143

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

: حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : كان أول ما انحل من نظام سياسة الملك ، فيما شاهدناه من أيام بني العباس ، القضاء ، فإن ابن الفرات ، وضع منه ، وأدخل فيه قوما بالذمامات ، لا علم لهم ، ولا أبوة فيهم ، فما مضت إلا سنوات ، حتى ابتدأت الوزارة تتضع ، ويتقلدها كل من ليس لها بأهل ، حتى بلغت في سنة نيف وثلاثين وثلثمائة ، أن تقلد وزارة المتقي أبو العباس الأصبهاني الكاتب ، وكان غاية في سقوط المروءة ، والرقاعة . ولقد استأذنت عليه يوما ، فجاء البواب ، فقال : ابن عياش بالباب ، فسمعته يقول له من وراء الستر : يدخل . فقلت في نفسي : لا إله إلا الله ، تبلغ الوزارة إلى هذا الحد في السقوط ؟ وحتى كان يركب وليس بين يديه إلا ابن حدبنا صاحب الربع ، وحتى رأيت في شارع الخلد قردا معلما ، يجتمع الناس عليه . فيقول له القراد : تشتهي أن تكون بزازا ؟ فيقول : نعم ، ويومىء برأسه . فيقول : تشتهي تكون عطارا ؟ فيقول : نعم برأسه . فيعدد الصنائع عليه ، فيومىء برأسه . فيقول له في آخرها : تشتهي تكون وزيرا ؟ فيومىء برأسه : لا ، ويصيح ، ويعدو من بين يدي القراد ، فيضحك الناس . قال : وتلى سقوط الوزراة ، اتضاع الخلافة ، وبلغ صيورها إلى ما نشاهد ، فانحلت دولة بني العباس ، بانحلال أمر القضاء . وكان أول وضع الفرات من القضاء ، تقليده إياه ، أبا أمية الأحوص الغلابي البصري ، فإنه كان بزازا ، فاستتر عنده ابن الفرات ، وخرج من داره إلى الوزارة . فقال له في حال الاستتار : إن وليت الوزارة ، فأي شيء تحب أن أعمل بك ؟ قال : تقلدني شيئا من أعمال السلطان . قال : ويحك ، لا يجيء منك عامل ، ولا أمير ، ولا صاحب شرطة ، ولا كاتب ، ولا قائد ، فأي شيء أقلدك ؟ قال : لا أدري ، ما شئت . قال : أقلدك القضاء . قال : قد رضيت . فلما خرج ، وولي الوزارة ، وهب له ، وأحسن إليه ، وقلده قضاء البصرة ، وواسط ، وسبع كور الأهواز . وكان يداعبه ، ويتلهى به ، ويسخر منه أوقات استتاره عنده ، وقبلها ، ويمد يده إليه ، فلما ولاه القضاء ، وقره عن ذلك . ثم انحدر أبو أمية إلى أعماله ، فأراد أن يغطي نقصه في نفسه ، وقلة عمله ، ويصل ذلك بشيء يتجمل به ، فعف عن الأموال ، فما أخذ شيئا ، وتصون وتوقر ، واقتصر على الأرزاق ، وصلات ابن الفرات الدارة ، فستر ذلك جميع عيوبه . وتناول الشعراء ، فقال فيه القطراني البصري : عبث الدهر بنا وال . . . دهر بالأحرار يعبث من عذيري من زمان . . . كل يوم هو أنكث ما ظننا أننا نبقى . . . وأن نحيا ونلبث فنرى الأحوص يقضي . . . وأبا عيسى يحدث .

Page 155