135

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه ، بن أبي علان الأهوازي الكاتب ، خال والدي ، قال : كانت بيني وبين أبي جعفر بن قديدة ، عداوة ، وكنت قد تبت من التصرف مع السلطان . فتقلد ضياع السيدة أم المقتدر ، وفيها ما يجاوز ضيعتي ، فآذاني أذى شديدا ، في الشرب ، والأكرة ، وقصد إخراب ضيعتي ، وإبطال جاهي فصبرت عليه . فقبض يوما على أكار لي ، فصفعه صفعا عظيما ، فأنفذت إليه كاتبا كان يكتب لي على ضيعتي ، يعرف بأبي القاسم على بن محمد بن خربان ، ليعاتبه ، ويستكفه ، ويأخذ الأكار ، فتلقى الرجل بكلام غليظ . فعاد إلي ، فقال : إن هذا قد جدبك ، فخذ حذرك ، ودبر أمرك بغير ما أنت فيه . فقلت : ما الخبر ؟ فعرفني ما جرى عليه . ففكرت ، فلم أر لحسم مادته ، وأذيته في نفسه ، غير ضمان ضياع السيدة ، وتسلمه ، ومطالبته بالحساب ، وإيقاعه في المكاره . فكتبت إلى كاتب السيدة ، وخطبت ضمان النواحي ، بزيادة ثلاثين ألف دينار في ثلاث سنين ، عما رفعها ابن قديدة ، على أن تسلم إلي ، لأحاسبه وأطالبه ، بما يخرجه الحساب عليه ، وأوفره ، مضافا إلى هذه الزيادة . وأنفذت الكتاب مع فيج قاصد . فحين نفذ ، اغتممت ، وقلت : ضياع لا أعرف حاصلها على الحقيقة ، لم حملت نفسي على هذا ؟ وكان احتمال عداوة الرجل ، أيسر من هذا . وطرحت نفسي مفكرا ، وأنا بين النائم واليقظان ، حتى رأيت ، كأن رجلا شيخا ، أبيض الرأس واللحية ، بزي القضاة ، قد دخل إلي وعليه طيلسان أزرق ، وقلنسوة ، وخف أحمر . فقال : ما الذي يغمك من هذا الأمر ؟ ستربح في أول سنة من هذا الضمان ، على ما زدته ، عشرة آلاف دينار ، وتخسر في الثانية ، عشرة ، وتخرج في الثالثة بغير ربح ولا خسران ، ويكون تعبك بإزاء اشتفائك من عدوك . فانتبهت متعجبا ، وسألت : هل دخل إلي أحد ؟ فقالوا : لا ، فقويت نفسي قليلا . فلما كان في اليوم الثاني والعشرين ، ورد رسول من بغداد ، بكتب إلي قد أجبت فيها إلى ملتمسي ، وكوتب في طيها ، عامل كان لهم بالطيب مقيما ، يشرف على جميع عمالهم بكور الأهواز يؤمر بقدومها وتسليم ابن قديدة إلي ، وعقد الضمان علي . فأنفذت إلى العامل سفتجة بألف دينار مرفقا ، وكتبت إليه ، وسألته الحضور ، وأنفذت إليه الكتب الواردة . فلما كان بعد أيام ، كنت جالسا مع عامل الأهواز ، على داره بشاطىء دجيل فإذا عسكر عظيم قد طلع من جانب المأمونية . فارتاع ، وظن أن صارفا قد ورد ، وأنفذ من سأل عن الخبر ، فعاد ، وقال : فلان ، عامل السيدة ، فعبر في طياره ، وأنا معه ، لتلقيه . فحين اجتمعا ، قال له : يا سيدي ، أريد ابن أبي علان . فقلت : أنا هو يا سيدي . قال : ولم يكن يعرفني ، ولا أعرفه إلا بالوجوه فأقامني من موضعي ، ورفعني فوق الجماعة ، وتحير العامل ، ومن حضر . وقال له : أريد ابن قديدة ، فأنفذ إليه ، فاستدعاه . فحين حضر قيده ، وقال لي : يا أبا القاسم تسلمه . فقال العامل : أيش هذا التعب ؟ وأقبلت الجماعة تمازحني . فقلت : هو أحوجني إلى هذا . قال : فتسلمه ، وقمت إلى داري . وعبر عامل السيدة ، فحملت إليه من الألطاف ، والأنزال ، والهدايا ، ما صلح ، وعقد علي الضمان من غد ، وانصرف في اليوم الثالث . وحملت إليه ألف دينار أخرى مرفقا . وحصلت ابن قديدة معي في المكاره مترددا ، ووفرت من جهته مالا على السيدة ، وكاتبها ، وكذا العامل ، وارتجعت ما لزمني على مؤونة العامل ومرفقة . وأطلقته بعد شهور إلى داره ، وقد ركبه دين ثقيل ، وباع شيئا من ضيعته ، وانكسر جاهه ، وانخزلت نفسه . | ونظرت في الضمان ، وتصرمت السنة ، فربحت عشرة آلاف دينار . فقلت : قد جاء ما قال الشيخ في المنام ، فأثبتها عند الصارف ، ولم أدخلها في دخلي ، ولا في خرجي . فلما كانت السنة الثانية ، قعدت بي الأسعار ، فخسرت ذلك القدر ، فأديته بعينه في الخسران . فلما كانت السنة الثالثة ، خرجت رأسا برأس ، ما خسرت ولا ربحت شيئا . فصححت مال الضمان ، وكتبت أستعفي ، وقد علمت أن النكبة قد بلغت بابن قديدة إلى حد لا يجسر أن يتقلد معها ، ولا أن يقلد أيضا . فلم يعفني كاتب السيدة ، وطالبني بتجديد الضمان على الزيادة ، وعمل على التأول عليها من ابن قديدة . وأنفذ في إشخاصي ، خادما من كبار خدم السيدة ، فجاء في طيار ، وأمر هائل ، فتخوفت من الشخوص معه ، فأحصل في الحبس ، وتستمر علي المكارة ، وأنقطع عن الشروع في الخلاص . فأنزلت الخادم ، وهاديته ، ولاطفته ، وحملت إليه خمسة آلاف درهم فاستعظمها ، وعبدني . فقلت له : إن ذيلي طويل ، وأريد أن أصلح أمري ، ثم أخرج ، فتمهلني أسبوعا ، وتدعني أخلو في منزلي ، وأصلح ما أحتاج إليه ، ثم أخرج معك ، فمكنني من ذلك . فقلت لإخوتي ، وأصهاري ، وكتابي : ليدعه كل واحد منكم يوما ، له ، ولغلمانه ، وأسبابه ، وامنعوهم من معرفة خبري ، وشاغلوهم بالنبيذ ، والشطرنج ، والمغنيات ، ففعلوا ذلك . وخرجت أنا تحت الليل بمرقعة ، راكبا حمارا ، ومعي غلامان من غلماني ، ودليل ، وليس معي شيء من الدنيا ، إلا سفاتج بخمسة آلاف دينار . وسرت واشتغل الخادم بالدعوات ، فما عرف خبري إلا وأنا بواسط ، فقامت قيامته ، وانحدر في طريق الماء ، فوصل إلى الأبلة ، وقد قاربت أنا بغداد ، ثم دخلتها متخفيا ، وطرحت نفسي على أبي المنذر النعمان ابن عبد الله ، وكانت لي به حرمة وصحبة ، أيام تقلده الأهواز ، وتصرفي معه ، فلقي بي أبا الحسن ، علي بن عيسى ، وهو إذا ذاك الوزير ، وعرفه محلي . فقال لي : قد كنت أحب أن أراك ، لما يبلغني من حسن صناعتك ، وطرح إلي أعمالا ، فعملتها بحضرته ، وأعجبته صناعتي ، وقرظني . ولزمته أياما ، وخبري منستر عن كاتب السيدة ، ثم خاطب الوزير في أمري ، وخوطبت السيدة . فقالت : لا أقرر أمره ، أو يصير إلى ديواني . فقال لي : امض وأنا من ورائك ، ولا تخف . فمضيت ، فاغتفلوني ، فراسلتهم في أمري . وحضر أبو المنذر ، ديوان السيدة ، فتوسط ما بيني وبينهم ، وقرر الأمر على صلح ثلاثة آلاف دينار ، آو نحوها - الشك مني - وضمنها عني ، وأخذني إلى داره ، فأديتها إليه من جملة السفاتج . وطالبني علي بن عيسى ، بالتصرف معه ، فعرفته توبتي منه ، وإني إنما ضمنت هذا الضمان ، لضرورة ، وشرحت له الخبر ، فأعفاني . فرجعت إلى الأهواز ، وقد مضت السنون على العداوة بيني وبين ابن قديدة ، إلا أنه منهزم . وكتب السلطان ببيع ضياعه بالأهواز ، وكان الناس يشترون ما يغل في سنة وأكثر ، بنصف ثمنه ، فاشتريت ما كان فيه غناي ، وخرقت فيه الحكم . واشترى أبو عبد الله البريدي لنفسه ، بأسماء قوم ، أمرا عظيما ، برأيي واختياري له ، وكان سره عندي ، وكان في ذلك الوقت لا يتقضى علي . واشترى ابن قديدة ، فيمن اشترى ، وتصرفنا في الضياع . فكتب السلطان بإلزامنا زيادة عظيمة ، أظنه قال : مائة ألف دينار . فقال لي البريدي : كيف أعمل في الزيادة ؟ قلت : لا يلزمها الناس لك ، وواضعت أهل البلد على الإمتناع ، فجمعهم ، وخاطبهم ، فامتنعوا ، واحتاج إلى أن خبطهم . فخلا بي ، فقال : ما أعرف في هذا غيرك ، فدبره لي ، وألزمني ذلك ، فقلت : مكني من العمل بما أريد ، وعلي المال . فقال : أنت ممكن . فجلست أنا وغلام جوذاب ، فقسطنا المال على أهل البلد ، وأخرجنا أنفسنا ، فما ألزمناها شيئا ، ونقصنا من عنينا به ، وزدنا بإزاء ذلك على غيره . قال : واعتمدت أن قسطت على ابن قديدة ضعف ما يلزمه ، وعملنا بذلك جرائد . وناظرنا الناس على الإلتزام بما قسطناه ، فامتنعوا ، وقالوا : على أي حساب هذا ؟ وحاسبونا ، وناظرونا . فقلت للجماعة : من صلح له أن يلتزم هذا التقسيط ، وإلا فليحاسبنا على ما قبضه من غلات الضياع التي اشتراها ، وأنا أرد عليه ما يبقى له من الثمن بعد ذلك ، وآخذ ما اشتراه ، وألتزم هذه الزيادة . وكان كل إنسان قد اشترى ما في شركته ، وما في جواره ، مما كان يتأذى به هو وأسلافه ، منذ مائة سنة ، وما كان يتمناه ويشتهيه منذ ذلك العهد ، وما قد ارتخصه ، واستصلحه . فقامت قيامة أهل البلد ، والتزموا عن أخرهم التقسيط ، على ما فصلته عليهم ، من غير محاسبة . ووركت على ابن قديدة مالا عظيما ، فلم يكن له فيه وجه . فأنا جالس في بيتي ليلة ، إذ جاءني فدخل إلي . فقلت : ما هذا يا أبا جعفر ؟ وقمت إليه ، وسلمت عليه ، فعاتبني ، وخضع لي . فقلت : ما تريد ؟ فقال : تخفف عني من التقسيط ، وتعاونني بمالك ، فو الله ، ما معي ما أؤديه . فخففت عنه منه شيئا يسيرا ، وأقرضته ثلاثين ألف درهم ، وكتبت بها عليه قبالة ، وأشهدت فيها حماعة عدول البلد ، وتركتها في بيتي ، فلم أفكر في المال سنين . ورجعت أدس المكاره ، والمغارم ، والمحن عليه ، وهو يذوب ، وينقص في كل يوم . فلما علمت أنه قد بلغ آخر أمره ، طالبته بالدين ، فاستتر عني في منزله . فاستعديت عليه إلى القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي ، فكتب لي عدوى إلى صاحب المعونة . فهرب من داره ، فنادى القاضي على بابه بالحضور ، فلم ينجع ذلك . فسألت البريدي إخراجه ، فكبس عليه وأخرجه ، وأحضره معي إلى القاضي ، فقامت البينة عليه بالمال . فسألت القاضي حبسه . فقال لي القاضي علي بن محمد : الحبس في الأصل غير واجب ، وذوو المروءات لا يحبسون مع أصاغر الناسفي حبس واحد ، ولكن أمكنك من أن تلازمه بنفسك أو أصحابك ، كيف شئت . فلازمته في مسجد على باب القاضي بأصحابي ومضيت إلى البريدي ، فقلت : قد لحقت خصمي عناية القاضي ، فالله الله في ، فإني لا آمن أن يدس ابن قديدة إلى أكرته ، أو إلى قوم من الجيش ، فيؤخذ من يدي ، ويخرج إلى بغداد ، فيبطل المال علي ، ويحصل هناك يسعى بي ، ويعرض نعمتي للزوال . قال : فخاطب البريدي القاضي في ذلك ، فتقرر الأمر بينهما على أني اكتريت دارا قريبة من حبس القاضي ، أؤدي أنا أجرتها ، وأجلس ابن قديدة فيها ، وألازمه بأصحابي ، وأوكل بها رجالة أعطيهم من مالي أجرتهم يحفظونه . فنقلته إليها ، فأقام فيها سنة وكسرا ، وهو لا يؤدي المال ، ويكايدني عند نفسه ، وأنا قد رضيت أنا يتأخر المال ، ويبقى هو محبوسا . واعتل علة صعبة ، فجاءتني أمه ، وكانت بيني وبينها قرابة ، فسألتني إطلاقه ، وبكت ، فلم أفعل . إلى أن بلغني أنه في النزع ، وجاءتني تبكي ، فرحمتها ، فأطلقته لها ، بعد أن كفلته منها . فمات بعد ثلاثة أيام ، وابتعت بالمال ضياعا من ضياعه .

Page 146