137

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

قلت لأبي القاسم ابن أبي علان : كيف كانت توبتك من التصرف ؟ وما سببها ؟ قال : كان سبب ذلك ، أن أبا علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي رحمه الله ، كان يجيء إلى الأهواز فينزل علي ، لأني كنت كاتب ديوان الأهواز ، وخليفة أبي أحمد بن الحسين بن يوسف على العمالة ، والأمر كله إلى أدبره . وكان أبو علي يقدم الأهواز في كل سنة دفعة ، وقت افتتاح الخراج ، ويستضيف إلى خراج ضيعته بجبي ، خراج قوم كان رسمهم أن يكونوا في أثره على مرور السنين . فإذا قدم البلد ، أعظمه الناس وأكرموه ، ولا ينزل إلا علي في أكثر الأوقات ، فأقرر أمره مع العامل . وربما كان العامل غير صاحبي ، أو من لا يعرف محل أبي علي ، فيكون ما يقرر عليه أمره أقل من ذلك ، إلا أنه كان لا يخلو من أن يسقط عنه نصف الخراج أو ثلثه . فإذا عاد جبي ، لم يلزم نفسه من خراج ضيعته شيئا البتة ، ونظر إلى ما بقي ، بعد إسقاط خراجه من النظر ، ففضه على القوم الذي في أثره ، وألزمهم بإزاء ذلك ، أن يضيف كل واحد منهم ، رجلا من الفقراء الذين يتعلمون منه العلم طول السنة ، فيكون ما يلزم الواحد ، على الواحد منهم ، شيئا يسيرا لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه . ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح ، فيتصدق به على الفقراء من أهل الحوز ، قريته التي هو مقيم فيها ، وعلى أهل محلته ، وكان هذا دأبه في كل سنة . فنزل علي في بعض قدماته ، فبلغت له مراده في أمر الخراج ، وجلسنا ليلة نتحدث . فقلت له : يا أبا علي أتخاف مما أنا فيه شيئا ؟ فقال : يا أبا القاسم ، وكيف لا أخاف عليك ، والله ، لئن مت على هذه الحال ، لا رحت رائحة الجنة . فقلت : ولم ؟ ولأي شيء ؟ وإنما أنا أعمل الحساب ، وأجري مجرى ناسخ ، وآخذ أجري من بيت المال ، أو يجيئني رجل مظلوم ، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه ، فأسقطها عنه ، وأصلحها له في الحساب ، فيهدي إلي بطيب قلبه ، أو أرتفق من مال السلطان بشيء ، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه . فقال : يا أبا القاسم ، إن الله لا يخادع ، أخبرني ، ألسن أنت تختار المساح ، وتنفذهم إلى المساحة ، وتوصيهم بالتقصي ، فيخرجون ، فيزيدون بالقلم واحدا أو اثنين في العشرة ، ويجونك بالتزاوير ، فتسقطها أنت ، وتعمل الجرائد ، وتسلمها إلى المستخرج ، وتقول له : أريد أن يصح المال في كذا وكذا يوما عند الجهبذ ، وإلا دققت يديك على رجليك ؟ قلت : نعم . قال : فيخرج المستخرج فيبث الفرسان ، والرجالة ، والرسل ، والمستحثين ، ويضرب ، ويصفع ، ويقيد ، وأنت تأمره وتنهاه ، وإذا قلت له : أطلق رجلا ، أو أخره بما عليه قبل أمرك ، وإذا لم تأذن له طالبه حتى يؤدي ؟ قلت : نعم . قال : فيحصل المال عند الجهبذ ، فتخرج إليه الصكاك من يدوانك وبعلاماتك ؟ فقلت : نعم . قال : فأي شيء بقي من العمل لم تتول وزره ، وتضمن غرمه ، وتتحمل إثمه ؟ تب إلى الله ، وإلا فأنت هالك ، ودع التصرف ، وأصلح أمر آخرتك . قال : وأخذ يغظني ، ويخطب علي ، حتى بكيت . ثم قال لي : لست بأعظم نعمة ولا أكبر منزلة من جعفر بن حرب ، فإنه كان يتقلد كبار أعمال السلطان ، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء ، وكان يعتقد الحق ومنزلته في العلم المنزلة المشهورة ، وصنف غير كتاب من كتبه الباقية إلى الآن في أيدي الناس ، وهو يتصرف مع السلطان . فاجتاز يوما راكبا في موكب له عظيم ، ونعمته على غاية الوفور ، ومنزلته بحالها من الجلالة ، فسمع رجلا يقرأ ' بسم الله الرحمن الرحيم ' ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما أنزل من الحق ' صدق الله العظيم ' فقال : اللهم بلى ، وكررها دفعات ، وبكى ، ثم نزل عن دابته ، ونزع ثيابه ، ودخل إلى دجلة ، فاستتر بالماء إلى حلقه ، ولم يخرج حتى فرق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه ، وردها ، ووصى فيها ، وتصدق بالباقي ، وعمل ما اقتضاه مذهبه ، ووجب عليه عنده . فاجتاز رجل ، فرآه في الماء قائما ، وسمع بخبره ، فوهب له قميصا ومئزرا فاستتر بهما ، وخرج فلبسهما ، وانقطع إلى العلم والعبادة ، حتى مات . ثم قال لي أبو علي : فافعل أنت أبا القاسم مثل هذا ، فإن لم تطب نفسك به كله ، فتب . قال : فأثر كلامه في ، وعملت على التوبة ، وترك التصرف ، ولم أزل أصلح أمري لذلك مدة ، حتى استوى لي التخلص من السلطان ، فتبت ، وتركت معاودة التصرف .

Page 149