Mawsūʿat al-akhlāq al-Islāmiyya
موسوعة الأخلاق الإسلامية
Publisher
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
العمل بالحيل يفتح باب الخيانة
قال ابن تيمية: (أخبر النبي ﷺ: «أن أول ما يفقد من الدين الأمانة، وآخر ما يفقد منه الصلاة» (١)، وحدَّث عن رفع الأمانة من القلوب الحديث المشهور وقال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم فذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة، ثم ذكر أن بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (٢)، وهذه أحاديث صحيحة مشهورة. ومعلوم أن العمل بالحيل يفتح باب الخيانة والكذب، فإن كثيرا من الحيل لا يتم إلا أن يتفق الرجلان على عقد يظهرانه ومقصودهما أمر آخر، كما ذكرنا في التمليك للوقف، وكما في الحيل الربوية، وحيل المناكح، وذلك الذي اتفقا عليه إن لزم الوفاء به كان العقد فاسدا. وإن لم يلزم فقد جوزت الخيانة والكذب في المعاملات، ولهذا لا يطمئن القلب إلى من يستحل الحيل خوفا من مكره، وإظهاره ما يبطن خلافه وفي الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» (٣)، والمحتال غير مأمون، وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمر: «كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأمانتهم واختلفوا فصاروا هكذا وشبك بين أصابعه قال: فكيف أفعل يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم» (٤). وهو حديث صحيح وهو في بعض نسخ البخاري، والحيل توجب مرج العهود والأمانات وهو قلقها واضطرابها، فإن الرجل إذا سوغ له من يعاهد عهدا، ثم لا يفي به، أو أن يؤمن على شيء فيأخذ بعضه بنوع تأويل ارتفعت الثقة به وأمثاله، ولم يؤمن في كثير من الأشياء أن يكون كذلك، ومن تأمل حيل أهل الديوان وولاة الأمور التي استحلوا بها المحارم، ودخلوا بها في الغلول والخيانة، ولم يبق لهم معها عهد ولا أمانة علم يقينا أن الاحتيال والتأويلات أوجب عظم ذلك، وعلم خروج أهل الحيل من قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: ٨]، و[المعارج: ٣٢]، وقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:٧]، ومخالفتهم لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨]، وقوله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨]، وقوله تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة:١]، وقوله ﷺ: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (٥» (٦).
(١) رواه الطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٢٣٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٧٤) والبيهقي في «الشعب» (٧/ ٢١٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. قال البيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ١٨٥٨): تفرد به حكيم بن نافع، وروي من وجه آخر. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٢٤): فيه حكيم بن نافع وثقه ابن معين وضعفه أبو زرعة وبقية رجاله ثقات. وذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (٢٨١٩)، والألباني في «صحيح الجامع» (٢٥٧٥) من حديث زيد بن ثابت ﵁، وحسناه.
(٢) رواه الترمذي (٢٢٢٢)، وأحمد (٤/ ٤٢٦) (١٩٨٣٦) واللفظ له، وابن حبان (١٥/ ١٢٣) من حديث عمران بن حصين ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٩٤)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٢٢٢).
(٣) رواه الترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (٤٩٩٥)، وأحمد (٢/ ٣٧٩) (٨٩١٨) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (٩٢٠٧)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٧١٠).
(٤) رواه أبو يعلى (٩/ ٤٤٢) (٥٥٩٣) من حديث ابن عمر ﵄. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٨/ ٥٧): [فيه] سفيان بن وكيع وهو ضعيف. وروى البخاري شطره الأول (٤٨٠)، ورواه بتمامه: أبو داود (٤٣٤٢)، وأحمد (٢/ ١٦٢) (٦٥٠٨) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وحسن إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ٢٩١)، وصحح إسناده أحمد شاكر في «تخريج المسند» (١٠/ ١٠).
(٥) رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والدارمي (٢٦٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الإمام الشافعي كما في «السنن الكبرى للبيهقي» (١٠/ ٢٧١): ليس بثابت. وقال الإمام أحمد كما في «خلاصة البدر المنير» (٢/ ١٥٠): باطل لا أعرفه عن النبي ﷺ من وجه صحيح، وله طرق ستة كلها ضعاف. وقال أبو حاتم الرازي في «المحرر» (٣٢٨): منكر.
(٦) «إقامة الدليل على إبطال التحليل» لابن تيمية (ص٣٠٣ - ٣٠٦).
1 / 95