: حدثني أبو الحسن ، أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : حدثني أبي قال : كنت أكتب لبدر اللاني في أيام الموفق ، والمعتضد ، وأدخل الدار معه ، أليه ، فرأيت محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة ، وقد جعله كرنادكا . قال : فقلت له : كيف يفعل ذلك ؟ وما كان سببه ؟ فقال : إن رجلا من أولاد الواثق ، كان يسكن مدينة المنصور ، سعى في طلب الخلافة ، واستوزر شيلمة ، فأخذ له البيعة على أكثر أهل الحضرة ، من الهاشميين ، والقضاة ، والقواد ، والجيش ، وأهل بغداد الأحداث ، وأهل العصبية ، وقوي أمره ، وانتشر خبره ، وهم بالظهور في المدينة ، والإعتصام بها ، والتحصن ، حتى إذا أخذ المعتضد ، صار إلى دار الخلافة . فبلغ المعتضد الخبر على شرحه ، إلا اسم المستخلف . فكبس شيلمة وأخذه ، فوجد في داره جرائد بأسماء من بايع ، وبلغ الهاشمي الخبر ، فهرب . وأمر المعتضد بالجرائد ، فأحرقت ظاهرا ، لئلا يعلم الجيش بوقوفه عليها فتفسد نياتهم له ، بما يعتقدون من فساد نيته عليهم . وأخذ يسائل شيلمة عن الخبر ، فصدقه عن جميع ما جرى ، إلا اسم الرجل الذي يستخلف ، فرفق به ليصدقه عنه ، فلم يفعل . وطال الكلام بينهما فتوعده ، فقال له : والله ، لو جعلتني كردناكا ، ما أخبرتك باسمه . فقال المعتضد للفراشيين : هاتم أعمده الخيم الكبار الثقال ، فجاءوه بها وأمر أن يشد عليها شدا وثيقا فشد ، وأحضروا فحما عظيما ، وفرش على الطوابيق بحضرته ، وأحجبوا نارا ، وجعل الفراشون يقلبون شيلمة على تلك النار ، وهو مشدود على الأعمدة ، إلى أن مات وانشوى . وأخرج من بين يديه ليدفن ، فرأيته على هذه الصورة . قال : وأمر المعتضد بهدم السور المحيط بالمدينة ، فهدم منه شيء يسير ، فاجتمع إليه الهاشميون ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، فخرنا ، وذكرنا ، ومأثرتنا فأمر بقطع الهدم ، وصرف حفظة كانوا عليه متوكلين برعيه ، ورخص فيه ، وتركه وأهمله ، وخلى بينه وبين الناس . فمل مضت إلا سنيات ، حتى هدم الناس أكثره ، أولا فأولا ، ووسعوا به ما يجاروهم من دورهم ، واستضافوا مكانه إليها ، حتى إن ذلك اتسع ، فجعل وزير المقتدر ، على كل دار هذا حكمها ، أجرة العرضة بحسب ذلك ، وكان لها ارتفاع كثير . ثم تبع ذلك بسنين ، خراب المدينة ، أولا فأولا ، حتى بلغت إلى ما هي عليه .
Page 98