Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
أخبرني أبو الحسين بن عياش القاضي ، عمن أخبره : إنه كان بحضرة حامد بن العباس ، لما قبض على الحلاج ، وقد جيء بكتب وجدت في داره ، من قوم تدل مخاطبتهم ، إنهم دعاته في الأطراف ، يقولون فيها : وقد بذرنا لك في كل أرض ما يزكو فيها ، وأجاب قوم إلى أنك الباب - يعنون الإمام - وآخرون أنك صاحب الزمان - يعنون الإمام الذي تنتظره الأمامية - وقوم إلى أنك صاحب الناموس الأكبر - يعنون النبي صلى الله عليه وسلم - وقوم إلى أنك أنت هوهو - يعنون الله عز وجل - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . قال : فسئل الحلاج عن تفسير هذا الرمز ، فأخذ يدفعه ، ويقول : لا أعرف هذه الكتب ، هذه مدسوسة علي ، لا أعلم ما فيها ، ولا معنى لهذا الكلام . وحدثني أبو الحسين بن عياش ، عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير ، وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلاج ، فيها : إن الإنسان إذا أراد الحج فإنه يستغني عنه ، بأن يعمد إلى بيت داره ، فيعمل فيه محرابا ذكره ، ويغتسل ، ويحرم ، ويقول كذا ، ويفعل كذا ، ويصلي كذا ، ويطوف بهذا البيت كذا ، ويسبح كذا ، ويصنع كذا ، أشياء قد رتبها وذكرها من كلام نفسه ، قال : فإذا فرغ من ذلك ، فقد سقط عنه الحج إلى بيت الله الحرام . وهذا شيء معروف عند الحلاجية ، وقد اعترف لي رجل منهم ، يقال إنه عالم لهم ، ولكن ذكر أن هذا رواه الحلاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم ، وقال ليس عندنا إنه يستغني به عن الحج ، ولكنه يقوم مقامه ، إن لم يقدر على الخروج ، بإضافة ، أو منع ، أو علة ، فأعطاني المعنى ، وخالف في العبارة . قال لي أبو الحسين : فسئل الحلاج عن هذا ، وكان عنده إنه لا يوجب عليه شيئا ، فأقر به ، وقال : هذا شيء رويته كما سمعته ، فتعلق بذلك عليه . واستفتى حامد ، القاضيين أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي الأنباري ، وأبا عمر محمد بن يوسف ، وهما إذ ذاك ، قاضيا بغداد . فقال أبو عمر : هذه زندقة ، يجب عليه القتل بها ، لأن الزنديق لا يستتاب . وقال أبو جعفر : لا يجب عليه القتل ، إلا أن يقر بأنه يعتقد هذا ، لأن الناس قد يروون الكفر ولا يعتقدونه ، فإن أخبر أن هذا شيء رواه وهو يكذب به ، فلا شيء عليه ، وإن أخبر إنه يعتقد ، استتيب منه ، فإن تاب ، فلا شيء عليه ، وإن لم يتب ، وجب عليه القتل . قال : فعمل في أمره على فتوى أبي عمر ، وعلى ما شاع وذاع من أمره ، وظهر من إلحاده وكفره ، واستغوائه الناس ، وإفساده أديانهم ، فاستؤذن المقتدر في قتله ، وكان قد استغوى نصرا القشوري ، من طريق الصلاح والدين ، لا مما كان يدعو إليه ، فخوف نصر السيدة أم المقتدر . من قتله ، وقال : لا آمن أن يلحق ابنك - يعني المقتدر - عقوبة هذا الشيخ الصالح ، فمنعت المقتدر من قتله ، فلم يقبل ، وأمر حامدا بأن يقتله ، فحم المقتدر يومه ذاك ، فازداد نصر والسيدرة افتتانا ، وتشكك المقتدر فيه ، فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله ، فتأخر ذلك أياما ، إلى أن زال عن المقتدر ما كان يجد من العلة ، فاستأذن حامد في قتله ، فضعف الكلام فيه ، فقال له حامد : يا أمير المؤمنين ، إن بقي ، قلب الشريعة ، وارتد خلق على يده ، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك ، فدعني أقتله ، وإن أصابك شيء ، فاقتلني ، فأذن له في قتله ، فعاد ، فقتله من يومه ، لئلا يتلون المقتدر . فلما قتل ، قال أصحابه : ما قتل هو ، وإنما قتل برذون كان لفلان الكاتب ، اتفق إنه نفق ذلك اليوم . وهو يعود إلينا بعد مدة ، فصارت هذه الجهالة ، مقالا لطائفة منهم .
Page 110