120

Ṭuruq al-kashf ʿan maqāṣid al-shāriʿ

طرق الكشف عن مقاصد الشارع

Publisher

دار النفائس للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م

Publisher Location

الأردن

النبي ﷺ -أو الصحابة على تنفيذه.
٤ - مقام التأديب: لَمَّا كان القصد من التأديب -في غالب الأحيان- هو زجر النفوس عن اتباع هواها، وردعها عن شهواتها، وقد تكون تلك الشهوات من القوة بحيث تحتاج النَّفس معها إلى رادع قوي، فإن المؤدِّب قد يبالغ في النهي إلى درجة التهديد والتوبيخ، ليكون ذلك أبلغ في الردع والزجر وعلى عِظَم الذنب المنهي عنه تَعْظُم وسيلةُ الزجر والتأديب.
وهذا أسلوب يستعمله المربي والمؤدب والواعظ، ولا يقصد به- عادةً - ظاهره بقدر ما يقصد به الزجر والترهيب. ورسول الله ﷺ سيد المربين والمؤدبين، ومن ثم فإنه ليس بِدْعًا أن يستعمل هذا الأسلوب التربوي. وليس معنى كونه لا يقصد به ظاهره عادة أنه ليس بحق، فرسول الله ﷺ لا يقول إلّا حقًا وصدقًا، وإنما المقصود به أن ظاهره غير مراد بالقصد الأول، وإن قُصِد فبالتَّبَع، أما القصد الأول فهو الزجر والتخويف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يُعدّ دعوة إلى تطبيق تلك العقوبة، ولا أمرًا بالالتزام بها، وأنها لا تحمل على إطلاقها كما سيأتي في الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكبي بعض الكبائر حال ارتكابها.
ومن أمثلة ذلك حديث فقء عين من اطلع على قوم من ثقب باب أو جدار دون إذنهم، فقد أهدر النبي ﷺ عينه لو أن أحدهم خذفها بحصاة أو طعنها بمسلة أو غير ذلك.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلعً عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُن عَلَيْكَ جُنَاح". (١)
وأخرج البخاري أيضًا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّي ﷺ وَمَعَ النَّبي ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ: "لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الإسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ، (٢) وفي رواية أخرى أنه قال: "لَوْ

(١) صحيح البخاري، كتاب الديات، باب (٢٣)، مج ٤، ج ٨، ص ٣٦٥، الحديث (٦٩٠٢).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الإستئذان، باب (١١)، مج ٤، ج ٧، ص ١٦٨، الحديث (٦٢٤١).

1 / 124