)، المختصر في أخبار البشر (٢: ٩٢)، طبقات القراء (٢/ ٢٣٠ - ٢٣٢)، الأعلام (٧/ ٢٢٦، ٢٢٧).

1 / 13

عمر قد قام على حفظ سورة البقرة ثمان سنين، وعند تمامها نحر بدنة، أخرجه مالك في الموطأ. وقول الصحابي كذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ أي: ولم يخالفه غيره ولم يكن للرأي فيه مجال، وهذا لا دخل للرأي فيه فلو خالفه غيره أو كان للرأي فيه مجال -لا يكون قوله حجة.
واشتهر هذا الفن عن جماعة من الخلف، وهم: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني القارئ (١)، وعن صاحبه يعقوب بن إسحاق الحضرميِّ البصريِّ (٢)، وعن أبي حاتم السجستاني (٣)، وعن محمد بن عيسى، وعن أحمد بن موسى (٤)، وعن علي بن حمزة الكسائي (٥)، وعن القراء الكوفيين، وعن الأخفش سعيد (٦)، وعن أبي عبيدة معمر بن

(١) مولى جعونة بن شعوب الليثي حليف حمزة بن عبد المطلب المدني أحد القراء السبعة والأعلام ثقة صالح، أخذ القراءة عرضًا عن جماعة من تابعي أهل المدينة منهم عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وأبي جعفر القارئ وشيبة بن نصاح ويزيد بن رومان ومسلم بن جندب، وروى القراءة عنه عرضًا وسماعًا إسماعيل بن جعفر وعيسى بن وردان وسليمان بن مسلم بن جماز ومالك بن أنس وعيسى بن مينا قالون (ت١٦٩هـ).انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٨٧)، ميزان الاعتدال (٤/ ٢٤٢)، عبر الذهبي (١/ ٢٥٧)، طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ٣٣٠ – ٣٣٤)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٠٧، ٤٠٨).
(٢) الإمام المجود الحافظ، مقرئ البصرة، أبو محمد الحضرمي مولاهم البصري، أحد القراء العشرة، تلا على أبي المنذر سلام الطويل، وأبي الأشهب العطاردي، ومهدي بن ميمون، وشهاب بن شرنفة، وسمع أحرفا من حمزة الزيات، وسمع الكثير من شعبة، وهمام، وأبي عقيل الدورقي (ت٢٠٥هـ). انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٣٠٤)، التاريخ الكبير (٨/ ٣٩٩، ٤٠٠)، التاريخ الصغير (٢/ ٣٠٤)، معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ١٣٠)، غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٣٨٦ – ٣٨٩).
(٣) سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني، من كبار العلماء باللغة والشعر، من أهل البصرة كان المبرد يلازم القراءة عليه، له نيف وثلاثون كتابا، منها كتاب: المعمرين، والنخلة، وما تلحن فيه العامة، والشجر والنبات، والطير، والأضداد، والوحوش، والحشرات، والشوق إلى الوطن، والعشب والبقل، والفرق بين الآدميين، وكل ذي روح، والمختصر في النحو على مذهب الأخفش وسيبويه، وله شعر جيد (ت٢٤٨ هـ).
(٤) ابن مجاهد التميمي البغدادي شيخ الصنعة وأول من سبَّع السبعة، قرأ على عبد الرحمن بن عبدوس وقنبل المكي وعبد الله ابن كثير المؤدب وغيرهم، قرأ عليه وروى عنه الحروف أحمد بن محمد بن بشر الشارب وأحمد بن نصر الشذائي وأحمد بن موسى بن عبد الرحمن وغيرهم كثير (ت٣٢٤هـ).انظر: معجم الأدباء (٥/ ٦٥ – ٧٣)، معرفة القراء (١/ ٢١٦ – ٢١٨)، البداية والنهاية (١١/ ١٨٥)، غاية النهاية (١/ ١٣٩ - ١٤٢).
(٥) الإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات، وأحد الأئمة السبعة، أخذ القراءة عرضا عن حمزة أربع مرات وعليه اعتماده وعن عيسى بن عمر الهمداني، وروى الحروف عن أبي بكر ابن عياش وإسماعيل ويعقوب ابني جعفر عن نافع، أخذ عنه القراءة عرضا وسماعا إبراهيم ابن زاذان وأحمد بن جبير وأحمد بن أبي سريج وحفص بن عمر الدوري (ت١٨٩هـ). انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٢٦٨)، طبقات النحويين (١٣٨، ١٤٢)، معجم الأدباء (١٣/ ١٦٧، ٢٠٣)، دول الإسلام (١/ ١٢٠)، البداية والنهاية (١١/ ٢٠١، ٢٠٢).
(٦) الأخفش الأوسط: سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري، أبو الحسن، المعروف بالأخفش الأوسط، نحوي، عالم باللغة والأدب، من أهل بلخ، سكن البصرة، وأخذ العربية عن سيبوية، وصنف كتبا منها: تفسير معاني القرآن، وشرح أبيات المعاني، والاشتقاق، ومعاني الشعر، وكتاب الملوك، والقوافي، وزاد في العروض بحر (المتدارك)، وكان الخليل قد جعل البحور خمسة عشر فأصبحت ستة عشر (ت٢١٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ١٨٨).

1 / 14

المثنى (١)، وعن محمد بن يزيد (٢)، والقتبيِّ الدينوريِّ (٣)، وعن أبي محمد الحسن بن علي العماني (٤)، وعن أبي عمرو عثمان الداني (٥)، وعن أبي جعفر محمد بن طيفور السجاوندي (٦)، وعن أبي جعفر يزيد بن

(١) معمر بن المثني معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري (أبو عبيدة) أديب، لغوي، نحوي عالم بالشعر والغريب والاخبار والنسب، ولد وتوفي بالبصرة، من تصانيفه الكثيرة: معاني القرآن، نقائض جرير والفرزدق، مقاتل الفرسان، أخبار قضاة البصرة، وغريب بطون العرب (ت٢٠٩ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (١٢/ ٣٠٩).
(٢) المبرد، إمام النحو، أبو العباس، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، البصري، النحوي، الإخباري، صاحب «الكامل»، أخذ عن: أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وعنه: أبو بكر الخرائطي، ونفطويه، وأبو سهل القطان، وإسماعيل الصفار، والصولي، وأحمد بن مروان الدينوري، وعدة، صاحب نوادر وطرف، قال ابن حماد النحوي: كان ثعلب أعلم باللغة، وبنفس النحو من المبرد، وكان المبرد أكثر تفننا في جميع العلوم من ثعلب. يقال: إن المازني أعجبه جوابه، فقال له: قم فأنت المبرد، أي: المثبت للحق، ثم غلب عليه: بفتح الراء. وكان آية في النحو، كان إسماعيل القاضي يقول: ما رأى المبرد مثل نفسه (ت٢٨٦هـ). انظر: طبقات النحويين واللغويين (ص: ١٠١–١١٠)، معجم الأدباء (١٩/ ١١١ – ١٢٢)، البداية والنهاية (١١/ ٧٩ – ٨٠)، طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ٢٨٠).
(٣) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد: من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين، ولد ببغداد وسكن الكوفة، ثم ولي قضاء الدينور مدة، فنسب إليها، وتوفي ببغداد، من كتبه: «تأويل مختلف الحديث»، و«أدب الكاتب» و«المعارف» وكتاب «المعاني» ثلاثة مجلدات، و«عيون الأخبار» و«الشعر والشعراء» و«الإمامة والسياسة» و«الأشربة» و«الرد على الشعوبية» و«فضل العرب على العجم» و«الرحل والمنزل» و«الاشتقاق» و«مشكل القرآن»، «المشتبه من الحديث والقرآن» و«العرب وعلومها» و«تفسير غريب القرآن» (ت ٢٧٦ هـ). انظر: غاية النهاية (١/ ٤٥٨)، البدء والتاريخ (٥/ ٩٧)، صفة الصفوة (١/ ١٥٤)، حلية الأولياء (١/ ١٢٤)، الأعلام للزركلي (٤/ ١٣٧).
(٤) أبو محمد الحسن بن علي بن سعيد العماني، مقرئ، من تصانيفه: المقصد، والمرشد في الوقف والابتداء، وهو الذي اختصره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري بـ «المقصد لتلخيص ما في المرشد، توفي بعد سنة (٥٠٠ هـ). انظر: غاية النهاية (١/ ٢٢٣).
(٥) أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني، ويقال له ابن الصيرفي، من موالي بني أمية، أحد حفاظ الحديث، ومن الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره، من أهل دانية بالأندلس، دخل المشرق، فحج وزار مصر، وعاد فتوفي في بلده، وله من المصنفات ما يزيد على مائة وعشرين مصنفًا (ت٤٤٤ هـ). انظر: جذوة المقتبس (ص: ٣٠٥)، الصلة (٢/ ٤٠٥ – ٤٠٧)، بغية الملتمس (ص: ٤١١ – ٤١٢)، معجم البلدان (٢/ ٤٣٤)، معجم الأدباء (١٢/ ١٢٤ – ١٢٨)، إنباه الرواة (٢/ ٣٤١ – ٣٤٢)، معرفة القراء الكبار (١/ ٣٢٥ – ٣٢٨).
(٦) أبو عبد الله السجاوندي، مفسر، مقرئ، نحوي، من آثاره: علل القراءات في عدة مجلدات، عين المعاني في تفسير السبع المثاني، والوقف والابتداء (ت٥٦٠ هـ). انظر: طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ١٥٧)، الوافي للصفدي (٣/ ١٧٨)، طبقات المفسرين للسيوطي (ص: ٣٢، ٣٣)، كشف الظنون لحاجي خليفة (ص: ١١٨٢)، الأعلام للزركلي (٦/ ١٧٩).

1 / 15

القعقاع (١) أحد أعيان التابعين، وغيرهم من الأئمة الأعلام، والجهابذة العظام، فكان أحدهم آخذًا بزمام التحقيق والتدقيق وتضرب إليه أكباد الإبل من كل مكان سحيق:
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ... إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ (٢)
وما حكاه ابن برهان (٣) عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٤): من أن تسمية الوقوف بالتام والحسن والقبيح بدعة، ومتعمد الوقف على ذلك مبتدع؛ قال: لأن القرآن معجز وهو كالقطعة

(١) أحد القرّاء العشرة، تابعي مشهور كبير القدر، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وروى عنهم، روى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم وسليمان بن مسلم بن جماز وعيسى بن وردان وإسماعيل ويعقوب ابناه وميمونة بنته (ت١٣٠هـ). انظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٥٢)، التاريخ الكبير (٨/ ٣٥٣، ٣٥٤)، تاريخ الإسلام (٥/ ١٨٨)، طبقات القراء (٢/ ٣٨٢).
(٢) البيت من بحر الطويل، وقائله الفرزدق، من قصيدة يقول في مطلعها:
مِنّا الَّذي اِختيرَ الرِجالَ سَماحَةً ... وَخَيرًا إِذا هَبَّ الرِياحُ الزَعازِعُ
الفَرَزدَق (٣٨ - ١١٠هـ/٦٥٨ - ٧٢٨م) همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، شاعر من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة، يشبه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى، زهير في الجاهليين، والفرزدق في الإسلاميين، وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، ومهاجاته لهما أشهر من أن تذكر، كان شريفًا في قومه، عزيز الجانب، يحمي من يستجير بقبر أبيه، لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه، وتوفي في بادية البصرة، وقد قارب المائة.-الموسوعة الشعرية
(٣) ابن برهان (٤٧٩ - ٥١٨ هـ = ١٠٨٧ - ١١٢٤ م) أحمد بن علي بن برهان، أبو الفتح: فقيه بغدادي، غلب عليه علم الأصول، كان يضرب به المثل في حل الإشكال، من تصانيفه: البسيط، والوسيط، والوجيز -في الفقه والأصول، وكان يقول: إن العامي لا يلزمه التقيد بمذهب معين، ودرَّس بالنظامية شهرًا واحدًا وعُزل، ثم تولاها ثانيًا يومًا واحدًا وعُزل أيضًا، مولده ووفاته ببغداد. انظر: الأعلام (١/ ١٧٣).
(٤) أبو يوسف (١١٣ - ١٨٢ هـ = ٧٣١ - ٧٩٨ م) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف: صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيهًا علامة، من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة، وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه "الرأي" وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته، ببغداد، وهو على القضاء، وهو أوّل من دعي "قاضي القضاة"، ويقال له: قاضي قضاة الدنيا! وأوّل من وضع الكتب في أصول الفقه، على مذهب أبي حنيفة، وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب، من كتبه: الخراج، والآثار -وهو مسند أبي حنيفة، والنوادر، واختلاف الأمصار، وأدب القاضي، والأمالي في الفقه، والرد على مالك ابن أنس، والفرائض، والوصايا، والوكالة، والبيوع، والصيد والذبائح، والغصب والاستبراء، والجوامع -في أربعين فصلا، ألفه ليحيى بن خالد البرمكي، ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به. انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ١٩٣).

1 / 16

الواحدة؛ فكله قرآن وبعضه قرآن، فليس على ما ينبغي. وضعف قوله: غني عن البيان بما تقدم عن العلماء الأعلام، ويبعده قول أهل هذا الفن: الوقف على رءوس الآي سُنَّة متبعة، والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، ومما يبيَّن ضعفه ما صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى الخطيب؛ لما قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما. ووقف، فقال له النبي ﷺ: «بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» (١) ففي الخبر دليل واضح على كراهة القطع، فلا يجمع بين من أطاع ومن عصى، فكان ينبغي للخطيب أن يقف على قوله: فقد رشد، ثم يستأنف: ومن يعصهما فقد غوى، وإذا كان مثل هذا مكروهًا مستقبحًا في الكلام الجاري بين الناس -فهو في كلام الله أشد كراهة وقبحًا، وتجنبه أولى وأحق.
وفي الحديث: أنَّ جبريل أتى النبي ﷺ فقال: «اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف كل شاف ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب» (٢).
فالمراد بالحروف: لغات العرب، أي: أنها مفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، على أنه قد جاء في القرآن ما قد قرئ بسبعة أوجه، وعشرة أوجه كـ «مالك يوم الدين» (٣)، وفي البحر إنّ قوله: «وعبد الطاغوت» اثنتين وعشرين قراءة (٤)، وفي «أف» لغات أوصلها الرماني (٥) إلى سبع وثلاثين لغة، قال في فتح الباري: قال أبو شامة (٦): ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في

(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٢، ١٣)، وأبو داود (١/ ١٧٢)، والنسائي (٢/ ٧٩)، والبيهقي (٣/ ٢١٦)، وأحمد (٤/ ٢٥٦، ٣٧٩).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤١)، برقم (٢٠٦٩٦)، قال: حدَّثنا عبد الرَّحْمان بن مهدي، وفي (٥/ ٥١)، برقم: (٢٠٧٨٨)، قال: حدَّثنا عَفَّان.
(٣) انظر: معجم القراءات القرآنية، للدكتور: عبد العال سالم مكرم، والدكتور: أحمد مختار عمر (١/ ٧)، طبعة الكويت.
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٥١٩)، ومعجم القراءات القرآنية، للدكتور: عبد العال سالم مكرم، والدكتور: أحمد مختار عمر (٢/ ٢٢٢، ٢٢٦)، طبعة الكويت.
(٥) أبو الحسن الرماني (٢٩٦ - ٣٨٤ هـ = ٩٠٨ - ٩٩٤ م) علي بن عيسى بن علي بن عبد الله، أبو الحسن الرماني: باحث معتزلي مفسر، من كبار النحاة، أصله من سامراء، ومولده ووفاته ببغداد، له نحو مائة مصنف، منها الأكوان، والمعلوم والمجهول، والأسماء والصفات، وصنفة الاستدلال -في الاعتزال، وكتاب: التفسير، وشرح أصول ابن السراج، وشرح سيبويه، ومعاني الحروف، والنكت في إعجاز القرآن. انظر: الأعلام للزركلي (٤/ ٣١٧).
(٦) أبو شامة (٥٩٩ - ٦٦٥ هـ = ١٢٠٢ - ١٢٦٧ م) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي، أبو القاسم، شهاب الدين، أبو شامة: مؤرخ، محدث، باحث، أصله من القدس، ومولده في دمشق، وبها منشأه ووفاته، ولي بها مشيخة دار الحديث الأشرفية، ودخل عليه اثنان في صورة مستفتيين فضرباه، فمرض ومات، له: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين: الصلاحية والنورية، وذيل الروضتين، ومختصر تاريخ ابن عساكر، والمرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، وله: إبراز المعاني -في شرح الشاطبية، والباعث على إنكار البدع والحوادث، وكشف حال بني عبيد -الفاطميين، والوصول في الأصول، ومفردات القراء، ونزهة المقلتين في أخبار الدولتين: دولة علاء الدين السلجوقي، ودولة ابنه جلال الدين خوارزمشاه. انظر: الأعلام للزركلي (٣/ ٢٩٩).

1 / 17

الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وقال مكي بن أبي طالب (١): وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء السبعة، وهم: نافع، وابن كثير (٢)، وأبو عمرو (٣)، وابن عامر (٤)، وعاصم (٥)،

(١) أبو محمد الأندلسي القيسي، مقرئ، عالم بالتفسير والعربية، من أهل القيروان، ولد فيها، وطاف في بعض بلاد المشرق، وعاد إلى بلده، وأقرأ بها، ثم سكن قرطبة (سنة: ٣٩٣)، وخطب وأقرأ بجامعها وتوفى فيها، له كتب كثيرة، منها: مشكل إعراب القرآن، والكشف عن وجوه القراءات وعللها، والهداية إلى بلوغ النهاية، في معاني القرآن وتفسيره، والتبصرة في القراءات السبع، والمنتقى- في الأخبار، والإيضاح للناسخ والمنسوخ، والموجز -في القراءات، والإيجاز -في الناسخ والمنسوخ، والرعاية -لتجويد التلاوة، والإبانة -في القراءات، وشرح «كلا وبلى ونعم» (ت ٤٣٧ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٧/ ٢٨٦).
(٢) عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان، الإمام أبو معبد المكي الداري، إمام أهل مكة في القراءة، وأحد الأئمة السبعة (ت١٢٠هـ). انظر: التاريخ الكبير (٥/ ١٨١)، الجرح والتعديل (٥/ ١٤٤)، تاريخ الإسلام (٤/ ٢٦٨، ٢٦٩)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٦٧)، طبقات القراء (١/ ٤٣٣، ٤٤٤)، غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٤٤٣).
(٣) أبو عمرو ابن العلاء بن عمار بن العريان المازني المقرئ، النحوي البصري الإمام، مقرئ أهل البصرة، أحد الأئمة السبعة، اسمه: زبّان، على أصح الأقوال، أخذ القراءة عن أهل الحجاز وأهل البصرة، فعرض بمكة على مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة بن خالد وابن كثير، وعرض بالبصرة على يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم والحسن وغيرهم، وحدّث عن أنس ابن مالك وعطاء بن أبي رباح (ت١٥٤هـ). انظر: تاريخ البخاري (٩/ ٥٥)، طبقات الزبيدي (ص: ٢٨–١٢٦)، مراتب النحويين (ص: ١٣)، تذهيب التهذيب (٤/ ٢٢٥)، تاريخ الإسلام (٦/ ٣٢٢)، العبر للذهبي (١/ ٢٢٣)، أخبار النحويين البصريين (ص: ٢٢)، طبقات القراء لابن الجزري (١/ ٢٨٨).
(٤) عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة بن عامر بن عبد الله بن عمران اليحصُبي، نسبةً إلى يحصب بن دهمان، أحد الأئمة السبعة، وإمام أهل الشام في القراءة، والذي انتهت إليه مشيخة الإقراء بها، أخذ القراءة عرضًا عن أبي الدرداء، وعن المغيرة بن أبي شهاب صاحب عثمان بن عفان، روى القراءة عنه عرضًا يحيى بن عامر وربيعة بن يزيد وجعفر بن ربيعة (ت١١٨هـ). انظر: التاريخ الصغير (١/ ١٠٠، و١٦٤)، الجرح والتعديل (٥/ ١٢٢)، تاريخ الإسلام (٣/ ٢٦٧)، ميزان الاعتدال (٢/ ٤٤٩)، طبقات القراء (١/ ٤٢٣)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٧٤).
(٥) عاصم بن بهدلة، أبي النَّجُود أبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي الحناط، شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القراء السبعة، وهو الإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، أخذ القراءة عرضًا عن زر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي، روى القراءة عنه أبان بن تغلب وأبان بن يزيد العطار وحفص بن سليمان وأبو بكر شعبة بن عياش (ت١٢٧هـ). انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٤٨٧)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٠)، تاريخ ابن عساكر (٣/ ٢٦)، وفيات الأعيان (٣/ ٩)، تاريخ الإسلام (٥/ ٨٩)، ميزان الاعتدال (٢/ ٣٥٧)، طبقات القراء (١/ ٣٤٦).

1 / 18

وحمزة (١)، والكسائي -هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا. قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة، ووافق خط المصحف العثماني لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم؛ إذ لا شك أن هذه القراءات السبع مقطوع بها من عند الله تعالى وهي التي اقتصر عليها الشاطبي (٢)، وبالغ النووي (٣) في أسئلته؛ حيث قال: لو حلف إنسان بالطلاق الثلاث: إن قرأ القراءات السبع لا حنث عليه، ومثلها الثلاث التي هي قراءة: أبي جعفر، ويعقوب، وخلف (٤).

(١) حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل، الإمام أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان الأعمش وأبي إسحاق السبيعي ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد الصادق، وقرأ الحروف على الأعمش، وعرض على الأعمش وأبي إسحاق وابن أبي ليلى، قرأ عليه وروى القراءة عنه إبراهيم بن أدهم وإبراهيم ابن إسحاق بن راشد وإبراهيم بن طعمة وإبراهيم ابن علي الأزرق وإسحاق بن يوسف الأزرق وإسرائيل بن يونس السبيعي وسليم بن عيسى وهو أضبط أصحابه (ت١٥٦هـ). انظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٥)، التاريخ الكبير (٣/ ٥٢)، مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٦٨)، وفيات الأعيان (٢/ ٢١٦)، تاريخ الإسلام (٦/ ١٧٤ – ١٧٥)، طبقات القراء لابن الجزري (١/ ٢٦١ – ٢٦٣).
(٢) القاسم بن فِيرُّه بن خلف بن أحمد الرعيني، أبو محمد الشاطبي: إمام القراء، كان ضريرًا، ولد بشاطبة في الأندلس وتوفي بمصر، وهو صاحب «حرز الأماني»، وكان عالمًا بالحديث والتفسير واللغة، قال ابن خلّكان: «كان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ، تصحح النسخ من حفظه». والرعيني نسبة إلى ذي رعين أحد أقيال اليمن (ت٥٩٠ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٥/ ١٨٠).
(٣) يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوراني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محيي الدين: علامة بالفقه والحديث، مولده ووفاته في نوا «من قرى حوران، بسورية»، وإليها نسبته، تعلم في دمشق، وأقام بها زمنًا طويلًا، من كتبه: تهذيب الأسماء واللغات، ومنهاج الطالبين، والدقائق، وتصحيح التنبيه -في فقه الشافعية، والمنهاج في شرح صحيح مسلم، والتقريب والتيسير -في مصطلح الحديث، وحلية الأبرار -يُعرف بالأذكار النووية، وخلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام، ورياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، وبستان العارفين، والإيضاح -في المناسك، وشرح المهذب للشيرازي، وروضة الطالبين -فقه، والتبيان في آداب حملة القرآن، والمقاصد -رسالة في التوحيد، ومختصر طبقات الشافعية لابن الصلاح، ومناقب الشافعي، والمنثورات -فقه، وهو كتاب فتاويه، ومختصر التبيان -مواعظ، ومنار الهدى -في الوقف والابتداء، تجويد، والإشارات إلى بيان أسماء المبهمات -رسالة، والأربعون حديثا النووية -شرحها كثيرون (ت٦٧٦ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ١٤٩).
(٤) خلف بن هشام بن ثعلب بن خلف بن ثعلب بن هشيم أبو محمد الأسدي، الإمام العلم أبو محمد البزار البغدادي، أحد القراء العشرة، وأحد الرواة عن سليم عن حمزة، روى القراءة عنه عرضًا وسماعًا أحمد بن إبراهيم وراقه وأخوه إسحاق بن إبراهيم وأحمد بن يزيد الحلواني وإدريس بن عبد الكريم الحداد (ت٢٢٩هـ). انظر: القراء الكبار (١/ ٢٠٨)، غاية النهاية (١/ ٢٧٤)، تاريخ بغداد (٨/ ٣٢٢)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧٦).

1 / 19

وكلها متواتر تجوز القراءة به في الصلاة وغيرها، واختلف فيما وراء العشرة وخالف خط المصحف الإمام، فهذا لا شك فيه أنه لا تجوز قراءته في الصلاة ولا في غيرها، وما لا يخالف تجوز القراءة به خارج الصلاة، وقال ابن عبد البر (١): لا تجوز القراءة بها ولا يصلى خلف من قرأ بها، وقال ابن الجزري (٢): تجوز مطلقًا إلَّا في الفاتحة للمصلي، انظر: شرح العباب للرملي (٣).

(١) ابن عبد البر (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ = ٩٧٨ - ١٠٧١ م) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر: من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة، يقال له: حافظ المغرب، ولد بقرطبة، ورحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقيها، وولي قضاء لشبونة وشنترين، وتوفي بشاطبة، من كتبه: الدرر في اختصار المغازي والسير، والعقل والعقلاء، والاستيعاب -في تراجم الصحابة، وجامع بيان العلم وفضله، والمدخل -في القراءات، وبهجة المجالس وأنس المجالس -في المحاضرات، واختصره ابن ليون وسماه: بغية المؤانس من بهجة المجالس، والانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء -ترجم به مالكًا وأبا حنيفة والشافعي، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، والاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار -وهو اختصار: التمهيد، والقصد الأمم -في الأنساب، والإنباه على قبائل الرواه، والتقصي لحديث الموطأ، أو تجريد التمهيد، والإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف، والكافي في الفقه، ونزهة المستمتعين وروضة الخائفين، وذكر التعريف بجماعة من الفقهاء أصحاب مالك، وفي من عُرف من الصحابة بكنيته، والثاني: المعروفون بالكُنى من حملة العلم، والثالث: من لم يذكر له اسم سوى كنيته، من رجال الحديث. انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢٤٠).
(٢) محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير، شمس الدين، العمري الدمشقي ثم الشيرازي الشافعي، الشهير بابن الجزري: شيخ الإقراء في زمانه، من حفاظ الحديث، ولد ونشأ في دمشق، وابتنى فيها مدرسة سماها: (دار القرآن)، ورحل إلى مصر مرارًا، ودخل بلاد الروم، وسافر مع تيمورلنك إلى ما وراء النهر، ثم رحل إلى شيراز فولي قضاءها، ومات فيها، نسبته إلى (جزيرة ابن عمر)، من كتبه: النشر في القراءات العشر، وغاية النهاية في طبقات القراء، اختصره من كتاب آخر له اسمه: نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات، والتمهيد في علم التجويد، وملخص تاريخ الإسلام، وذات الشفاء في سيرة النبي والخلفاء -منظومة، وفضائل القرآن، وسلاح المؤمن -في الحديث، ومنجد المقرئين، والحصن الحصين -في الأدعية والأذكار المأثورة، وحاشية عليه سماها: مفتاح الحصن الحصين، ومختصر عدة الحصن الحصين، والتتمة في القراءات، وتحبير التيسير -في القراءات العشر، وتقريب النشر في القراءات العشر، والدرة المضية -في القراءات، وطيبة النشر في القراءات العشر -منظومة، والمقدمة الجزرية -أرجوزة في التجويد، وأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب، والهداية في علم الرواية -في المصطلح، والمصعد الأحمد في ختم مسند الأمام أحمد -في الحديث، وله نظم، أكثره أراجيز في القراءات
(ت٨٣٣ هـ). الأعلام للزركلي (٧/ ٤٥).
(٣) الرملي (٧٧٣ - ٨٤٤ هـ = ١٣٧١ - ١٤٤٠ م) أحمد بن حسين بن حسن بن علي بن أرسلان، أبو العباس، شهاب الدين، الرملي: فقيه شافعي، ولد بالرملة (بفلسطين) وانتقل في كبره إلى القدس، فتوفي بها، وكان زاهدًا متهجدًا، له: الزبد -منظومة في الفقه، ويقال لها: صفوة الزبد، وشرح سنن أبي داود، ومنظومة في علم القراءات، وشرح البخاري، وطبقات الشافعية -تراجم، وتصحيح الحاوي -فقه، وإعراب الألفية -نحو. انظر: الأعلام للزركلي (١/ ١١٧).

1 / 20

والشاذ: ما لم يصح سنده نحو: «لقد جاءكم رسول من أنفَسكم» بفتح الفاء (١)، و«إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ» برفع (اللهُ)، ونصب (العلماءَ) (٢)، وكذا كل ما في إسناده ضعف؛ لأن القرآن لا يثبت إلَّا بالتواتر عن النبي ﷺ سواء وافق الرسم أم لا. قال مكي: ما روي في القرآن ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به ويكفر جاحده وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف، وقسم صح نقله عن الأجلاء وصح في العربية وخالف لفظه الخط فيقبل ولا يقرأ به، وقسم نقله ثقة ولا وجه له في العربية، أو نقله غير ثقة فلا يقبل، وإن وافق خط المصحف؛ فالأول: كـ «ملك»، و«مالك». والثاني: كقراءة ابن عباس: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة» (٣) واختلف في القراءة بذلك، فالأكثر على المنع؛ لأنها لم تتواتر وإن ثبتت بالنقل فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة. ومثال الثالث وهو ما نقله غير ثقة كثير، وأما ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية فلا يكاد يوجد.
وقد وضع السلف علم القراءات دفعًا للاختلاف في القرآن، كما وقع لعمر بن الخطاب مع أُبَيِّ بن كعب (٤) حين سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير ما سمعها هو من النبي ﷺ فأخذه ومضى به إلى رسول الله ﷺ فأمر النبي ﷺ كل واحد أن يقرأ، فقرأ كل واحد ما سمعه فقال النبي ﷺ: «هكذا أنزل» (٥)، ولا

(١) وهي قراءة محبوب وعبد الله بن قسيط، ويعقوب في غير المتواتر. انظر هذه القراءة في: إتحاف الفضلاء (ص: ٢٤٦)، تفسير القرطبي (٨/ ٣٠١)، الكشاف (٢/ ٢٢٣)، المحتسب لابن جني (١/ ٣٠٦).
(٢) وقرأ بها عمر بن عبد العزيز- أبو حيوة- أبو حنيقة. انظر هذه القراءة في: الإملاء للعكبري (٢/ ١٠٨)، البحر المحيط (٧/ ٣١٢)، تفسير القرطبي (١٤/ ٣٤٤)، الكشاف (٣/ ٣٠٨)، تفسير الرازي (٢٦/ ٢١).
(٣) وكذا رويت عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وأُبيّ، وهي قراءة شاذة. انظر هذه القراءة في: البحر المحيط (٦/ ١٥٤)، تفسير الطبري (١٦/ ٣)، تفسير القرطبي (١١/ ٣٤)، الكشاف (٢/ ٤٩٥).
(٤) لم أقف عليه في أيٍّ من المصادر التي رجعت إليها من كتب السنن، أن ما حدث كان مع أُبي، ولكن ما وجدته فقد حدث بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، وليس أُبي بن كعب!!.
(٥) وقد وقفت على نحوه في المسند الجامع: عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ يَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكِدْتُ أَنْ أُسَاوِرَهُ فِي الصَّلاَةِ، فَنَظَرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلمَّا سَلَّمَ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي تَقْرَؤُهَا؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللهِ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي تَقْرَؤُهَا، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ. أخرجه مالك «الموطأ» (ص:٥٤٠)، وأحمد (١/ ٤٠)، برقم: (٢٧٧)، قال: حدَّثنا عَبْد الرَّحْمان. والبُخَارِي (٣/ ١٦٠)، برقم: (٢٤١٩)، قال: حدَّثنا عَبْد الله بن يُوسُف. ومسلم (٢/ ٢٠٢)، برقم: (١٨٥١)، قال: حدَّثنا يَحيى ابن يَحيى. وأبو داود برقم: (١٤٧٥)، قال: حدَّثنا القَعْنَبِي. والنَّسائي (٢/ ١٥٠)، وفي الكبرى برقم: (١٠١١، و٧٩٣١)، قال: أَخْبَرنا مُحَمد بن سَلَمَة، والحارث بن مِسْكين، قراءةً عليه وأنا أَسْمع، عن ابن القاسم. وبرقم: (١١٣٠٢)، قال: أَخْبَرنا مُحَمد بن سَلَمَة، أَخْبَرنا ابن القاسم.

1 / 21

شك أن القبائل كانت ترد على النبي ﷺ وكان يترجم لكل أحد بحسب لغته، فكان يمد قدر الألف والألفين والثلاثة لمن لغته كذلك، وكان يفخم لمن لغته كذلك، ويرقق لمن لغته كذلك، ويميل لمن لغته كذلك.
وأما ما يفعله قراء زماننا من أن القارئ كل آية يجمع ما فيها من اللغات فلم يبلغنا وقوعه عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، قاله الشعرواي (١) في (الدرر المنثورة في بيان زبدة العلوم المشهورة).
وينبغي للقارئ أن يقطع الآية التي فيها ذكر النار، أو العقاب عما بعدها إذا كان بعدها ذكر الجنة، ويقطعها أيضًا عما بعدها إن كان بعدها ذكر النار، نحو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ هنا الوقف، ولا يوصل ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾، ونحو:
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ هنا الوقف، ولا يوصله بما بعده، ونحو: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ هنا الوقف، فلا يوصله بما بعده من قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ونحو قوله في التوبة: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ هنا الوقف، فلا يوصله بما بعده من قوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾، وكذا كل ما هو خارج عن حكم الأول -فإنه يقطع.

(١) الشعراني (٨٩٨ - ٩٧٣ هـ = ١٤٩٣ - ١٥٦٥ م) عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبة إلى محمد ابن الحنفية، الشعراني، أبو محمد: من علماء المتصوفين، ولد في قلقشندة (بمصر)، ونشأ بساقية أبي شعرة (من قرى المنوفية)، وإليها نسبته: (الشعراني، ويقال الشعراوي) وتوفي في القاهرة، له تصانيف منها: الأجوبة المرضية عن أئمة الفقهاء والصوفية، وأدب القضاة، وإرشاد الطالبين إلى مراتب العلماء العالمين، والأنوار القدسية في معرفة آداب العبودية، والبحر المورود في المواثيق والعهود، والبدر المنير -في الحديث، وبهجة النفوس والأسماع والأحداق فيما تميز به القوم من الآداب والأخلاق، وتنبيه المغترين في آداب الدين، وتنبيه المفترين في القرن العاشر، على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر، والجواهر والدرر الكبرى، والجواهر والدرر الوسطى، وحقوق أخوة الإسلام -مواعظ، والدرر المنثورة في زبد العلوم المشهورة -رسالة، ودرر الغواص -من فتاوى الشيخ علي الخواص، وذيل لواقح الأنوار، والقواعد الكشفية -في الصفات الإلهية، والكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر، وكشف الغمة عن جميع الأمة، ولطائف المنن -يُعرف بالمنن الكبرى، ولواقح الأنوار في طبقات الأخيار -يُعرف بطبقات الشعراني الكبري، ولواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية، ومختصر تذكرة السويدي -في الطب، ومختصر تذكرة القرطبي -مواعظ، وإرشاد المغفلين من الفقهاء والفقراء، إلى شروط صحبة الأمراء، ولطائف المنن والأخلاق، والسالكين إلى رسوم طريق العارفين، ومشارق الأنوار، والمنح السنية -شرح وصية المتبولي، ومنح المنة التلبس بالسنة، والميزان الكبرى، واليواقت والجواهر في عقائد الأكابر. انظر: الأعلام للزركلي (٤/ ١٨١).

1 / 22

قال السخاوي (١): ينبغي للقارئ أن يتعلم وقف جبريل؛ فإنه كان يقف في سورة آل عمران عند قوله: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾، ثم يبتدئ: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، والنبي ﷺ يتبعه، وكان النبي ﷺ يقف في سورة البقرة، وسورة المائدة عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وكان يقف على قوله: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وكان يقف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، ثم يبتدئ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وكان يقف: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، ثم يبتدئ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾، وكان يقف: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾، ثم يبتدئ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، وكان يقف: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾، ثم يبتدئ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، وكان يقف: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فحشر﴾، ثم يبتدئ: ﴿فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾، وكان يقف: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ثم يبتدئ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، فكان ﷺ يتعمد الوقف على تلك الوقوف، وغالبها ليس رأس آية، وما ذلك إلَّا لعلم لدنيٍّ عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجهله من جهله، فاتباعه سُنَّة في جميع أقواله وأفعاله.
الفائدة الثانية في الوقف والابتداء: وهو لغةً: الكف عن الفعل والقول، واصطلاحًا: قطع الصوت آخر الكلمة زمنًا ما، أو هو قطع الكلمة عما بعدها، والوقف والقطع والسكت بمعنى، وقيل: القطع عبارة عن قطع القراءة رأسًا، والسكت عبارة عن قطع الصوت زمنًا ما دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، والناس في اصطلاح مراتبه مختلفون كل واحد له اصطلاح، وذلك شائع؛ لما اشتهر أنه لا مشاحة في الاصطلاح، بل يسوغ لكل أحد أن يصطلح على ما شاء كما صرح بذلك صدر الشريعة وناهيك به، فقال ابن الأنباري (٢)، والسخاوي: مراتبه ثلاثة: تام، وحسن، وقبيح. وقال غيرهما: أربعة: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك، وقال السجاوندي: خمسة: لازم، ومطلق، وجائز، ومجوز لوجه، ومرخص ضرورة، وقال غيره: ثمانية: تام، وشبيه، وناقص، وشبيه،

(١) علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري السخاوي الشافعي، أبو الحسن، علم الدين: عالم بالقراءات والأصول واللغة والتفسير، وله نظم، أصله من صخا (بمصر) سكن دمشق، وتوفي فيها، ودفن بقاسيون، من كتبه: جمال القرء وكمال الإقراء -في التجويد، وهداية المرتاب -منظومة في متشابه كلمات القرآن، مرتبة على حروف المعجم، والمفضل، شرح المفصل للزمخشري، والمفاخرة بين دمشق والقاهرة، وسفر السعادة، وشرح الشاطبية -وهو أول من شرحها، وكان سبب شهرتها، والكوكب الوقاد -في أصول الدين (ت٦٤٣ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٤/ ٣٣٢).
(٢) ابن الأنباري (٢٧١ - ٣٢٨ هـ = ٨٨٤ - ٩٤٠ م) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري: من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظًا للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن، ولد في الأنبار (على الفرات)، وتوفي ببغداد، وكان يتردد إلى أولاد الخليفة الراضي بالله يعلمهم، من كتبه: الزاهر -في اللغة، وشرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، وإيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عزوجل، والهاءات، وعجائب علوم القرآن، وشرح الألفات، وخلق الإنسان، والأمثال، والأضداد، وأجل كتبه: غريب الحديث، قيل: إنه ٤٥٠٠٠ ورقة. وله: الأمالي. انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٣٣٤).

1 / 23