39

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

( وصوم رمضان ) أي أيامه بشرائط وأركان معلومة ، قيل : فيه حذف شهر ، وفيه أن رمضان اسم للشهر وقوله تعالى : 16 ( { شهر رمضان } ) [ البقرة 185 ] إضافته بيانية ، وقد ورد في بعض الروايات تقديمه على الحج وكلاهما صحيح لما تقدم ولذا قدم البخاري كتاب الحج على الصوم ، والجمهور أخروه عن جميع العبادات لكون وجوبه يتعلق بآخر العمر . قال النووي : ( ذكر البخاري هذا الحديث في مفتتح كتاب الإيمان ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال ، وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد ) ، وقال ابن حجر : ( وجه ذكر الأربعة الأخيرة مع الشهادتين ، وإن توقف الدخول في الإسلام عليهما فقط التنبيه على تعظيم شأنها ، وأنها أظهر شعائر الإسلام ، إذ بها يتم الإستسلام ، وبترك بعضها ينحل قيد الإنقياد ، وإن لم يؤد إلى كفر حيث لا إنكار إجماعا إلا ما جاء عن أحمد وغيره في ترك الصلاة فإنه لدليل خاص كقوله عليه الصلاة والسلام : ( من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ) ، ولم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية إلا في بعض الأحوال ، والكلام في فروض العين التي هي أعظم شعائر الإسلام ، ولهذا زيدفي آخره في رواية : ( وأن الجهاد من العمل الحسن ) ، قيل : وجه الحصر في تلك الخمسة أن العبادة إما فعل أو ترك ، الثاني الصوم ، والأول إما لساني وهو الشهادتان أو بدني وهو الصلاة ، أو مالي وهو الزكاة ، أو مالي وبدني وهو الحج وقدمت الشهادتان لأنهما الأصل ، ثم الصلاة لأنها العماد الأعظم ومن ثم جاء في حديث : ( وعمودها الصلاة ) ، وفي حديث : ( الصلاة عماد الدين ) ، وقال تعالى : 16 ( { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ) [ العنكبوت 45 ] ولذا سميت أم العبادات كما سميت الخمر أم الخبائث ، ثم الزكاة لأنها قرينتها في مواضع من القرآن وللمناسبة البدنية والمالية في القرآن ، ثم الحج لكونه مجمعا للعبادتين ومحلا للمشقتين ، ولأن تاركه من غير عذر على مدرجة خاتمة السوء كما يدل عليه الحديث الذي اختلف في ضعفه وصحته : ( من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ) ، ويدل على أصالة الحديث قوله تعالى : 16 ( { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ) [ آل عمران 97 ] حيث وضع من كفر موضع من لم يحج مع إفادة مبالغة التهديد في قوله : 16 ( { عن العالمين } ) حيث عدل عن عنه ، وأما تأخيره عن الصوم كما في رواية صحيحة فرعاية للترتيب ؛ فإن الصوم فرض في السنة الثانية والحج فرض سنة خمس أو ست أو ثمان أو تسع ( متفق عليه ) ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي أيضا ، والأحاديث الثلاثة المتقدمة من جملة الأحاديث الأربعينية النووية .

( 5 ) ( وعن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] ) تصغير هرة ، قال المؤلف : قد اختلف الناس في اسم أبي هريرة ونسبه اختلافا كثيرا ، وأشهر ما قيل فيه أنه كان في الجاهلية عبد شمس أو عبد عمرو ، وفي الإسلام عبد الله أو عبد الرحمن وهو دوسي ، قال الحاكم أبو أحمد : أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ، وغلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي ثم لزمه وواظب عليه راغبا في العلم راضيا بشبع بطنه ، وكان يدور معه حيثما دار ، وكان من أحفظ الصحابة ؛ قال البخاري : روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل ما بين صحابي وتابعي ، فمنهم ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس ، قيل : سبب تلقيبه بذلك ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال : كنت أحمل يوما هرة في كمي فرآني رسول الله ، فقال : ما هذه ، فقلت : هرة ، فقال : يا أبا هريرة ، وفي رواية ابن إسحاق : وجدت هرة وحملتها في كمي ، فقيل لي : ما هذه ، فقلت : هرة ، فقيل لي : أنت أبو هريرة ، ورجح بعضهم الأول ، وقيل : وكان يلعب بها وهو صغير وقيل : كان يحسن إليها ، وقيل : المكني له بذلك والده .

ثم جر هريرة هو الأصل وصوبه جماعة لأنه جزء علم ، واختار آخرون منع صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم ، لأن الكل صار كالكلمة الواحدة ، واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معا في كلمة واحدة بل في لفظة ، لأن أبا هريرة إذا وقعت فاعلا مثلا فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظرا للحال ونظيره خفي ، وأجيب بأن الممتنع رعايتهما من جهة واحدة لا من جهتين كما هنا ، وكان الحامل عليه الخفة واشتهار الكنية حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلف فيه اختلافا كثيرا حتى قال النووي : اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من خمسة وثلاثين قولا .

Page 133