93

Mawsūʿat al-akhlāq al-Islāmiyya

موسوعة الأخلاق الإسلامية

Publisher

موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net

الرسول ﷺ القدوة في الأمانة
(أشهر من اتصف بالأمانة هو نبينا محمد ﷺ في كل أمور حياته، قبل البعثة وبعدها.
أما أمانته قبل البعثة: فقد عرف بين قومه قبل بعثته بالأمين ولقب به، فها هي القبائل من قريش لما بنت الكعبة حتى بلغ البنيان موضع الركن – الحجر الأسود – اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون القبيلة الأخرى حتى تخالفوا وأعدوا للقتال، فمكثت قريش على ذلك أربع ليالي أو خمسًا، ثم تشاوروا في الأمر، فأشار أحدهم بأن يكون أول من يدخل من باب المسجد هو الذي يقضي بين القبائل في هذا الأمر، ففعلوا، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر، قال ﵊: «هلم إلي ثوبًا، فأتى به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثم بنى عليه». (١)
ولقد كان السبب في زواجه ﷺ بخديجة – ﵂ – هو الأمانة، فقد تاجر ﷺ في مال خديجة قبل البعثة، وقد اتصف في تجارته بصدق الحديث، وعظيم الأمانة، يقول ابن الأثير في هذا الصدد: (فلما بلغها – أي خديجة – عن رسول الله ﷺ صدق الحديث، وعظيم الأمانة، وكرم الأخلاق، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره مع غلامها ميسرة فأجابها، وخرج معه ميسرة) (٢)، ولما عاد إلى مكة، وقص عليها ميسرة أخبار محمد ﷺ قررت الزواج به.
والمواقف التي تدل على أمانته ﷺ قبل البعثة كثيرة.
أما أمانته بعد البعثة: فقد أدى الرسول ﷺ الأمانة الكبرى التي تكفل بها، وهي الرسالة أعظم ما يكون الأداء، وتحمل في سبيلها أعظم أنواع المشقة.
وقد شهد له العدو قبل الصديق بأمانته، ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في حوار أبي سفيان (قبل إسلامه) وهرقل، حيث قال هرقل: (سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي) ... وفي موضع آخر يقول هرقل: (وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون).
وقد كان ﷺ أحرص الناس على أداء الأمانات والودائع للناس حتى في أصعب وأحلك الأوقات، فهاهي قريش تودع عنده أموالها أمانة لما يتوسمون فيه من هذه الصفة، وها هو ﷺ يخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة فماذا يفعل في أمانات الناس التي عنده (قال لعلي بن أبي طالب – ﵁: نم على فراشي، واتشح ببردي الأخضر، فنم فيه، فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه، وأمره أن يؤدي ما عنده من وديعة وأمانة) (٣) (٤).

(١) «السيرة النبوية» لابن هشام (١/ ١٣٨).
(٢) «الكامل» لابن الأثير: (٢/ ٢٦)؛ و«السيرة النبوية» لابن هشام (١/ ١٣٩).
(٣) رواه الطبري في «تاريخه» (٢/ ٣٧٢)، وابن الأثير في «الكامل» (٢/ ٧٣).
(٤) «الأخلاق الإسلامية» لحسن المرسي (ص ١٧٣).

1 / 92