Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
[ خطبة الكتاب ] | اقتداء بالقرآن العظيم ، وتخلقا بأخلاق العزيز العليم ، واقتفاء للنبي الكريم ، حيث قال : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر ) ) أي قليل البركة أو معدومها ، وقيل : إنه من البتر وهو القطع قبل التمام والكمال ، والمراد بذي البال ذو الشأن في الحال أو المآل . رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتاب الجامع . | واختلف السلف الأبرار . في كتابة البسملة في أول كتب الأشعار ؛ فمنعه الشعبي والزهري ، وأجازه سعيد بن المسيب واختاره الخطيب البغدادي . والأحسن التفصيل بل هو الصحيح ، فإن الشعر حسنة حسن وقبيحة قبيح ، فيصان إيراد البسملة في الهجريات والهذيان ومدائح الظلمة ونحوها ، كما تصان في حال أكل الحرام وشر الخمر ومواضع القاذورات [ وحاله المجامعة ] وأمثالها والأظهر انه لا يكتب في أول كتب المنطق على القول بتحريم مسائلها ، وكذا في القصص الكاذبة بجمخيع أنواعها ، والكل مستفاد من قوله : ( ( ذي بال ) ) ، والله أعلم بحقيقة الحال . ثم إنه ورد الحديث بلفظ : ( ( كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم ) ) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة ، وبلفظ : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدا فيه بالحمد لله فهو أقطع ) ) رواه ابن ماجه . والتوفيق بينهما أن المراد منهما الابتداء بذكر الله سواء يكون في ضمن البسملة أو الحمدلة ، بدليل أنه جاء في حديث رواه الرهاوي في أربعينه ، وحسنه ابن الصلاح ، ولفظه : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله سواء حديث ابن الصلاح ، ولفظه : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع ) ) ، أو يحمل حديث البسملة على الابتداء الحقيقي بحيث لا يسبقه شيء ' ، وحديث الحمدلة على الابتداء الإضافي وهو ما بعد البسملة . قيل : ولم يعكس لأن حديث البسملة أقوى في المنهال ، بكتاب الله الوارد على هذا المنوال . ويخطر بالبال ، والله أعلم بالحال ، أن توفيق الافتتاح بالبسملة لما كان من النعم الجزيلة ، ناسب أن تكون الحمدلة متأخرة عنها لتكون متضمنة للشكر على هذه المنحة الجميلة . هذا وقد يقال إن المراد بالابتداء افتاح عرفي موسع ممدود ، يطلق على ما قبل الشروع في المقصود ، كما يقال أول الليل وأول النهار وأول الوقت وأول الديار ، وحنيئذ لا يرد على المصنف أنه جاء في رواية : ( ( كل أمر ذي بال لم يبدا فيه بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة ) ) أخرجه الرهاوي عن أبي هريرة مرفوعا . وإن قيل بضعفه ، وجاء في رواية الترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا : ( ( كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ) ) على رواية ضم الخاء ، وهو الظاهر من صنيع الترمذي حيث أورده في باب خطبة النكاح ، وكذا يفهم من اعتراض الشيخ ابن حجر العسقلان على البخاري في تركه الشهادة أول كتابه . مع أنه قد يجاب عنه بعدم صحة الحديث عنده ، أو بأن روايته كسر الخاء لا ضمه والله أعلم . | ثم الباء جاء لأربعة عشر معنى ، والمناسب ههنا منها الإلصاق والاستعانة ، وهي متعلقة بمقدر وأخر على المختار تحقيقا لحقيقة الابتداء : وتعظيما للاسم الخاص عن الانتهاء ، وإقادة للاهتمام ، وإرادة لمقام الاختصاص الذي هو المرام ، ورد لدأب المشركين حيث كانوا يبتدئون بالأصنام ، ويفتتحون بذكر الله في بعض الكلام . لكن قال العارف الجامي : ( ( حقيقة الابتداء [ باسمه ] سبحانه عند العارفين أن لا يذكر باللسان ولا يخطر بالجنان في الابتداء غير اسمه سبحانه ، ولا اثباتا ولا نفيا ، فإن صورة نفي الغير ملاحظة للغير ، فهو أيضا ملحوظ في الابتداء ، فلس الابتداء مختصا باسمه سبحانه ، فلا حاجة إلى تقدير المحذوف مؤخرا إلا ان يكون اسم الله سبحانه في التقدير أيضا مقدما كما أنه في الذكر مقدم ) ) . 1 ه والمعنى : باسم الله ابدا تصنيفي أو ابتدائي في جميع أموري متبركا باسمه ومستعينا برسمه . | والاسم من الأسماء التي بنى أوائلها على السكون فعند الابتداء بها يزيدون همزة الوصل ، والأصح أنه من الأسماء المحذوفة العجز كيد ودم بدليل تصاريفه من سميت ونحوه . واشتقاقه بهمزة من السمو ، وهو العلو لأن التسمية تنويه بالمسمى ورفع لقدره . وعند الكوفية أصله وسم وهو العلامة لأنه علامة دالة على المسمى فحذف حرف العلة تخفيفا ثم أدخلت عليه همزة الوصل ، وسقطت كتابتها في البسملة المختصة بالجلالة على خلاف رسم الخط لكثرة الاستعمال الكتبي ، وطولت الباء دلالة عليها قبل ذكر الاسم فرقا بين اليمين والتيمن . وقيل : الاسم صلة ، وهو إن أريد به اللفظ فلا يصح القول بأنه عين المسمى ، وإن أريد به ذات الحق الوجود المطلق إذا اعتبر مع صفة معينة كالرحمن مثلا ، هو الذات الإلهية [ مع صفة الرحمة والقهار ] مع صفة القهر فهو عين المسمى بحسب التحقيق والوجود وإن كان غيره بحسب التعقل : والأسماء الملفوظة هي أسماء هذه الأسماء . والإضافة لامية والمراد بعض أفراده التي من جملتها الله والرحمن والرحيم ، أو يراد به هذه الأسماء بخصوصها بقرينة التصريح [ بها ] ويمكن أن تكون الإضافة بيانية بناء على ما تقدم ، هكذا قاله بعض المحققين . | واعلم أن هذه المسألة قد اختلف على مذاهب : أحدهما أن الاسم عين المسمى والتمسية ، وثانيهما - وهو المنقول عن الجهمية والكرامية والمعتزلة - غيرهما ، قال العلامة العز ابن جماعة : ( ( هو الحق ) ) ، وثالثها عين المسمى وغير التسمية ، وهو المصحح عند [ بعض ] الحنفية ، وهو المراد بقول القائل وليس الاسم غيرا للمسمى ، ورابعها لا عين ولا غير . والثالث هو المنقول عن الأشعري لكن في اسم الله تعالى أعنى كلمة الجلالة خاصة ، لأن مدلول هذا الاسم الذات من حيث هي بخلاف غيره ، كالعالم فمدلوله الذات باعتبار الصفة . وقد نبه الإمام الرازي والآمدي على أنه لا يظهر في هذه المسألة ما يصلح محلا لنزاع العلماء والله أعلم . وفي التعرف أجمعوا أن الصفات ليست هي هو ولا غيره ، وأجمعوا أنها لا تتغاير وليس علمه قدرته [ ولا غير قدرته ] ولا قدرته علمه ولا غير علمه وكذلك جميع صفاته من السمع والبصر وغيرهما ، واختلفوا في الأسماء فقال بعضهم : ( ( أسماء الله تعالى ليست هي الله ولا غير الله ) ) كما قالوا في الصفات ، وقال بعضهم : ( ( أسماء الله هي الله ) ) والله أعلم . | ثم اعلم أنه تحير العلماء في تدقيق اسم الله كما تحير العرفاء في تحقيق مسماه - سبحان من تحير في ذاته سواه - فقيل : إنه عبري لأن أهل الكتاب كانوا يقولون الاها فحذفت العرب [ الألف ] الأخيرة للتخفيف كما فعلوا في النور والروح واليوم ؛ فإنها في اللغة العبرانية كانت نورا وروحا ويوما ، وهذا وجه من قال إنه معرب ، والحق أنه عربي لأن ما ذكروه من توافق اللغتين لا يدل على كون إحداهما متأخرة عن الأخرى مأخوذة عنها . | ثم اختلفوا أسم هو أم صفة ؟ مشتق ، وعليه الأكثر ، أو غير مشتق ؟ علم أو غير علم ؟ وما أصله على تقدير اشتقاقه ؟ ومختار صاحب الكشاف أنه كان في الأصل اسم جنس ثم صار علما وأن أصله الإله ، وإنه مشتق من إله بمعنى تحير ، فالله متحير فيه لأنهم لا يحيطون به علما وحكى سيبويه والمبرد عن الخليل أن الله اسم خاص علم لله غير مشتق من شيء وليس بصفة فعلى هذا يكون جامعا لأسمائه ونعوته وصفاته . وقيل : إنه مأخوذ من الهت إلى فلان إذا فزمعت إليه [ عند الشدائد ] قال :
ألهت إليكم في بلايا تنوبني
فألفيتكم فيها كريما ممجدا
فإن الخلق يفزعون إليه عند الشدائد ، أو من أله الفضيل إذا ولع بأمه ، لأن العباد يولهون به وبذكره . وقيل : من تألهت أي تضرعت ، فالإله هو الذي يتضرع إليه . وقيل : من قولهم لاه يلوه لوها ولاها إذا احتجب وارتفع قال :
Page 45