Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه السماع، وفيه القول في ثلاثة مواضع؛ وفيه أن أيمن من أفراد البخاري، وفيه أن رُواته ما بين كوفي ومكِّي.
قوله: (قَالَتْ: والَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حتَّى لَقِيَ الله، وَمَا لَقِيَ الله حتَّى ثَقُلَ عنِ الصَّلاة، وكَانَ يصلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قاعِدًا، يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا ولَا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ مَخَافَةَ أنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ)؛ مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر اختلاف الألفاظ في هذا الحديث وفي لفظ للبخاري: (مَا ترك السَّجْدَتَيْنِ بعد العَصْر عِنْدِي قطّ)، وفي لفظ: (رَكْعَتَانِ لم يكن يدعهما سرًا وَلَا عَلَانيَة: رَكْعَتَانِ قبل الصُّبْح، وركعتان بعد الْعَصْر)، وَفِي لفظ: (مَا كَانَ يأتيني فِي يَوْم بعد العَصْر إلَّا صلَّى رَكْعَتَيْنِ)، وَعند مُسلم: «كَانَ يُصَلِّيهمَا قبل العَصْرِ ثمَّ إنَّه شغل عَنْهُمَا أَو نسيهما فصلَّاهما بعد العَصْر، ثمَّ أثبتهما؛ وكَانَ إِذا صلَّى صَلَاةً أثبتها»، وَعند الدَّارَقُطْني: «كَانَ لَا يدع رَكْعَتَيْنِ قبل الفجْر وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر»، وَفِي لفظ: «دَخَلَ عَلَيْهَا بَعدَ العَصْرِ فصلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقلت: يَا رَسُول اللهِ أحدث بِالنَّاسِ شَيْء؟ فقالَ: لَا، إلَّا أَن بِلَالًا عَجَّلَ الْإِقَامَة فَلم أصلِ الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْرِ فَأَنا أقضيهما الآن؛ قلت: يَا رَسُول الله! أفنقضيهما إِذا فاتتا؟ قَالَ: لَا»؛ وقد تقدَّم آنفًا أن هذا حديث ضعيف، قال شيخنا: أخرجه الطَّحاوي واحتجَّ بها على أن ذلك كان من خصائصه ﷺ وفيه ما فيه وَفِي لفظ: «كَانَ يصلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بعد العَصْر وَينْهى عَنْهُمَا»، وَفِي لفظ: «وَلم أره عَاد لَهما»، وَفي لَفظ محمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سُفْيَان: أَن مُعَاوِيَة أرسل إِلَيْهَا يسْأَلهَا عَن هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَت: لَيْسَ عِنْدِي صَلَّاهُمَا، وَلَكِنَّ أمَّ سَلمَةَ حَدَّثتنِي، فَذكره.
قوله: «والَّذِي ذَهَبَ بِهِ»، وفي رواية الإسماعيلي والبَيْهَقي: «والذي ذَهَبَ بنفسِهِ»، أي برسول الله ﷺ، حلفت عائشة بالله على أنَّ رسول الله ﷺ ما ترك الركعتين بعد العصر حتَّى مات.
قوله: (ثَقُلَ) بضمِّ القاف.
قوله: (قَاعِدًا) نصب على الحال.
قوله: (مَخَافَةَ) نصب على التعليل أي لأجل المخافة، وهو مصدر ميمي بمعنى: الخوف. وكلمة: (أَنْ) في: (أَنْ يُثقِّلَ) مصدريَّة أي مخافة التثقيل على أمَّته، و(يُثقِّلَ)، بضمِّ الياء وتشديد القاف المكسورة من التثقيل، ويروى بفتح الياء وضمِّ القاف.
قول: (مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ)، أي عن أمَّته، و(يُخفِّفُ) [بضمِّ الياء] (^١) وكسر الفاء المشددة من التخفيف، هذه رواية المُسْتَمْلي، وغيره روى: ما خفَّف، بصيغة الماضي؛ وسيأتي الكلام على ذلك في أعلام النُّبوَّة إن شاء الله تعالى.
قالوا: احتجَّ بهذا الأحاديث من أجاز التنفُّل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصَّلاة عند غروب الشمس، وأورده البخاري في قضاء الفائتة بعد العصر، ولهذا ترجم عليه به، قال العَيني: ونحن نقول أي الحنفيَّة كما قلنا غير مرة: إن هذا كان من خصائصه ﵇، ومن الدليل عليه ما رواه أبو داود من حديث ذكوان مولى عائشة أنَّها حدَّثته أنَّه ﵇: «كَانَ يصلِّي بعد العَصْر وَينْهى عَنْهَا، ويواصل وَيُنْهِي عَن الوِصَال»، وروى التِّرْمِذي من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبَّاس قال: «إِنَّمَا صلَّى النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بعد العَصْرِ لأنَّه أَتَاهُ مَالٌ فَشَغلهُ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الظّهْر فصلَّاهما بعد العَصْرِ، ثمَّ لم يَعدْ»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيث حسن. قال شيخنا: هو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه
(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.
بعد اختلاطه، وإن صحَّ فهو شاهد لحديث أمِّ سلمة لكن ظاهر قوله: (ثمَّ لم يعد)، معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فيحمل النَّفي على علم الرَّاوي فإنَّه لم يطلِّع على ذلك، والمثبت يقدَّم على النافي، وكذا ما رواه النَّسائي من طريق أبي سلمة عن أمِّ سلمة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صلَّى فِي بَيْتِهَا بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ مرةً وَاحِدَةً» الحديث، وفي رواية له عنها: «لم أره يصلِّيها قبل ولا بعد»، فيجمع بين الحديثين بأنَّه ﵇ لم يكن يصلِّيهما إلَّا في بيته، فلذلك لم يرَه ابن عبَّاس ولا أمُّ سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في الرواية الأولى، وكان لا يصلِّيهما في المسجد مخافة أن يُثقل على أمَّته، قَالَ: وَقد روي عن غير وَاحِد: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّه صلَّى بَعدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ»، وَهَذَا خلاف مَا رُوِيَ أَنه نهى عَن الصَّلاة بعد العَصْر حتَّى تغرب الشَّمْس، وحديث ابن عبَّاس أصحُّ، حَيْثُ قَالَ: لم يعد لَهما.
قال شيخنا: وقد تقدَّم نقل المذاهب في ذلك، وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأنَّ فعله هذا يدلُّ على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأمَّا مواظبته ﵇ على ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أي المتقدِّمة، قال شيخنا أيضًا قوله: (أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ...) إلى آخره، وللإسماعيلي من طريق أبي زُرْعَة عن أبي نُعَيم شيخ البخاري فيه: إنَّه دخل عليها فسألها عن ركعتين بعد العصر، فقالت: والذي ذهب بنفسه يعني رسول الله ﷺ، وزاد فيه أيضًا فقال لها أيمن: أنَّ عُمَر كان ينهى عنهما ويضرب عليهما، فقالت: صدقت، ولكن كان رسول الله ﷺ يصلِّيهما فذكره؛ والخبر بذلك عن عُمَر أيضًا ثابت في رواية كُرَيب عن أمِّ سلمة؛ الَّتي ذكرنا أنَّها في باب اذا كلَّم وهو يصلِّي؛ ففي أوَّل الخبر عن كُرَيب: أنَّ ابن عبَّاس والمِسْوَر بن مَخرَمَة وعبد الرحمن بن أَزْهَر أرسلوه إلى عائشة فقال: «اقرأْ ﵍ منَّا جميعًا، وسلْها عنِ الركعتينِ بعدَ صلاةِ العصرِ، وقلْ لها أُخبرنا أنَّكِ تصلِّيهما، وقدْ بلغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عنهما»، وقال ابن عبَّاس: وقدْ كنتُ أضربُ النَّاس معَ عُمَر عليها الحديث.
تنبيه: روى عبد الرزَّاق من حديث زيد بن خالد: سبب ضرب عُمَر النَّاس على ذلك، فقال عن زيد بن خالد: أنَّ عُمَر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه، فذكر الحديث، وفيه فقال عمر: يا زيد لولا أنَّي أخشى أن يتخذها النَّاس سُلَّمًا إلى الصَّلاة حتَّى اللَّيل لم أضرب فيهما، فلعلَّ عُمَر كان يرى أن النَّهي عن الصَّلاة بعد العصر إنَّما هو خشية إيقاع الصَّلاة عند غروب الشَّمس، وهو موافق قول ابن عُمَر الماضي، وما نقلناه عن ابن المنذر وغيره، وقد روى يحيى بن بكير عن اللَّيث عن أبي الأسود عن عُرْوَة عن تميم الدَّاري نحو رواية زيد بن خالد وجواب عُمَر له وفيه: ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلُّون ما بين العصر إلى الغروب، حتَّى يمرُّوا بالسَّاعة الَّتي نهى رسول الله ﷺ أن يصلَّى فيها، وهذا أيضًا يدلُّ لما قلناه والله أعلم.
٥٩١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي
1 / 109