Al-Muḥtasib fī tabyīn wujūh shawādh al-qirāʾāt waʾl-īḍāḥ ʿanhā

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها

Editor

علي النجدي ناصف، عبد الحليم النجار، عبد الفتاح إسماعيل شلبي

Publisher

وزارة الأوقاف - المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

Publisher Location

مصر

المجلد الأول
المقدمات
تصدير
...
بسم الله الرحمن الرحيم
تصدير بقلم الأستاذ: محمد أبو الفضل إبراهيم رئيس لجنة إحياء التراث
القرآن الكريم كتاب الله الخالد، ودستور المسلمين الدائم ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ولم يكد يكتمل نزوله، وتُرتَّب بوحي من الله سوره وآياته، حتى كان محفوظًا في الصدور، مكتوبًا في الصحف، مرويًّا عن الرسول ﷺ بوجوه الأحرف والقراءات.
وكان من الصحابة من رواه بحرف، ومنهم من رواه بحرفين، ومنهم من زاد، ثم تفرقوا في الأمصار، وتلقَّى عنهم التابعون، وعن التابعين أخذ مَنْ بعدهم، إلى أن انتهت الرواية إلى فريق من القراء في القرن الثاني من الهجرة، فانقطعوا للقراءات، واختصوا بها، وأخلَوْا ذرعهم لها، وجعلوا همهم الأكبر، وشغلهم الشاغل، العنايةَ بحصرها وضبطها، وتحرِّى الأَسناد الصحيحة في روايتها؛ حتى صاروا القدوة في هذا الشأن، إليهم تُشد الرحال، ويُقصَدون للتلقِّي عنهم من شتى الجهات، وكان منهم: نافع بن أبي نعيم بالمدينة، وعبد الله بن كثير بمكة، وعاصم بن أبي النَّجود بالكوفة، وأبو عمرو بن العلاء بالبصرة، وعبد الله بن عامر بالشام، وغيرهم ممن ذكرهم أصحاب كتب القراءات المشهورة.
قال صحاب النشر: "ثم إن القراء بعد هؤلاء المذكورين كثروا، وتفرقوا في البلاد وانتشروا، وخلفهم أمم بعد أمم، عُرِفت طبقاتهم، واختلفت صفاتهم، فكان منهم المتقن للتلاوة، المشهور بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، وكثر بينهم لذلك الاختلاف، وقلَّ الضبط، واتسع الخرق، وكاد الباطل يلتبس بالحق؛ فقام جهابذة علماء الأمة، وصناديد الأئمة، فبالغوا في الاجتهاد، وبيَّنوا الحق المراد، وجمعوا الحروف والقراءات، وعزَوْا الوجوه والروايات، وميَّزوا بين المشهور والشاذ، والصحيح والفاذ، بأُصول أصَّلوها، وأركان فصَّلوها".
وقد انفسخت أمام هؤلاء العلماء مجالات البحث، وتنوعت المقاصد والأغراض، وأُثِر عنهم من الكتب والآراء ما لا يدخل تحت حصر، وما زالت عناية المسلمين قائمة بهذا الفن إلى اليوم -تصنيفًا وتدريسًا ورواية- في حلقات الدروس ومختلف المعاهد.

1 / 3

ومن العلماء الذين صنفوا في هذا الميدان الحسن بن أحمد بن عبد الغفار المعروف بأبي علي الفارسي، أحد أعيان القرن الرابع الهجري، أزهى العصور الإسلامية، وأحفلها بصنوف المعارف والآداب والعلوم، وضع كتابه "الحجة" في الاحتجاج للقراءات السبع، وبناه على كتاب أبي بكر بن مجاهد في هذه القراءات، وكان على نيَّة أن يضع كتابًا آخر في الاحتجاج للقراءات الشاذة؛ ولكن لم تيسر له ما أراد، وحالت محاجزات الأيام بينه وبين ما اعتزم.
فجاء تلميذه أبو الفتح عثمان بن جني، فقام بما هَمَّ به أستاذه ولم يفعله، وألف هذا الكتاب، وأتمه في أواخر عمره، بعد أن علت به السن، وطوى مراحل الشباب، واختار من القراءات الشاذة التي احتج لها ما كان له وجه يطمئن إليه في اللغة وأصول النحو وشواهد الشعر، أما ما عدا ذلك من القراءات فقد ردَّها وضعَّف القراءة بها، وقد رمى بتأليفه القربى إلى الله ﷿، وابتغاء المثوبة منه، وأسماه كتاب "المحتسَب"؛ ليدل باسمه على الغرض الذي يريده به، لا على الموضوع الذي يديره عليه، كما يقول محققو الكتاب.
وقد رأت لجنة إحياء التراث الإسلامي -أداءً لرسالتها في بعث الكتب الأصلية- أن تقوم بنشر هذا الكتاب؛ فعهدت إلى ثلاثة من علماء العربية القيام بتحقيق هذا الكتاب والتعليق عليه؛ وهم: الأستاذ علي النجدي ناصف صاحب البحث الواعي عن كتاب سيبويه، والمقالات العلمية التي أودعها كتابه "قضايا اللغة والنحو"، والمرحوم الدكتور عبد الحليم النجار مترجم كتاب العربية ليوهان فك ومذاهب المفسرين لجولد زيهر وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان، وواضع التعليقات النافعة على هذه الكتب، والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي مؤلف كتاب "الإمالة في القراءات واللهجات العربية"، والبحث المستفيض الشامل عن أبي علي الفارسي.
وقد قاموا بما يستحقه هذا الكتاب من مقابلة نُسَخِه، وتحرير نصوصه، وتوجيه فصوله وأبوابه، بعد أن قدَّموه بمقدمة علمية؛ في التعريف بابن جني، ومنزلة كتابه "المحتسب" بين كتب القراءات.
والكتاب يقع في جزأين، وهذا هو الجزء الأول منه، ويتلوه الجزء الثاني -إن شاء الله- وعند إتمامه ستُلحق به الفهارس العامة المتنوعة، التي تيسِّر الانتفاع بالكتاب، وتكشف عن مقاصده وغاياته.
ونسأل الله هداية وعونًا، وتوفيقًا ورشدًا.
محمد أبو الفضل إبراهيم

1 / 4

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
ومنه سبحانه نستمد العون، ونستلهم التوفيق، وعلى نبيه ورسوله محمد نصلي ونسلم، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
وبعد: فهذه مقدمة نسوقها بين يدي المحتسَب، ونورد فيها ترجمة مجملة لصاحبه، وكلمة عن نشأة الاحتجاج للقراءات وتطوره إلى القرن الرابع، وكلمة أخرى عن الكتاب المحتسب كما عرفناه.
"ابن جني"
هو عثمان بن جني الأزدي بالولاء؛ إذ كان أبوه جني مملوكًا روميًّا يونانيًّا لسليمان بن فهد الأزدي، وزير شرف الدولة قراوش، ملك العرب وصاحب الموصل١.
وجني -بإسكان الياء، وليس منسوبًا- معرب كني، ومعناه في العربية: فاضل، كريم، نبيل، جيد التفكير، عبقري، مخلِص٢.
ولا يُعرف من نسب ابن جني غير أبيه، وله شعر يذكر فيه أن الله عوَّضه من نسبه علمًا إليه يُنسب وبه يشرف، وأنه يرجع بأرومته إلى قياصرة الروم، الذين دعا النبي لهم، قال:
فإن أُصبح بلا نسبٍ ... فعِلمي في الورى نسبي
على أني أَءُول إلى ... قُروم سادة نُجب
قياصرة إذا نطقوا ... أَرَم الدهرُ ذو الخطب٣
أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفًا دعاء نبي
وكنيته أبو الفتح، وهي الكنية التي يُجريها في كتبه، ويصدر بها في المحتسب كلامه في الاحتجاج، على نحو ما يفعل شيخه أبو علي في الحجة.

١ الكامل لابن الأثير: حوادث سنة ٤١١.
٢ مقدمة الخصائص: ٨.
٣ أرم: سكت.

1 / 5

وقد وُلد ابن جني بالموصل، وفيها نشأ، وإليها ينسب، وتختلف الروايات في تاريخ ميلاده؛ فابن خلكان في الوفيات وياقوت في المعجم يذكران أن مولده كان قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأبو الفداء في مختصره يذكر أن مولده كان سنة ٣٠٢هـ.
ويؤيد رواية ابن خلكان وياقوت أن ابن قاضي شهبة يقول في طبقات النحاة: إن ابن جني تُوفي وهو في سن السبعين، وقد رجحنا في موضع آخر أن وفاته كانت في سنة ٣٩٢، فهذا يعني أن ولادته كانت سنة ٣٢٢ أو سنة ٣٢١.
وقد يؤيد رواية ابن خلكان وياقوت أيضًا ويبعد رواية أبي الفداء قصة مرور الشيخ أبي علي بابن جني سنة ٣٣٧ وهو متصدر للتدريس في مسجد الموصل، ثم قولة أبي علي له: تَزبَّبتَ وأنت حِصْرِم، حين اعترض عليه في قلب الواو ألفًا في نحو: قال، فوجده مقصرًا.
فأما أنها تؤيد رواية ابن خلكان وياقوت، فلأنها تقتضي أن يكون أبو الفتح إذ ذاك في الخامسة عشرة من عمره، وهي من أنسب سني العمر لمقالة أبي علي السابقة، فهي تعني أن ابن جني بجلوسه للتدريس فيها قد سبق أوانه، وتكلَّف من الأمر ما لا قِبَل لمن في مثل سنه به، وغير بعيد أن يقصِّر ابن جني في هذه السن في مسألة قلب الواو ألفًا، ولا سيما حين يكون صاحب الاعتراض فيها إمامًا من طراز أبي علي.
صحيح أنه يقلُّ أن يجلس امرؤ للتدريس في الخامسة عشرة من عمره؛ ولكن نبوغ ابن جني حقيق -فيما نعتقد- أن يجعله من هذا القليل، على أنه يجوز أن يكون الأمر كله مجرد مساءلة دارت بين أبي الفتح وبعض قرنائه، وأن أبا علي اختصه بالاعتراض؛ لأنه كان يبدو بينهم المقدَّم المرموق، وفُهم الأمر بعد ذلك لسبب من الأسباب على أنه جلوس للتدريس.
وأما أن هذه القصة تبعد رواية أبي الفداء، فلأنها تقتضي أن يكون أبو الفتح إذ ذاك في الخامسة والثلاثين، وما كان أبو الفتح ليقصِّر -وهو في هذه السن- في مسألة قلب الواو ألفًا، ولا لأبي علي أن يقول قولته تلك، وإلا بدت كلامًا لا مناسبة بينه وبين المقام الذي قيل فيه.
وأخذ ابن جني علومه عن كثير من رواة اللغة والأدب؛ منهم: أحمد بن محمد الموصلي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحاج، وأبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم، ثم أبو علي الفارسي.
وقد صحبه ابن جني بعدما التقيا بالموصل سنة ٣٣٧، ولازمه في السفر والحضر١.

١ تجد تفصيل هذه التنقلات في كتاب "أبي علي الفارسي": ٥٨-٦٤.

1 / 6

وتذكر كتب التراجم أنه كان لأبي الفتح ثلاثة أولاد: علي، وعال، وعلاء. وقد أخذوا جميعًا عن أبيهم وتخرجوا عليه. ويتردد اسم عال وحده في كتب الطبقات، ولا يذكر ياقوت أنه أخذ عن أبي علي، وكذلك السيوطي في البغية؛ لكن القفطي يعده ممن أخذ العربية عن أبيه وعن أبي علي.
ويبدو أن أبا الفتح كان يعاني مع أسرته من هموم الحياة وتصاريفها، قال في خطبة المحتسب بعد أن ذكر ما كان عليه الشيخ أبو علي "من خلو سِربه، وإنبتات علائق الهموم عن قلبه":
"ولعل الخطرة الواحدة تخرق بفكري أقصى الحجب المتراخية عني في جمع الشتات من أمري، ودَمْل العوارض الحائجة لأحوالي، وأشكر الله ولا أشكوه، وأسأله توفيقًا لما يرضيه".
ويروي القِفطي في الإنباه أن ابن جني تُوفي سنة ثنتين وسبعين وثلثمائة١، ثم يعود فيذكر أنه خدم البيت البويهي: عضد الدولة، وولده صمصام الدولة، وولده شرف الدولة، وولده بهاء الدولة. وفي زمانه مات، وكان يلازمهم في دُورهم ويبايتهم٢.
ومعلوم أن بهاء الدولة إنما ملك من سنة "٣٧٩" إلى سنة "٤٠٣" ٣، وقد أهدى إليه أبو الفتح كتاب الخصائص.
ولهذا نرجح أن كلمة "سبعين" التي وردت في قول القفطي: "ثنتين وسبعين وثلاثمائة" محرفة عن كلمة "تسعين"، وأن وفاة أبي الفتح كانت سنة ٣٩٢، وعلى هذا يكاد يجمع الرواة.
وكانت وفاته في بغداد، ودُفن في مقابرها، ﵀.
وقد أُحصي له في مقدمة الخصائص تسعة وأربعون كتابًا، ومع كل كتاب كلمة عنه. ونضيف هنا أن كتابه المسمى بالتمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري قد نُشر في بغداد سنة ١٣٨١هـ، سنة ١٩٦٢م.

١ إبناه الرواة: ٢/ ٣٣٦.
٢ المصدر نفسه: ٣٤٠.
٣ شذرات الذهب: ٣/ ١٦٦.

1 / 7

الاحتجاج للقراءات:
بدأ الاحتجاج للقراءات أول العهد به غضًّا يسيرًا، كدأب كل ناشئ يقبل النمو والتطور، فكان قليلًا مفرَّقًا لا يستوعب قراءة بعينها ولا عددًا من القراءات، وكان يعتمد على القياس وحمل القراءة على قراءة أخرى لمشابهة بينهما، إما في مادة اللفظ المختلَف في قراءته، وإما في بنيته، ثم أخذ يتجه مع ذلك إلى التخريج والاستشهاد.
فابن عباس -المتوفَّى سنة ٦٨هـ- يقرأ: "نَنْشُرُها" بالنون المفتوحة والراء١، من قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ٢، ويحتج لقراءته بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٣.
وعاصم الجحدري -المتوفَّى سنة ١٢٨هـ- يقرأ: "مَلِكِ يوم الدين" بغير ألف، ويحتج على من قرأها "مالك" بالألف، فيقول: يلزمه أن يقرأ: "أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَالِكِ النَّاسِ"٤.
وعيسى بن عمر -المتوفَّى سنة ١٤٩- يقرأ: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ ٥ بنصب الطير، ويقول: هو على النداء.
ويروون أن الكسائي قرأ أمام حمزة بن حبيب: "فَأَكَلَهُ الذِّيبُ"٦ بغير همز، فقال حمزة: "الذئب" بالهمزة، فقال الكسائي: وكذلك أَهمز الحوت "فالتقمه الْحُؤت"؟ ٧ قال: لا، قال: فلِمَ همزت "الذئب" ولم تهمز "الحوت"، وهذا "فأكله الذئب"، وهذا "فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ"؟ فرفع حمزة بصره إلى خلاد الأحول.... فتقدم إليه في جماعة من أهل المجلس فناظروه فلم يصنعوا شيئًا، فقالوا: أفدنا رحمك الله!
فقال لهم الكسائي: ... تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: قد استذأَب الرجل، ولو قلت: قد استذاب بغير همز لكنت إنما نسبته إلى الْهُزال، تقول: قد استذاب الرجل إذا استذاب شحمه بغير همز، فإذا نسبته إلى الحوت تقول: قد استحات الرجل؛ أي: كثر أكله؛

١ البحر المحيط: ٢/ ٢٩٣.
٢سورة البقرة: ٢٥٩.
٣ سورة عبس: ٢٢.
٤ سورة الناس: ١.
٥ سورة سبأ: ١٠.
٦ سورة يوسف: ١٧.
٧ سورة الصافات: ١٤٢.

1 / 8

لأن الحوت يأكل كثيرًا، ولا يجوز فيه الهمز، فلهذه العلة هُمز الذئب ولم يهمز الحوت.
وفيه معنى آخر: لا يسقط الهمز من مفرده ولا من جمعه، وأنشدهم:
أيها الذئب وابنه وأبوه ... أنت عندي من أذؤب ضاريات١
ويكثر سيبويه المتوفَّى سنة ١٨٠ في كتابه من المفاضلة والاحتجاج لبعض القراءات التي قُرئت بها شواهده من القرآن الكريم، وأكثر معوَّله في ذلك على العربية ومبلغ القراءة التي يعرض لها من الموافقة للكثير الشائع من الأساليب واللغات، وعلى تحليل النص لإبراز معناه وإيضاح ما قد يكون بينه وبين أشباهه من فروق.
فيقول في باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده: "وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب مَن يقول: إِنْ عمرًا لمنطلق، وأهل المدينة يقرءون: "وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ" يخففون وينصبون، كما قالوا:
كأَنْ ثدييه حقان
وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل، فلما حذف من نفسه شيء لم يغير عمله كما لم يغير عمل: لم يك، ولم أبل، حين حذف. وأما أكثرهم فأدخلوها في حروف الابتداء بالحذف كما أدخلوها في حروف الابتداء حين ضموا إليها ما"٢.
وقال في باب الفاء: "وقال ﷿: ﴿فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ فارتفعت لأنه لم يخبر عن الملَكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعملون؛ ليجعلا كفره سببًا لتعليم غيره؛ ولكنه على كفروا فيتعلمون، ومثله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، كأنه قال: إنما أمرنا ذاك فيكون"٣.
وفي كتب معاني القرآن تخريجات لاختلاف الإعراب، واحتجاج لوجوه هذا الاختلاف، ونذكر على سبيل المثال كلام أبي يحيى زكريا الفراء -المتوفَّى سنة ٢٠٧- عن آية: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ ٤، وآية: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ ٥.
وبدا لبعض القراء أن يجمعوا القراءات المختلفة، ويبحثوا عن أسنادها، فكان هارون بن موسى الأعور -المتوفَّى قبل سنة ٢٠٠- أول مَن سمع بالبصرة وجوه القراءات، وألَّفها، وتتبع الشاذ منها، فبحث عن أسناده فيما يقول عنه أبو حاتم السجستاني٦.

١ إنباه الرواة: ٢/ ٢٥٨.
٢ الكتاب: ١/ ٢٨٣.
٣ الكتاب: ١/ ٤٣٢.
٤ معاني القرآن: ١/ ١٠٥.
٥ المصدر السابق: ٢١٠.
٦ طبقات القراء: ٢/ ٣٤٨.

1 / 9

وألَّف يعقوب بن إسحاق الحضرمي -المتوفَّى سنة ٢٠٥- كتابًا سماه الجامع، جَمَعَ فيه عامة اختلاف وجوه القرآن، ونَسَبَ كل حرف إلى مَن قرأ به فيما يقول الزبيدي١.
ويقول ابن الجزري في النشر عن أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفَّى سنة ٢٢٤هـ: إنه كان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب، وجعلها فيما أحسب خمسًا وعشرين قراءة مع السبعة٢.
ويقول ابن النديم عن محمد بن يزيد المبرد المتوفَّى سنة ٢٨٥: إنه ألف فيما ألف كتاب احتجاج القراءة٣.
ثم يجيء أبو بكر بن مجاهد -المتوفَّى ٣٢٤هـ- فيؤلف كتابه الموسوم بقراءات السبعة، فيكون هو أول من سبَّع السبعة كما يقولون٤، فأوحى كتابه هذا إلى العلماء بدراسات شتى تدور عليه أو تتصل به.
أ- فشرع أبو بكر محمد بن السري -المتوفَّى سنة ٣١٦- في تأليف كتاب يحتج فيه للقراءات الواردة في كتاب ابن مجاهد، فأَتَمَّ سورة الفاتحة، وجزءًا من سورة البقرة، ثم أمسك٥.
ب - وألف أبو ظاهر عبد الواحد البزار -المتوفَّى سنة ٣٤٩هـ- كتاب الانتصار لحمزة٦.
ج- وألف محمد بن الحسن الأنصاري -المتوفَّى سنة ٣٥١هـ- كتاب السبعة بعللها الكبير٧.
د- وألف أبو بكر محمد بن الحسن بن مِقسم العطار المتوفَّى سنة ٣٦٢هـ:
١- كتاب احتجاج القراءات.
٢- كتاب السبعة بعللها الكبير.
٣- كتاب السبعة الأوسط.
٤- كتاب السبعة الأصغر٨.
هـ - وألف أبو علي الفارسي -المتوفَّى سنة ٣٧٧- كتاب الحجة في الاحتجاج للقراءات السبعة.
وويجيء ابن جني -المتوفَّى سنة ٣٩٢- فيوحي إليه كتاب الحجة بالاحتجاج للقراءت الشاذة.
وبعد، فكأنما كان تأليف القراء الكتب في جمع القراءات ونسبتها والبحث عن أسنادها داعيًا لعلماء اللغة أن يؤلفوا الكتب في الاحتجاج لها، فقد مُهدت أمامهم السبيل، ومُدت لهم الأسباب، فكان جمع القراءات الخطوة الأولى والاحتجاج لها الخطوة التالية، والله أعلم.

١ طبقات الزبيدي: ٥١.
٢ كشف الظنون: ٢/ ٢٢٠.
٣ الفهرست: ٨٨.
٤ إبراز المعاني: ٥.
٥ انظر: خطبة الحجة للفارسي.
٦ الفهرست: ٤٨.
٧ الفهرست: ٥٠.
٨ المصدر السابق: ٤٩.

1 / 10

مقدمة الكتاب "الْمُحْتَسَبُ":
ألَّف ابن مجاهد على رأس المائة الثالثة من الهجرة كتاب القراءات السبعة١؛ فانقسمت القراءات إلى شاذة وغير شاذة، وغلب وصف الشاذ على ما عدا القراءات السبع.
وبدا لأبي علي الفارسي أن يحتج للقراءات السبع؛ فألف كتابه الحجة، وفكَّر بعضَ الوقت أن يؤلف كتابًا مثله يحتج فيه للقراءات الشاذة؛ بل إنه فيما يقول ابن جني في مقدمة المحتسب: "قد هَمَّ أن يضع يده فيه ويبدأ به؛ فاعترضت خوالج هذا الدهر دونه، وحالت كبَواته بينه وبينه".
من أجل هذا تجرد ابن جني للقراءات الشاذة ينوب عن شيخه في الاحتجاج لها، ويؤدي حقها عليه، كما أدى شيخه حق القراءات غير الشاذة عليه؛ إذ كانت داعية الاحتجاج للنوعين ثابتة، والاستجابة لها لازمة؛ بل لعل داعية الاحتجاج للشاذ أثبت، والاستجابة لها ألزم.
قال في المقدمة يشرح غرضه من الاحتجاج للشاذ: " ... غرضنا منه أن نرى وجه قوة ما يسمى الآن شاذًّا، وأنه ضارب في صحة الرواية بجرانه، آخذ من سَمت العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يُرَى مرى أن العدول عنه إنما هو غض منه أو تهمة له".
ويقول في موضع آخر منها يبين رأيه في الشاذ ومكانه عند الله: ".... إلا أننا وإن لم نقرأ في التلاوة به مخافة الانتشار فيه، ونتابع مَن يتبع في القراءة كل جائز رواية ودراية، فإنا نعتقد قوة هذا المسمى شاذًّا، وأنه مما أمر الله تعالى بتقبُّله، وأراد منا العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه، ومرضي من القول لديه".
وزاده رغبة في الإقبال على الشاذ والاحتجاج له أن أحدًا من أصحابه لم يتقدم للاحتجاج له على النحو الذي يريد، قال: "فإذا كانت هذه حاله عند الله ... وكان مَن مضى من أصحابنا لم يضعوا للحجاج كتابًا فيه، ولا أَوْلَوه طرفان من القول عليه؛ وإنما ذكروه مرويًّا مسلَّمًا

١ النشر: ١/ ٣٦.

1 / 11

مجموعًا أو متفرقًا، وربما اعتزموا الحرف منه فقالوا القول المقنع فيه ... حسُن بل وجب التوجه إليه، والتشاغل بعمله، وبسط القول على غامضه ومشكله".
فبذلك كان المحتسب في الاحتجاج لشواذ القراءات، ألفه أبو الفتح وقد عَلَت به السن، وأشرف على نهاية العمر، قال الشريف الرضي: كان شيخنا أبو الفتح النَّحْوِي عمل في آخر عمره كتابًا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ١.
وقال أبو الفتح في مقدمة المحتسب: "وإن قصرت أفعالنا عن مفروضاتك وصلتها برأفتك بنا، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا، ما امتدت أسباب الحياة لنا، فإذا انقضت علائق مُددنا، واستُوفي ما في الصحف المحفوظة لديك من عدد أنفاسنا، واستُؤنفت أحوال الدار الآخرة بنا؛ فاقبلنا إلى كنز جنتك التي لم تُخلق إلا لمن وسع ظل رحمتك".
وهذا كلام قلما يقوله إلا امرؤ غلب عليه التفكير في الآخرة، واستبد به حب التزود لها؛ لأنه يشعر أنه منيته قد دنت، وأن حياته قد آذنت بزوال، فهو يتخشع لله، ويبتغي إليه الوسيلة؛ عسى أن يثيبه الله مغفرة منه ورضوانًا، ولعله لذلك سماه المحتسب، واختار أن يدل باسمه على الغرض الذي يريده به، لا على الموضوع الذي يديره عليه.
ومنهج المحتسب كمنهج الحجة، لا يكاد يخالفه إلا بمقدار ما تقتضيه طبيعة الاحتجاج لقراءة الجماعة والقراءة الشاذة، فأبو الفتح يعرض القراءة، ويذكر مَن قرأ بها، ثم يرجع في أمرها إلى اللغة، يلتمس لها شاهدًا فيرويه، أو نظيرًا فيقيسها عليه، أو لهجة فيردها إليها ويؤنسها بها، أو تأويلًا أو توجيهًا فيعرضه في قصد وإجمال، أو تفصيل وافتنان، على حسب ما يقتضيه المقام، ويتطلبه الكشف عن وجه الرأي في القراءة.
وهو في الجملة أَخْذ بها واطمئنان إليها، وربما وقع في نفسك من كثرة ما عدَّد من خصائصها، واستخرج من لطفائها أنه يؤثرها ويحكم لها على قراءة الجماعة، كما في الاحتجاج لقراءة الحسن: "اهدنا صراطًا مستقيمًا"٢.
وإن هو لم يجد للقراءة وجهًا يسكن إليه؛ إما لشذوذه في اللغة، وإما لحاجته في الاحتجاج إلى ضرب من التكلف والاعتساف، لم يتحرج أن يردها أو يضعف القراءة بها، لا يكاد يأخذها هي نفسها بهذا أو ذاك؛ ولكن يأخذ به الوجه الذي يتجه بها إليه، فهو أَخْذ غير مباشر ولا صريح.
فقال مثلًا في الاحتجاج لقراءة ابن مُحَيْصِن: "ثُمَّ أَطَّرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ"٣ بإدغام الضاد في

١ حقائق التأويل: ٥/ ٣٣١.
٢ سورة الفاتحة: ٦.
٣ سورة البقرة: ١٢٦، وانظر ص١٠٦ من هذا الجزء.

1 / 12

الطاء: "هذه لغة مرذولة". وقال في الاحتجاج لقراءة أبي جعفر يزيد: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"١ بضم التاء: "هذا ضعيف عندنا جدًّا".
وليس عجيبًا ولا منكورًا أن يتشابه الكتابان في المنهج على هذا النحو؛ فموضوعهما واحد، وصاحب الحجة أستاذ لصاحب المحتسب، ووَحْدَةُ الموضوع تستدعي تشابهًا في علاج مسائله، وللأستاذ في تلميذه تأثير، وللتلميذ في أستاذه قدوة.
ولهذا كان المحتسب -كما كانت الحجة- معرضًا حافلًا، يزخر بكثير من الشواهد والتوجيهات، وألوان من الآراء والبحوث اللغوية والصوتية، التي تدل على الغزارة والتمكن، وعلى شمول الإحاطة، ودقة الملاحظة، وبراعة القياس، وصحة الاستنباط.
وليس هذا بكثير على أبي الفتح، ولا هو مما يتعاظمه، فذلك دَأْبُه في كل ما عرفنا له من كتب، ثم هو بعد هذا قد ألف المحتسب في آخر حياته -كما سبق- أي: حين استفاضت تجاربه، واستحصدت مَلَكَاته، وبلغت معارفه غاية ما قُدر لها من نضج واكتمال.
على أن ابن جني كان يأخذ على الحجة أن الشيخ أبا علي قد أغمضه، وأطال الاحتجاج فيه؛ حتى عيَّ به القراء، وجفا عنه كثير من العلماء.
قال في مقدمة المحتسب: "فتجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء"، وقال في الاحتجاج لقراءة "تمامًا على الذي أحسنُ"٢: وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب الحجة في قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرًا ممن يدِّعي العربية فضلًا عن القَرأَة وأجفاهم عنه".
فلم يشأ أن يكون في المحتسب كما كان شيخه من قبله في الحجة؛ لهذا لا تراه يُكثر مثله من الشواهد، ولا يمعن إمعانه في الاستطراد، ولا يغمض إغماضه في الاحتجاج، وهو يذكر هذا وينبه عليه في مواطن شتى من الكتاب.
فيقول في الاحتجاج لقراءة "لا تنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا"٣: "والشواهد على ذلك كثيرة؛ لكن الطريق التي نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة".
ويقول في الاحتجاج لقراءة "فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا"٤: ولولا أن القراء لا ينبسطون في هذه الطريق لنبهت على كثير منه؛ بل إذا كان منتحلو

١ سورة البقرة: ٣٤، وانظر ص٧١ من هذا الجزء.
٢ سورة الأنعام: ١٥٤.
٣ سورة الأنعام: ١٥٨.
٤ سورة هود: ٣٢.

1 / 13

هذا العلم والمترسمون به قلما تطوع١ طباعهم لهذا الضرب منه.... فما ظنك بالقراء لو جُشموا النظر فيه والتقري لِعَزْوره٢ ومطاويه؟
ولعزوف ابن جني عن الإسهاب والإمعان في الاستطرد نراه في مقدمة المحتسب يفضل كتاب أبي حاتم السجستاني في الشواذ على كتاب قطرب "من حيث كان كتاب أبي حاتم مقصورًا على ذكر القراءات، عاريًا من الإسهاب في التعليل والاستشهادات التي انحط قطرب فيها، وتناهى إلى متباعد غاياتها".
على أن أبا الفتح -أحسن الله إليه- لم يلتزم الاقتصاد في الاستشهاد في كل مقام، ولا سيما حين تكون القراءة غريبة، يدعو ظاهرها إلى التناكر لها والتعجب منها.
فقد استشهد في قراءة: "اهدنا صراطًا مستقيمًا" بعشرة شواهد، بعضها من شعر المولدين، واحتج لقراءة: "وَلا أَدْرَأتُكُمْ بِهِ" فأطال الاحتجاج ما شاء الله أن يطيل، ثم ختمه بقوله: وهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تُعطَى اليد بفساده.
وعبارة المحتسب مرسلة متدفقة، فيها طلاوة بادية، وعليها مسحة ملازمة من عذوبة الفن وأناقته، مبسوطة في غير حشو ولا فضول، يشيع فيها الازدواج، ويطول الفصل، جزلة الألفاظ، لا تخلو أحيانًا من بعض الغريب الذي يحتاج في الكشف عن معناه الذي يقتضيه المقام إلى فضل تأَوُّل وإمعان، وفي مقدمة الكتاب أمثلة له متفرقة.
أما شواهد المحتسب فكثيرة؛ لكن يشيع فيها التَّكْرَار؛ لتكرر مقتضيات الاستشهاد بها، وجملتها من الشعر، وفيها قليل من حديث الرسول وكلام البلغاء والأمثال السائرة، وطريقته في إيرادها لا تخالف طريقة العلماء الآخرين؛ فهو ينسب بعضها ولا ينسب بعضها الآخر، ويرويها في أكثر الأمر أبياتًا كاملة، وفي أقله أجزاء من الأبيات، يبلغ أحدها شطر البيت، وقد يقل عنه أو يزيد عليه، وربما روى الشاهد مع بعض صلته، فإذا هو معها بضعة أبيات.
وأكثر شواهده مما يتردد في كتب اللغة وعلومها، وبينها طائفة من أشعار المولدين، يأتي بها للاستئناس والتمثيل، أو لإيضاح المعنى وتأييده، قال وقد روى بيتًا للمتنبي في أثناء الاحتجاج لقراءة "وَلِيَلْبَسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ"٣ بفتح الباء: "ولا تقل ما يقوله مَن ضعفت نحيزته، وركت طريقته: هذا شاعر محدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يُحتج به

١ تنقاد.
٢ شديده ومتجافيه.
٣ سورة الأنعام: ١٣٧.

1 / 14

في كتاب الله -جل وعز- فإن المعاني لا يرفعها تقدُّم، ولا يُزري بها تأخر. أما الألفاظ، فلعمري إن الموضع معتبر فيها".
ومصادر المحتسب -كما يقول في المقدمة- نوعان: كتب يأخذ منها، وروايات صح لديه الأخذ بها.
فأما الكتب فهي:
١- كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة.
٢- كتاب أبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني.
٣- كتاب أبي علي محمد بن المستنير قطرب.
٤- كتاب المعاني للزجاج.
٥- كتاب المعاني للفراء.
وأما ما صح عنده الأخذ به مما يرويه عن غيره فيقول عنه: "لا نألو فيه ما تقتضيه حال مثله من تأدية أمانته، وتحرِّي الصحة في روايته".
وقد نقل عن طائف من رواة اللغة وعلمائها، وسنقصر الكلام على نقله عمن يبدو أثرهم في الكتاب، ويكثر ذكرهم فيه.
ولم يكن ابن جني يتقبل كل ما ينقله أو يأخذه على ما خيلت؛ ولكنه كان ينظر فيه وينقده، في تلطف ورفق حينًا، وفي قوة وعنف حينًا آخر، صريحًا واضحًا، وحُرًّا مستقلًّا، وعادلًا منصفًا في كل حين، ينشد الحقيقة وينزل على حكمها أنَّى تكون.
لقد نقل عن سيبويه واستشهدج بكثير من شواهده، فوافقه وخالفه، وربما جاوز الوفاق إلى الدفاع، وجاوز الخلاف إلى الإنكار والملام، كما في الاحتجاج لقراءة: "وَيُعَلِّمْهُمُ الْكِتَابَ"١ بسكون الميم، فقد أورد قول امرئ القيس:
فاليوم أَشربْ غير مستحقِب ... إثمًا من الله ولا واغل
ثم قال: "وأما اعترض أبي العباس هنا على الكتاب، فإنما هو على العرب لا علي صاحب الكتاب؛ لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن في الوزن أيضًا غيره. وقول أبي العباس: إنما الرواية "فاليوم فاشرب"، فكأنه قال لسيبويه: كذبتَ على العرب، ولم تسمع ما حكيت عنهم! وإذا بلغ الأمر هذا الحد من السرَف؛ فقد سقطت كلفة القول معه".

١ سورة البقرة: ١٢٩.

1 / 15

وكما في الاحتجاج لقراءة عيسى بن عمر "عَلَى تَقْوًى مِنَ اللَّهِ"١ بالتنوين، فقد رَوى أن سيبويه سُئل عن وجه التنوين هنا فقال: لا أدري، ولا أعرفه، وقال ابن جني يبين الوجه: "وأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا في هذه القراءة، فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث ... وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف في قياس ذلك، وألا يقول: لا أدري ... فأما يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز -يعني: فيما سمعه- لكن لا عذر له في أن يقول: لا أدري".
ونقل عن شيخه أبي علي الفارسي، فرَوى مما أنشده إياه من شواهد، وما أخذه عنه من أصول، ما انتهيا إليه من رأي في المسائل التي دار بينهما فيها حوار ومساءلة، يعرض كل أولئك في صراحة وأمانة، ثم يختم النقل ويعقب عليه بما قد يكون عنده من مزيد.
فتراه مثلًا يقول:
أنشدنا أبو علي.....، أو حدثني أبو علي، أو وهذا أخذناه عن أبي علي، ثم يقول: هذا آخر الحكاية عن أبي علي، وينتقل إلى إضافة ما يريد أن يضيف، مما يستقل به من رأي، فتراه مثلًا يقول: "ينبغي أن يُعلم ما أذكره"، أو: "وفيه عندي شيء لم يذكره أبو علي ولا غيره من أصحابنا"، أو: "ووجه ذلك عندي ما أذكره"، أو نحو ذلك مما يتردد كثيرًا في مواضع مختلفات من المحتسب.
ونقل عن الكسائي فأُعجب به وأَنكر عليه؛ ففي الاحتجاج لقراءة: "وَمَا يُخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"٢ بضم الياء وفتح الدال يقرر أنها جاءت "على خدعَتْه نفسه لما كان معناه معنى انتقصته نفسه أو تخونته نفسه، ورأيت أبا علي يذهب إلى استحسان مذهب الكسائي في قوله:
إذا رضِيت عليَّ بنو قُشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
لأنه قال: عدَّى رضيت "بعلى" كما يعدَّى نقيضها وهي سخطت به، وكان قياسه رضيت عني، وإذا جاز أن يُجرى الشيء مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ، فهذا مذهب الكسائي، وما أحسنه!
وفي الحديث عن قراءة يعقوب: "وَيْكَ أَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ"٣ بالوقف على "ويك" والابتداء "بأنه"، يقول بعد أن أورد بيت عنترة:
ولقد شفى نفسي وأَبرأَ سُقْمَها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

١ سورة التوبة: ١٠٩.
٢ سورة البقرة: ٩.
٣ سورة القصص: ٨٢.

1 / 16

وقال الكسائي فيما أظن: أراد ويلك، ثم حذف اللام، وهذا يحتاج إلى خَبَرِ نبي ليُقبل".
ونقل عن ابن مجاهد فوثق به في النقل والرواية، وتعقبه في اللغة بالإنكار والمخالفة، فيقول في المقدمة عن كتابه في الشواذ: " ... أَثبتُ في النفس من كثير من الشواذ المحكية عمن له روايته ولا توفيقه ولا هدايته".
وينقل تفسيره لقراءة: "ولا يَوُوده حِفظها"١ بلا همز، ثم يقول: "خلَّط ابن مجاهد في هذا التفسير تخليطًا ظاهرًا، غير لائق بمن يعتد إمامًا في روايته، وإن كان مضعوفًا في فقاهته".
وينقل قراءة يحيى وإبراهيم السلمي: "أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ"٢ بالياء ورفع الميم، وينقل معها قول ابن مجاهد فيها: وهو خطأ، ثم يقول: قول ابن مجاهد إنه خطأ فيه سرف؛ لكن وجه غيره أقوى منه.
وينقل قراءة: "أنبهم" بوزن أعطهم، قراءة "أنبيهم" بلا همز، وقراءة "أنبئهم"٣، وينقل معها أيضًا قول ابن مجاهد فيها: وهذا لا يجوز، ثم يمضي في الاحتجاج لهذه القراءات، والتماس الوجه لكل منها، حتى إذا بلغ من ذلك غايته قال: فقد علمت بذلك أن قول ابن مجاهد: هذا لا يجوز، لا وجه له؛ لما شرحناه من حاله، ورحم الله أبا بكر، فإنه لم يأْل فيما علمه نصحًا، ولا يلزمه أن يُري غيره مالم يُره الله تعالى إياه. وسبحان قاسم الأزراق بين عباده، وإياه نسأل عصمة وتوفيقًا وسدادًا بفضله.
ورأَيْنَا ابن جني في المحتسب يأخذ ببعض ما لم يرَ الأخذ به في الخصائص، فإذا هو بذلك لا يخالف رأيًا له وحسب؛ ولكنه يخالف مذهبه النحوي أيضًا.
قال في الخصائص: وسمعت الشجري أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقي في نحو يعدو وهو محموم، ولم أسمعها من غيره من عُقيل؛ فقد كان يَرِد علينا منهم من يؤنس به ولا يبعد عن الأخذ بلغته، وما أظنُّ الشجري إلا استهواه كثرة ما جاء عنهم من تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين ... وهذا قاسه الكوفيون، وأن كنا نحن لا نراه قياسًا؛ لكن مثل يعدو وهو محموم لم يُروَ عنهم فيما علمت٤.
وقال في المحتسب في الاحتجاج لقراءة "إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرَحٌ"٥ بفتح القاف والراء: قَرْح

١ سورة البقرة: ٢٥٥.
٢ سورة المائدة: ٥٠.
٣ سورة البقرة: ٣٣.
٤ الخصائص: ٢/ ٩.
٥ سورة آل عمران: ١٤٠.

1 / 17

وقَرَح كالحلْب والحلَب.... وفيه أيضًا قُرْح على فُعْل، يقرأ بهما جميعًا، ثم لا أبعد من بعد أن تكون الحاء لكونها حرفًا حلقيًّا يفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فيما كان ساكنًا من حروف الحلق، نحو قولهم في الصخْر: الصَّخَر ... ولعمري إن هذا عند أصحابنا ليس أمرًا راجعًا إلى حرف الحلق؛ لكنها لغات.
وأنا أرى في هذا رأي البغداديين في أن حرف الحلق يُؤَثر هنا من الفتح أثرًا معتدًّا معتمدًا، فلقد رأيت كثيرًا من عُقيل لا أحصيهم تُحرك من ذلك ما لا يتحرك أبدًا لولا حرف الحلق، وهو قول بعضهم: نحَوه، يريد: نحوه، وهذا ما لا توقف في أنه أمر راجع إلى حرف الحلق؛ لأن الكلمة بنيت عليه ألبتة، وبعد أن دلل على ذلك، وذكر ما سمعه من الشجري قال: ولا قرابة بيني وبين البصريين؛ لكنها بيني وبين الحق، والحمد لله.
وقد سمع ابن جني من عرب عُقيل، ونقل عمن يثق بعربيته منهم إلى المحتسب وغيره، كما فعل سيبويه من قبل؛ فتراه يقول في المحتسَب مثلًا: حضرني قديمًا بالموصل أعرابي عُقيلي، أو رأيت كثيرًا من عُقيل لا أحصيهم، أو سمعت غلامًا حدثًا من عُقيل ... وهكذا.
ويبدو أن سبب اختصاصه بني عُقيل بالأخذ والرواية أنهم كانوا بالكوفة والبلاد الفراتية والجزيرة والموصل، هاجروا إليها بعدما غُلبوا على مساكنهم في البحرين١.
وأفاد ابن جني في الاحتجاج للشواذ من لهجات القبائل، يرجع إليها ويُخرِّج على مقتضاها؛ ولهذا ورد في المحتسب كثير منها. وقد أفرد المرحوم الأستاذ تيمور ثبتًا لهذه اللهجات في صدر كل جزء من جزأي نسخة المحتسب المحفوظة في خزانته، ﵀.
ويذكرابن جني في المحتسب طائفة من أصول العربية وقواعدها العامة: من لغوية ونحوية وعروضية، دعته دواعي الاحتجاج وتأييد الرأي إلى إيرادها في مواطن شتَّى من الكتاب؛ من مثل: العرب إذا انطقت بالأعجمي خلَّطت فيه٢، ويجوز مع طول الكلام ما لا يجوز مع قصره٣، ووقوع الواحد موقع الجماعة فاش في اللغة٤، والخطاب بالتاء أذهب في قوة الخطاب٥، والقوافي حوافر الشعر، وتشبع العرب

١ صبح الأعشى: ١/ ٣٤٢.
٢ انظر: الاحتجاج لقراءة "إسراييل" بلا همز، سورة البقرة: ٤٠.
٣ انظر: الاحتجاج لقراءة: "فأمتعه قليلًا ثم اضطره" على الدعاء، سورة البقرة: ١٢٦.
٤ انظر: الاحتجاج لقراءة: "وملائكته وكتابه" على التوحيد، سورة النساء: ١٣٦.
٥ انظر: الاحتجاج لقراءة: "فبذلك فلتفرحوا" بالتاء، سورة يونس: ٥٨.

1 / 18

مدات التأسيس والردف والوصل والخروج عناية بالقافية؛ إذ كانت للشعر نظامًا، وللبيت اختتامًا١، والأمثال تجري مجرى المنظوم في تحمل الضرورة٢.
وفي الكتاب كذلك عرض لبعض مسائل البلاغة؛ ففي الاحتجاج لقراءة ابن عباس: "إني أراني أعصر عِنَبًا"٣ كلام عن بعض صور المجاز المرسل، وفي الاحتجاج لقراءة: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"٤ كلام عن نظم الأسلوب وعَلاقته بإرادة ناظمه، وفي الاحتجاج لقراءة: "اهْدِنَا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا"٥ كلام عن التجريد، وهكذا.
فرضي الله عنك يا أبا الفتح، وأثابك بما صنعت في المحتسب لكتابه ولغة نبيه، لقد أعملت فيه عبقريتك، وبذلت له من جُهْدك ما شاء الله أن تبذل؛ حتى استوى بين يديك سِفْرًا جليلًا، وظل على الزمان ذكرًا حميدًا وأثرًا باقيًا.
علي النجدي ناصف، عبد الحليم النجار، عبد الفتاح شلبي

١ انظر: الاحتجاج لقراءة: "يا حسره على العباد" بالهاء، سورة يس: ٣٠.
٢ انظر: الاحتجاج لقراءة: "قل رب احكم بالحق" بضم الباء والألف ساقطة على أنه نداء مفرد، سورة الأنبياء: ١١٢.
٣ سورة يوسف: ٣٦.
٤ سورة البقرة: ٣١.
٥ سورة الفاتحة: ٦.

1 / 19

النسختان اللتان اعتمدنا عليهما في تحقيق المحتسب:
اعتمدنا في تحقيق المحتسب على نسختين:
أولاهما: نسخة دار الكتب المصرية برقم ٧٨، قراءات، وتاريخ نسخها سنة ٥٢٨، وعدد أوراقها ١٦٩ ورقة، كتبت بخط مغربي، وتشتمل الصفحة الواحدة على ٢٦ سطرًا، ويحتوي السطر الواحد في المتوسط على سبع عشرة كلمة، وفي الزاوية اليمنى من صفحة العنوان سبعة أسطر على هيئة مثلث قاعدته إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل، والأسطر السبعة على النحو الآتي:
وإلى اليسار من هذا المثلث، وفي محاذاة السطر الثاني منه كتبت كلمتا: "مكتوب بآخره"، ثم طُبع بخاتم لم نتبينه. وإلى اليمين من هذا الخاتم وفوق المحتسب من عنوان الكتاب ما يأتي: "بفتح السين كما ضبطه ... "، وبقية الكلام لم نتبينه لانطماسه بالخاتم المذكور.
وإلى اليسار من أعلى هذا الخاتم، ومن وسطه الملاصق له عبارة لنا منها: من كتب ... المدني، وبقية الكلمات لم نتبينها لعدم ظهور بعضها، ولترميج بعضها الآخر.
وفي طرف الجانب الأيسر من الخاتم تمليك في ثلاثة أسطر:
من كتب
عبد ... أحمد بن محمد
.... .... ....
والمحذوف لم نتبينه.

1 / 20

وتحت هذا التمليك كلمتا: نعمان الحسنى في سطرين، وعبارة: "ثم صار في محاز أحمد باحسن كان الله له آمين" في أربعة أسطر.
وفي أسفل الختم عنوان الكتاب واسم مؤلفه في ثلاثة أسطر على النحو الآتي:
الكتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها.
تأليف أبي الفتح عثمان بن جني النحوي ﵀، ويلي هذا ما كتبه الطاهر السلفي بخطه، وهذا نصه:
قرأ عليَّ هذا الكتاب الفقيه الأَجل العالم البر عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن سعيد الداني المقرئ حرسه الله من هذا النوع، وأنا أنظر في أصل كتاب أبي الحسن نصر بن عبد العزيز بن نوح الشيرازي الذي عليه خط علي بن زيد القاساني بسماعه، وكان يرويه عن مؤلفه أبي الفتح.
وقرأت أنا علَى مرشد بن علي بن القاسم المدني من أوله إلى ابتداء سورة المائدة، وأجاز لي رواية باقيه عنه كما أجازه له شيخه أبو الحسين الشيرازي عن القاساني عن مصنفه، وحضر قراءته من فقهاء الأندلس وغيرهم نفر لم يكمل لأحد منهم سماع جميع الكتاب سوى ولده النجيب أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسن المقرئ وفقه الله تعالى.
وقد سمعا عليَّ أيضًا كتاب المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي، وهو كتاب مفيد في علم الحديث، أخبرنا به أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي ببغداد أنا أبو الحسن علي أحمد بن علي الفالي، أنا أبو عبد الله أحمد بن إسحاق بِزَخَرْ باذ النهاوندي، أنا القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي مؤلفه. وكتاب نكت إعجاز القرآن الذي أخبرنا به أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن ميمون النصيبي الكاتب، أنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني مؤلفه. وكتاب بيان إعجاز القرآن الذي أخبرنا به ابن بركات أنا سعيد بن علي الزنجاني أبو القاسم الصيدلاني الثقفي، أنا علي بن الحسن السجزي، أنا أبو سيلمان الخطابي.
وكتاب الجمعة وفضلها، ومسند عائشة تأليف القاضي أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي، أخبرنا به مرشد بن علي المديني، أنا علي بن محمد بن علي الفارسي، أنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن المفسر الدمشقي، أنا المروزي. وكتاب العلم الذي انتقاه عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي عيد المهندس، أخبرنا مرشد أنا عبد الملك بن

1 / 21

عبد الله بن مسكين، أنا المهندس. وكتاب الأربعين في الخطب والمواعظ، أخبرنا به القاضي أبو نصر بن علي بن وَدْعان الموصلي مؤلفه. والمجالس الخمسة التي أمليتها أنا بسَلَماس١ سنة ست وخمسمائة، وغير ذلك من الأجزاء المنثورة.
وأجزت لهما جميع ما يصح عندهما من مسموعاتي ومجموعاتي، وأذنت لهما في رواية ذلك عني على الشرائط المرعية في الإجازات الشرعية. وكتب أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم السلفي٢ الأصبهاني بالإسكندرية في صفر سنة ثمان وعشرين وخمسمائة حامدًا لله ومصليًا على رسوله وآله وصحبه وأزواجه. وقد جعلنا هذه النسخة أصلًا.
وأما النسخة الأخرى التي استعنا بها، فهي محفوظة بدار الكتب المصرية قراءات ٢٥٢، وهي في مجلد واحد، عدد صفحاته ٨٥٤ صفحة، وتم نسخها في ١٩ من ذي الحجة سنة ١٣٣٥هـ، بخط الكاتب محمود بن عبيد الملقب بخليفة، المدرس بالمدارس الثانوية المصرية، وهي بخط نسخ واضح، وتحتوي الصفحة على ٢١ سطرًا، ويشتمل السطر على تسع كلمات في المتوسط.
وطول الصفحة ٢٤سم، شغل بالكتابة منها ١٨سم، وعرضها ١٧سم، شغل بالكتاب منها ٩سم، وورقها غليظ سميك.
وقد رمزنا لها بالحرف "ك".

١ مدينة مشهورة بأذربيجان.
٢ هو أبو طاهر السلفي الحافظ العلامة الكبير أحمد بن أحمد الأصبهاني، تُوفي سنة ٥٧٦. شذرات الذهب: ٤/ ٢٥٥.

1 / 22