Ṭuruq al-kashf ʿan maqāṣid al-shāriʿ
طرق الكشف عن مقاصد الشارع
Publisher
دار النفائس للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
Publisher Location
الأردن
Genres
•Science of Objectives
Regions
Algeria
حتى علت أصواتهما في المسجد وسمعها رسول الله ﷺ من حجرته، فأشار على كعب ابن مالك أن يضع نصف الدين، وكان في ذلك شافعًا لعبد الله بن أَبِي حدرد، ولم بين أمره لكعب بوضِع الشطر من باب التشريع الملزم. أخرج البخاري عن عَبْد الله بْن كَعْبِ بْنِ مَالِكٌ أنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٌ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْوَد دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "يا
كَعْبُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يا رسُولَ الله، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ الله. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "قُمْ فَاقْضِهِ". (١)
ومثال الشفاعة التي لم يأخذ بها المشفوع لديه قصة فراق بريرة لزوجها مغيث، وذلك عندما أعتقتها عائشة فخُيِّرَت بين البقاء مع زوجها أو مفارقته، فاختارت مفارقته. وقد شقّ ذلك على زوجها مغيث - وكان شديد الحبّ لها - فاستشفع بالرسول ﷺ فشفع له عندها، لكنها لم تأخذ بشفاعته. وما يبيِّن الفرق بين تصرَّف النبي ﷺ بالتشريع وتصرفه بغير التشريع أنها ﵂ استفسرت - قبل رد طلب الرسول ﷺ هل طلبه ﷺ من باب التشريع الملزم؟ فلا تكون لها الخِيّرة من أمرها، أم أنه غير ذلك؟ فلما أخبرها أنه مجرد شافع أصرَّت على اختيار الفراق. أخرج أبو داود عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُغِيثًا كانَ عَبْدًا فَقَالَ: يا رَسُولَ الله اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "يا بَرِيرَةُ اتَّقي الله فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ". فَقَالَتْ: يا رَسُولَ الله أَتَأمُرُنِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: "لا، إِنَّمَا أَنَا شَافعٌ". فَكانَ دُمُوعُهُ قَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِلْعَبَّاسِ: "أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ! ". (٢)
ومن أمثلة الشفاعة التي لم يأخذ بها المشفوع لديه قصة جابر بن عبد الله لما مات أبوه في غزوة أُحُد وترك ديونًا عليه تعسَّر على جابر أداؤها، فاستشفع بالنبي ﷺ على غرمائه علَّهم يضعوا عنه شيئًا من ديونهم، لكنهم رفضوا، فتدخلت العناية الإلهية متمثِّلة في بركة النبي ﷺ فأدى كلّ الديون دون أن ينقص ذلك من ثمره شيئًا.
(١) سبق تخريجه.
(٢) الألباني: صحيح سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب في المملوكة تعتق وهي تحت حرٌّ أو عبد، ج ٢، ص ٤٢١.
1 / 122