2

Al-Muḥarrar al-Wajīz fī Tafsīr al-Kitāb al-ʿAzīz

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

Editor

عبد السلام عبد الشافي محمد

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الاولى

Publication Year

1413هـ- 1993م

Publisher Location

لبنان

Regions
Spain
Empires & Eras
ʿAbbāsids

وبعد أرشدني الله وإياك فإني لما رأيت العلوم فنونا وحديث المعارف شجونا وسلكت فإذا هي أودية وفي كل للسلف مقامات حسان وأندية رأيت أن الوجه لمن تشزن للتحصيل وعزم على الوصول أن يأخذ من كل علم طرفا خيارا ولن يذوق النوم مع ذلك إلا غرارا ولن يرتقي هذا النجد ويبلغ هذا المجد حتى ينضي مطايا الاجتهاد ويصل التأويب بالإسئاد ويطعم الصبر ويكتحل بالسهاد فجريت في هذا المضمار صدر العمر طلقا وأدمنت حتى تفسخت أينا وتصببت عرقا إلى أن انتهج بفضل الله عملي وحزت من ذلك ما قسم لي ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى وتخير من العلوم واجتبى أن يعتمد على علم من علوم الشرع يستنفد فيه غاية الوسع يجوب آفاقه ويتتبع أعماقه ويضبط أصوله ويحكم فصوله ويلخص ما هو منه أو يؤول إليه ويعنى بدفع الاعتراضات عليه حتى يكون لأهل ذلك العلم كالحصن المشيد والذخر العتيد يستندون فيه إلى أقواله ويحتذون على مثاله

فلما أردت أن أختار لنفسي وأنظر في علم أعد أنواره لظلم رمسي سبرتها بالتنويع والتقسيم وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها حبالا وأرسخها جبالا وأجملها آثارا وأسطعها أنوارا علم كتاب الله جلت قدرته وتقدست أسماؤه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي استقل بالسنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض هو العلم الذي جعل للشرع قواما واستعمل سائر المعارف خداما منه تأخذ مبادئها وبه تعتبر نواشئها فما وافقه منها نصع وما خالفه رفض ودفع فهو عنصرها النمير وسراجها الوهاج وقمرها المنير

وأيقنت أنه أعظم العلوم تقريبا إلى الله تعالى وتخليصا للنيات ونهيا عن الباطل وحضا على الصالحات إذ ليس من علوم الدنيا فيختل حامله من منازلها صيدا ويمشي في التلطف لها رويدا

ورجوت أن الله تعالى يحرم على النار فكرا عمرته أكثر عمره معانيه ولسانا مرن على آياته ومثانيه ونفسا ميزت براعة رصفه ومبانيه وجالت سومها في ميادينه ومغانيه فثنيت إليه عنان النظر وأقطعته جانب الفكر وجعلته فائدة العمر وما ونيت علم الله إلا عن ضرورة بحسب ما يلم في هذه الدار من شغوب ويمس من لغوب أو بحسب تعهد نصيب من سائر المعارف

فلما سلكت سبله بفضل الله ذللا وبلغت من اطراد الفهم فيه أملا رأيت أن نكته وفوائده تغلب قوة الحفظ وتفدح وتسنح لمن يروم تقييدها في فكره وتبرح وأنها قد أخذت بحظها من الثقل فهي تتفصى من الصدر تفصي الإبل من العقل

قال تعالى ^ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ^ المزمل 5

قال المفسرون أي علم معانيه والعمل بها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( قيدوا العلم بالكتاب ) ففزعت إلى تعليق ما يتخيل لي في المناظرة من علم التفسير وترتيب المعاني وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا لا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح رضوان الله عليهم كتاب الله من مقاصده العربية السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز وأهل القول بعلم الباطن وغيرهم فمتى وقع لأحد من العلماء الذين قد حازوا حسن الظن بهم لفظ ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين نبهت عليه وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم أو نحو أو لغة أو معنى أو قراءة وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر كما في كثير من كتب المفسرين ورأيت أن تصنيف التفسير كما صنع المهدوي رحمه الله مفرق للنظر مشعب للفكر وقصدت إيراد جميع القراءات مستعملها وشاذها واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي وعلى غاية من الإيجاز وحذف فضول القول

Page 34