Al-radd ʿalāʾl-Akhnāʾī Qāḍīʾl-Mālikiyya

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

Editor

أحمد بن مونس العنزي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠هـ - ٢٠٠٠م

[الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا].
[إن ما ثبت عن المصطفى ﷺ] ليس عن هوى النفس كما أنه ليس من الظن كحال الذين هم له مخالفون، بل هو ﴿وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى﴾ [سورة النجم: (٤ - ١٢)] أيها الجاهلون. والذين أوتوا العلم يرون أن ما أنزل إليه من ربه ﴿هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾ [سورة سبأ: (٦)] فهم له يتبعون.
فلهذا كان أفضل الخلق وأقربهم إلى الله من كان أتبع لرسول الله ﷺ. وأضلهم وأشقاهم من كان أبعد عن ذلك وهم الأخسرون. وقد يتفق من يكون فيه معرفة لبعض ما جاء به، لكن لم يتبعه فيكون مشابهًا لليهود، ومن كان يخالف ما جاء به جهلًا وضلالًا [كان] كالنصارى الذين هم في دينهم يغلون. والله

1 / 93

هو المسئول أن يجعلنا وإخواننا من عباده الذين هم بكتاب الله يهتدون، لله يؤمنون وبحبل الله يعتصمون ولأولياء الله يوالون ولأعدائه يعادون، وفي سبيله يجاهدون / ولطريقي المغضوب عليهم والضالين يجتنبون / وللسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان يتبعون.
أما بعد فإن الله بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، وفرق به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الغي والرشاد، وبين طريق الجنة وطريق النار، وبين أوليائه وأعدائه، وبين المعروف والمنكر، والخبيث والطيب، والحلال والحرام، ودين الحق والباطل.
فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وليس لأحد من الثقلين -الإنس والجن- سبيل إلى رضى الله وكرامته ورحمته إلا بالإيمان بمحمد واتباعه، فإن الله أرسله برسالة عامة إلى جميع الثقلين الجن والإنس، في جميع أمور الدين الباطنة والظاهرة، بشرائع الإسلام / وحقائق الإيمان، إلى علمائهم وعبادهم وملوكهم وسوقتهم، فليس لأحد -وإن

1 / 94

عظم علمه وعبادته وملكه وسلطانه- أن يعدل عما جاء به الرسول ﷺ إلى ما يخالفه في شيء من الأمور الدينية: باطنها وظاهرها، وشرائعها وحقائقها، بل على جميع الخلق أن يتبعوه ويسلموا لحكمه. قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ [سورة النساء: (٦٥)] وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ الآية [سورة النساء: (٥٩)] وقال تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ [سورة يونس: (١٩)]، كما قال في سورة [البقرة: (٢١٣)] ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ الآية. وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا قام [يصلي من الليل] يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وقد علق سبحانه الاهتداء بطاعته، فقال في ذم المنافقين: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين *

1 / 95

وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم -إلى قوله- فأولئك هم الفائزون -إلى قوله- وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [سورة النور: (٤٧ - ٥٤)].
وهذا الأصل متفق عليه بين كل من آمن به الإيمان الواجب الذي فرضه الله على الخلق، وكل أحد عليه أن يتقي الله قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [سورة التغابن: (١٦)]، وهذا تبيين لقوله تعالى: ﴿اتقو الله حق تقاته﴾ [سورة آل عمران: (١٠٢)] قال ابن مسعود: حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. لكن الأمر مشروط بالاستطاعة كما بينه [في قوله تعالى] ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. فقد يخفى على الإنسان بعض سنة الرسول ﷺ وأمره مع اجتهاده في طاعته، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ولهذا قال النبي ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد

1 / 96

فأخطأ فله أجر) أخرجاه في الصحيحين، وقد يقول الرجل ويحكم بغير علم فيأثم على ذلك، كما يأثم إذا قال بخلاف ما يعلمه من الحق، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس / على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى بخلافه فهو في النار). وقد ذم الله القول بغير علم ونهى عنه في غير موضع من كتابه، قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [سورة الإسراء: (٣٦)]، وقال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ الآية [سورة الأعراف: (٣٣)] وقال تعالى عن الشيطان: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [سورة البقرة: (١٦٩)] وقال فيما يخاطب به أهل الكتاب: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ الآية [سورة آل عمران: (٦٦)]، وقال: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه﴾ [سورة الأعراف: (١٦٩)] وقال: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [سورة النساء: (١٧١)]، وجعل القائل بغير علم كاذبًا، والصادق هو الذي يتكلم بعلم فقال

1 / 97

تعالى: ﴿آالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ [سورة الأنعام: (١٤٣)] وقال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [سورة البقرة: (١١١)]، لا سيما أهل الشرك فإنه وصفهم بالإفك مع الشرك وقرن الكذب بالشرك كما قرن الصدق بالإخلاص، ولهذا يقرن بين المنافقين أهل الكذب وبين المشركين في مثل قوله ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين -إلى قوله- وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا﴾ [سورة الفتح: (٤ - ٦)]، وقال تعالى ﴿واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ [سورة الحج: (٣٠ - ٣١)]. وقال عن أهل الكهف: ﴿هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين﴾ الآية [سورة الكهف: (١٥)] وقال عن الخليل: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وتخلقون إفكًا﴾ [سورة العنكبوت: (١٧)]، وقال لأبيه وقومه: ﴿ماذا تعبدون * أإفكًا آلهة دون الله تريدون﴾ [سورة الصافات: (٨٥ - ٨٦)] ومثل هذا مذكور في غير موضع من القرآن، وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك جهلًا وضلالًا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع.
والله ﷾ قد أرسل جميع رسله وأنزل جميع كتبه بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك ولا نبي ولا صالح ولا تماثيل ولا قبور ولا شمس ولا قمر ولا كوكب ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيء من الأشياء. وبين أن كل ما يعبد من دونه فإنه لا يضر ولا ينفع وإن كان ملكًا أو نبيًّا، وأن عبادته كفر، فقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا

1 / 98

يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا -إلى قوله- محذورًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦ - ٥٧)]، بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس لا يملكون / كشف الضر ولا تحويله، وأن هؤلاء المدعوون من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه.
وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالًا من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم كما ذكر ذلك ابن مسعود، وقال تعالى: ﴿قل ادعو الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة -إلى قوله- ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)] بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات والأرض ولا لهم نصيب فيهما، وليس لله ظهير يعاونه من خلقه، وهذه الأقسام الثلاثة هي التي تحصل مع المخلوقين: إما أن يكون لغيره ملك دونه، أو يكون شريكًا له، أو يكون معينًا وظهيرًا له.
والرب تعالى ليس له من خلقه مالك ولا شريك ولا ظهير. لم يبق إلا الشفاعة وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له، فقال تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ ثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿ما

1 / 99

كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة -إلى قوله- بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٧٩ - ٨٠)] بين أن اتخاذهم أربابًا كفر، وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح -إلى قوله- والله هو السميع العليم﴾ [سورة المائدة: (٧٢ - ٧٦)]، فقد بين أن من دعا المسيح وغيره فقد دعا ما لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، وقال لخاتم الرسل: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [سورة الأنعام: (٥٠)] وقال: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [سورة الأعراف: (١٨٨)] وقال: ﴿قل إني لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله﴾ [سورة يونس: (٤٩)] وقال: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا﴾ [سورة الجن: (٢١)] وقال: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [سورة آل عمران: (١٢٧ - ١٢٨)] وقال: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [سورة القصص: (٥٦)] وقال: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ [سورة النحل: (٣٧)].

1 / 100

فصل
قد أرسل إلي بعض أصحابنا جزءًا أخبر أنه صنفه بعض القضاة، قد تكلم في المسألة التي انتشر الكلام فيها، وهي السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كالسفر إلى زيارة القبور، هل هو محرم أو مباح أو مستحب؟ وهي المسألة التي أجبت فيها من مدة / [بضع عشرة] سنة بالقاهرة، فأظهر بعض الناس في هذا الوقت ظنًّا أن الذي فيها خلاف الإجماع وأن السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين هو السفر المستحب بلا نزاع وهو السفر إلى مسجد نبينا محمد ﷺ المتضمن لما شرعه الله من السفر إلى مسجده والصلاة فيه والسلام عليه ومحبته وتعظيمه وغير ذلك من حقوقه ﷺ في مسجده المؤسس على التقوى المجاور لقبره ﷺ، وظنوا أن السفر إلى زيارة [قبور جميع] الأنبياء والصالحين مستحب مجمع على استحبابه مثل السفر المشروع بالنص وإجماع المسلمين إلى مدينة الرسول ﷺ، سواء سافر مع حج البيت أو بدون حج البيت، فإن هذا السفر المشروع إلى مدينته بالنص والإجماع لا يختص بوقت الحج، فإن المسلمين على عهد خلفائه الراشدين كانوا يحجون ويرجعون إلى أوطانهم، ثم ينشىء السفر إلى مسجد النبي ﷺ من ينشئه، لأنه عبادة

1 / 101

مستقلة بنفسها كالسفر إلى بيت المقدس، والسفر إلى مسجد النبي ﷺ أفضل من السفر إلى المسجد الأقصى بالنص والإجماع.
فظن من ظن أن السفر المشروع هو لمجرد القبر لا لأجل المسجد، وأن المسجد يدخل ضمنًا وتبعًا في السفر، وأن سائر الأنبياء كذلك، أو أن المسافرين لمجرد القبور سفرهم مشروع كالسفر إلى المساجد الثلاثة، ومن الناس من ظن أنه أفضل من السفر إلى المساجد الثلاثة حتى صرحوا بأنه أفضل من الحج، وأن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المسجد الحرام ومسجد الرسول وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المساجد والمشاعر التي أمر الله ورسوله بالعبادة فيها والدعاء والذكر فيها، وظن [من ظن] أن هذا مجمع عليه وأن من قال: السفر لغير المساجد الثلاثة -سواء كان لقبر نبي أو غير نبي- منهي عنه، أو أنه مباح ليس بمستحب، فقد خالف الإجماع. وليس معهم بما ظنوه نقل عن أحد من أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، ولا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة المشهورون وغيرهم على خلاف ما ظنوه، فإجماع أهل العلم الذين تحكى أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع هو على خلاف ما ظنه الغالطون / إجماعًا، وجرت في ذلك فصول.

1 / 102

[لكن المقصود] هنا أنه أرسل إلي ما كتبه هذا القاضي وأقسم بالله علي أن أكتب عليه شيئًا ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم، وذلك أنهم رأوا في كلامه من الجهل والكذب والضلال ما لا يظن أن يقع فيه آحاد العلماء الذين يعرفون ما يقولون، فكيف بمن سمي قاضي القضاة! ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعًا من الدين [كما عند] كثير من الناس نوع من الدين، لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم، حتى قد يجهل دين الرسول الذي هو مؤمن به، ويكفر من قال بقول الرسول؛ وصدق خبره وأطاع أمره.
وقد يجهل أحدهم مذهبه الذي انتسب إليه كما قد يجهل مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، فإن هذه المسألة التي فيها النزاع -وهي التي أجبت فيها- وإن كانت في كتب أصحاب الشافعي وأحمد

1 / 103

وغيرهما وقد ذكروا القولين [في كلام مالك وأصحابه]. وأبو حنيفة مذهبه في ذلك أبلغ من مذهب الشافعي وأحمد، فهي في كلام مالك وأصحابه أكثر، وهي موجودة في كتبهم الصغار والكبار، ومالك نفسه نص على قبر نبينا محمد ﷺ بخصوصه أنه داخل في هذا الحديث، بخلاف كثير من الفقهاء فإن كلامهم عام، لكن احتجاجهم بالحديث وغيره يبين أنهم قصدوا العموم، وكذلك بيانهم لمأخذ المسألة يقتضي العموم.
فهذا المعترض وأمثاله لا عرفوا ما قاله أئمتهم وأصحاب أئمتهم، ولا ما قاله بقية علماء المسلمين، ولا عرفوا سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، ولا ما كان يفعله الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
ونقل هذا المعارض عن الجواب ما ليس فيه، بل المعروف المتواتر عن المجيب في جميع كتبه وكلامه بخلافه، وليس في الجواب ما يدل عليه بل على نقيض ما قاله.

1 / 104

وهذا إما أن يكون عن تعمد للكذب، أو عن سوء فهم مقرون بسوء الظن وما تهوى الأنفس، وهذا أشبه الأمرين به، فإن من الناس / من يكون عنده نوع من الدين لكن مع جهل عظيم، فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم فيخطىء، ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه خبرا غير مطابق. ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي في السنن عن بريدة عن النبي ﷺ أنه قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة). فهذا الذي يجهل وإن يتعمد خلاف الحق فهو في النار، بخلاف المجتهد الذي قال فيه النبي ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر). فهذا جعل له أجرًا مع خطئه لأنه اجتهد فاتقى الله ما استطاع، بخلاف من قضى بما ليس له به علم، وتكلم بدون الاجتهاد المسوغ له الكلام

1 / 105

/ فإن هذا كما في الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار). وفي رواية (بغير علم). وفي حديث جندب عن النبي ﷺ (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار).

1 / 106

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، وفي رواية للبخاري (فأفتوا برأيهم) وهذا بخلاف المجتهد الذي اتقى الله ما استطاع، وابتغى طلب العلم بحسب الإمكان، وتكلم ابتغاء وجه الله، وعلم رجحان دليل على دليل، فقال بموجب الراجح، فهذا مطيع لله مأجور أجرين إن أصاب، وإن أخطأ أجرًا واحدًا. ومن قال كل مجتهد مصيب بمعنى أنه مطيع لله فقد صدق، ومن قال المصيب لا يكون إلا واحدًا، وإن الحق لا يكون إلا واحدًا، ومن لم يعلمه فقد أخطأ بمعنى أنه لم يعلم الحق / في نفس الأمر فقد صدق، كما بسط هذا في مواضع.
والمقصود أن من تكلم بلا علم يسوغ وقال غير الحق يسمى كاذبًا، فكيف بمن نقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه مما يعرف كل من تدبر الكلام أن هذا نقل باطل؟ فإن مثل هذا كذب ظاهر، والأولى على صاحبه إثم الكذب،

1 / 107

ويطلق عليه، كما قال النبي ﷺ (كذب أبو السنابل). وكما قال لما قيل له: إنهم يقولون إن عامرًا بطل عمله، قتل نفسه. فقال: (كذب من قال ذلك). وكما قال عبادة: (كذب أبو محمد) لما قال: الوتر واجب. وقال ابن عباس: (كذب نوف) لما قال: إن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر. ومثل هذا كثير، فإذا كان هذا الخبر الذي ليس بمطابق يسمى كذبًا فما هو كذب ظاهر أولى. ومثل هذا إذا حكم بين الناس بالجهل فهو أحد القضاة الثلاثة الذين قال فيهم النبي ﷺ (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في

1 / 108

النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار). وإن قيل فيه قد يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له فحكمه الذي أخطأ فيه وخالف فيه النص والإجماع باطل باتفاق العلماء، وكذلك حكم من شاركه في ذلك. وكلام هذا وأمثاله يدل على أنهم بعيدون عن معرفة الصواب في هذا الباب؟ كأنهم غرباء عن دين الإسلام في مثل هذه المسائل، لم يتدبروا القرآن ولا عرفوا السنن [ولا آثار الصحابة ولا التابعين] ولا كلام أئمة المسلمين، وفي مثل هذا وهؤلاء قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ).
فشريعة الإسلام في هذا الباب غريبة عند هؤلاء لا يعرفونها، فإن هذا وأمثاله لو كان عندهم علم بنوع من أنواع الأدلة الشرعية في هذا الباب لوزعهم ذلك عما وقعوا فيه من الضلال والابتداع ومخالفة دين المسلمين والخروج عما عليه جميع أئمة الدين، مع ما فيه من الافتراء / على الله ورسوله ﷺ وعلماء المسلمين وعلى المجيب.

1 / 109

والاستدلال على ما ذكروه بما لا يصلح أن يكون دليلًا إما حديث صحيح لا يدل على المطلوب وإما خبر معتل مكذوب، والمستدل بالحديث عليه أن يبين صحته، ويبين دلالته على مطلوبه.
وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا، بل إن ذكر صحيحًا لم يكن دالًاّ على محل النزاع، وإن أشار إلى ما يدل لم يكن ثابتا عند أهل العلم بالحديث الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع.
فأما ما فيه من الافتراء والكذب على المجيب فليس المقصود الجواب عنه وله أسوة أمثاله من أهل الإفك والزور، وقد قال تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم) [سورة النور: (١١)] بل المقصود الانتصار لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، وبيان جهل الجاهل الذي يتكلم في الدين بالباطل وبغير علم، فأذكر ما يتعلق بالمسألة وبالجواب.
وليس المقصود أيضًا العدوان على أحد -لا المعترض ولا غيره- ولا بخس حقه ولا تخصيصه بما لا يختص به مما يشركه فيه غيره - بل المقصود الكلام بموجب العلم والعدل والدين، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [سورة المائدة: (٨)].

1 / 110

وليس أيضًا المقصود ذم شخص معين بل المقصود بيان ما يذم وينهى عنه ويحذر عنه من الخطأ والضلال في هذا الباب، كما كان النبي ﷺ يقول: (ما بال رجال يقولون أو يفعلون كذا) فيذم ذلك الفعل ويحذر عن ذلك النوع وليس مقصوده إيذاء شخص معين.
ولكن لما كان هذا صنف مصنفًا وأظهره وشهره لم يكن بد من حكاية ألفاظه والرد عليه وعلى من هو مثله ممن ينتسب إلى علم ودين ويتكلم في هذه المسألة بما يناقض دين المسلمين حيث يجعل ما بعث الله به رسوله كفرًا، وهذا رأس هؤلاء المبدلين، فالرد عليه رد عليهم.

1 / 111

فصل
قال المعترض:
ـ[أما بعد فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية المنقول عنه من نسخة فتياه، ظهر لي -من صريح ذلك القول وفحواه- مقصده / السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها.]ـ
فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة. وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه، فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. [وذلك أن] الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور، وذكر قولي العلماء في ذلك.
والمجيب قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد،

1 / 112