كما بعثت القبائل الوفود إلى رسول الله ﷺ، وكل ذلك من أجل إيصال أمر أو أخذ علم، وأيضًا لما في المبعوثين من فوائد تختلف عن الرسائل المكتوبة؛ فالرسل يستطيعون أن يفاوضوا ويناقشوا ويتحسسوا، والفطِن منهم يستطيع أن يُقنع من أُرسل إليه، وأن يقربوا وجهات النظر، فهم رسائل ناطقة، ولديها إحساس واعٍ يقيِّم الوضع وينطق بما هو مناسب للمقام الذي فيه المبعوث.
لذلك كان لا يرسَل المبعوث إلا بعد أن تتوافر فيه مميزات المناقش الجيد والمحاور الفطن والعالم بما هو ذاهب إليه، فهو وسيلة موثوقة، وأداة فعالة ومتجاوبة لكل الظروف التي تطرأ، وتستطيع التفاعل والتعامل مع المتغيرات، فمن هنا استفاد الخلفاء والقادة من الصحابة من هذه الوسيلة العملية وقاموا باستخدامها في دعوة الناس والقادة والملوك إلى الإسلام.
فقد بعث سعد بن أبي وقاص ﵁ وفدًا إلى يزدجرد يدعونه إلى الإسلام منهم النعمان بن مقرن والمغيرة بن زرارة الأسدي وعاصم بن عمرو (^١)، وقد نقلوا له رسالة الإسلام وأوصلوا إليه بلاغ الدعوة، إلا أنه تكبر وأبى. ومن البعوث أيضًا ربعي بن عامر عندما ذهب إلى رستم قائد الفرس فذكر له عدل الإسلام وموعود الله. وكذلك بعث سعد بن أبي وقاص حذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة لمناقشة الفرس وإبلاغهم الدعوة (^٢).
(^١) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي، ٣/ ٨٩ - ٩٠.
(^٢) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٩٣ - ٩٤.