Risālat Ibn al-Qayyim ilā aḥad ikhwanih
رسالة ابن القيم إلى احد إخوانه
Editor
عبد الله بن محمد المديفر
Publisher
مطابع الشرق الأوسط
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٠هـ
Publisher Location
الرياض
Regions
•Syria
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الله المسؤول المرجو الْإِجَابَة أَن يحسن إِلَى الْأَخ عَلَاء الدّين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وينفع بِهِ ويجعله مُبَارَكًا أَيْنَمَا كَانَ فَإِن بركَة الرجل تَعْلِيمه للخير حَيْثُ حل ونصحه لكل من اجْتمع بِهِ قَالَ الله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن الْمَسِيح ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت﴾ أَي معلما للخير دَاعيا إِلَى الله مذكرا بِهِ مرغبا فِي طَاعَته فَهَذَا من بركَة الرجل وَمن خلا من هَذَا فقد خلا من الْبركَة ومحقت بركَة لِقَائِه والاجتماع بِهِ بل تمحق بركَة من لقِيه وَاجْتمعَ بِهِ فَإِنَّهُ يضيع الْوَقْت فِي الماجريات وَيفْسد الْقلب وكل آفَة تدخل على العَبْد فسببها ضيَاع الْوَقْت وَفَسَاد الْقلب وتعود بضياع حَظه من الله ونقصان دَرَجَته ومنزلته عِنْده وَلِهَذَا وصّى بعض الشُّيُوخ فَقَالَ احْذَرُوا
1 / 5
مُخَالطَة من تضيع مخالطته الْوَقْت وتفسد الْقلب فَإِنَّهُ مَتى ضَاعَ الْوَقْت وَفَسَد الْقلب انفرطت على العَبْد أُمُوره كلهَا وَكَانَ مِمَّن قَالَ الله فِيهِ ﴿وَلَا تُطِع من أَغْفَلنَا قلبه عَن ذكرنَا وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ أمره فرطا﴾
وَمن تَأمل حَال هَذَا الْخلق وجدهم كلهم إِلَّا أقل الْقَلِيل مِمَّن غفلت قُلُوبهم عَن ذكر الله تَعَالَى وَاتبعُوا أهواءهم وَصَارَت أُمُورهم ومصالحهم ﴿فرطا﴾ أَي فرطوا فِيمَا يَنْفَعهُمْ وَيعود بصلاحهم وَاشْتَغلُوا بِمَا لَا يَنْفَعهُمْ بل يعود بضررهم عَاجلا وآجلا
وَهَؤُلَاء قد أَمر الله سُبْحَانَهُ رَسُوله أَلا يطيعهم فطاعة الرَّسُول لاتتم إِلَّا بِعَدَمِ طَاعَة هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم إِنَّمَا يدعونَ إِلَى مَا يشاكلهم من اتِّبَاع الْهوى والغفلة عَن ذكر الله
والغفلة عَن الله وَالدَّار الْآخِرَة مَتى تزوجت بِاتِّبَاع الْهوى تولد مَا بَينهمَا كل شَرّ وَكَثِيرًا مَا يقْتَرن أَحدهمَا بِالآخِرَة وَلَا يُفَارِقهُ
1 / 6
وَمن تَأمل فَسَاد أَحْوَال الْعَالم عُمُوما وخصوصا وجده ناشئا عَن هذَيْن الْأَصْلَيْنِ فالغفلة تحول بَين العَبْد وَبَين تصور الْحق ومعرفته وَالْعلم بِهِ فَيكون من الضَّالّين وَاتِّبَاع الْهوى يصده عَن قصد الْحق وإرادته واتباعه فَيكون من المغضوب عَلَيْهِم
وَأما الْمُنعم عَلَيْهِم فهم الَّذين من الله عَلَيْهِم بِمَعْرِفَة الْحق علما وبالانقياد إِلَيْهِ وإيثاره على مَا سواهُ عملا وَهَؤُلَاء هم الَّذين على سَبِيل النجَاة وَمن سواهُم على سَبِيل الْهَلَاك وَلِهَذَا أمرنَا الله سُبْحَانَهُ أَن نقُول كل يَوْم وَلَيْلَة عدَّة مَرَّات ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾
فَإِن العَبْد مُضْطَر كل الِاضْطِرَار إِلَى أَن يكون عَارِفًا بِمَا يَنْفَعهُ فِي معاشه ومعاده وَأَن يكون مؤثرا مرِيدا لما يَنْفَعهُ مجتنبا لما يضرّهُ فبمجموع هذَيْن يكون قد هدي إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَإِن فَاتَهُ معرفَة ذَلِك سلك سَبِيل الضَّالّين وَإِن فَاتَهُ قَصده واتباعه سلك سَبِيل
1 / 7
المغضوب عَلَيْهِم وَبِهَذَا يعرف قدر هَذَا الدُّعَاء الْعَظِيم وَشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ وَتوقف سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عَلَيْهِ
وَالْعَبْد مفتقر إِلَى الْهِدَايَة فِي كل لَحْظَة وَنَفس فِي جَمِيع مَا يَأْتِيهِ ويذره فَإِنَّهُ بَين أُمُور لَا يَنْفَكّ عَنْهَا
أَحدهَا أُمُور قد أَتَاهَا على غير وَجه الْهِدَايَة جهلا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يطْلب الْهِدَايَة إِلَى الْحق فِيهَا
أَو يكون عَارِفًا بالهداية فِيهَا فَأَتَاهَا على غير وَجههَا عمدا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى التَّوْبَة مِنْهَا
أَو أُمُور لم يعرف وَجه الْهِدَايَة فِيهَا علما وَلَا عملا ففاتته الْهِدَايَة إِلَى علمهَا ومعرفتها وَإِلَى قَصدهَا وإرادتها وعملها
أَو أُمُور قد هدي إِلَيْهَا من وَجه دون وَجه فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى تَمام الْهِدَايَة فِيهَا
أَو أُمُور قد هدي إِلَى أَصْلهَا دون تفاصيلها فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى هِدَايَة التَّفْصِيل
1 / 8
أَو طَرِيق قد هدي أليها وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى هِدَايَة أُخْرَى فِيهَا فالهداية إِلَى الطَّرِيق شَيْء وَالْهِدَايَة فِي نفس الطَّرِيق شَيْء آخر أَلا ترى أَن الرجل يعرف أَن طَرِيق الْبَلَد الْفُلَانِيّ هُوَ طَرِيق كَذَا وَكَذَا وَلَكِن لَا يحسن أَن يسلكه فَإِن سلوكه يحْتَاج إِلَى هِدَايَة خَاصَّة فِي نفس السلوك كالسير فِي وَقت كَذَا دون وَقت كَذَا وَأخذ المَاء فِي مفازة كَذَا مِقْدَار كَذَا وَالنُّزُول فِي مَوضِع كَذَا دون كَذَا فَهَذِهِ هِدَايَة فِي نفس السّير قد يهملها من هُوَ عَارِف بِأَن الطَّرِيق هِيَ هَذِه فَيهْلك وَيَنْقَطِع عَن الْمَقْصُود
وَكَذَلِكَ أَيْضا ثمَّ أُمُور هُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يحصل لَهُ فِيهَا من الْهِدَايَة فِي الْمُسْتَقْبل مثل مَا حصل لَهُ فِي الْمَاضِي
وَأُمُور هُوَ خَال عَن اعْتِقَاد حق أَو بَاطِل فِيهَا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى هِدَايَة الصَّوَاب فِيهَا
وَأُمُور يعْتَقد أَنه فِيهَا على هدى وَهُوَ على ضَلَالَة وَلَا يشْعر فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى انْتِقَاله عَن ذَلِك الِاعْتِقَاد بهداية من الله
وَأُمُور قد فعلهَا على وَجه الْهِدَايَة وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يهدي غَيره إِلَيْهَا ويرشده وينصحه فإهماله
1 / 9
ذَلِك يفوت عَلَيْهِ من الْهِدَايَة بِحَسبِهِ كَمَا أَن هدايته للْغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ بَاب الْهِدَايَة فَإِن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَكلما هدى غَيره وَعلمه هداه الله وَعلمه فَيصير هاديا مهديا كَمَا فِي دُعَاء النَّبِي ﷺ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره اللَّهُمَّ زينا بزينة الْإِيمَان واجعلنا هداة مهتدين غير ضَالِّينَ وَلَا مضلين سلما لأوليائك حَربًا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك
1 / 10
وَقد أثنى الله سُبْحَانَهُ على عباده الْمُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أَن يجعلهم أَئِمَّة يهتدى بهم فَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَات عباده ﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس يهتدى بِنَا فِي الْخَيْر وَقَالَ أَبُو صَالح يقْتَدى بهدانا وَقَالَ مَكْحُول أَئِمَّة فِي التَّقْوَى يَقْتَدِي بِنَا المتقون وَقَالَ
1 / 11
مُجَاهِد اجْعَلْنَا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم وأشكل هَذَا التَّفْسِير على من لم يعرف قدر فهم السّلف وعمق علمهمْ وَقَالَ يجب أَن تكون الْآيَة على هَذَا القَوْل من بَاب المقلوب على تَقْدِير وَاجعَل الْمُتَّقِينَ لنا أَئِمَّة ومعاذ الله أَن يكون شَيْء مقلوبا على وَجهه وَهَذَا من تَمام فهم مُجَاهِد ﵀ فَإِنَّهُ لَا يكون الرجل إِمَامًا لِلْمُتقين حَتَّى يأتم بالمتقين فنبه مُجَاهِد على هَذَا الْوَجْه الَّذِي ينالون بِهِ هَذَا الْمَطْلُوب وَهُوَ اقتداؤهم بالسلف الْمُتَّقِينَ من قبلهم فيجعلهم الله
1 / 12
أَئِمَّة لِلْمُتقين من بعدهمْ وَهَذَا من أحسن الْفَهم فِي الْقُرْآن وألطفه لَيْسَ من بَاب الْقلب فِي شَيْء فَمن ائتم بِأَهْل السّنة قبله ائتم بِهِ من بعده وَمن مَعَه
ووحد سُبْحَانَهُ لفظ ﴿إِمَامًا﴾ وَلم يقل واجعلنا لِلْمُتقين أَئِمَّة فَقيل الإِمَام فِي الْآيَة جمع آم نَحْو صَاحب وصحاب وَهَذَا قَول الْأَخْفَش وَفِيه بعد وَلَيْسَ هُوَ من اللُّغَة الْمَشْهُورَة المستعملة الْمَعْرُوفَة حَتَّى يُفَسر بهَا كَلَام الله
وَقَالَ آخَرُونَ الإِمَام هُنَا مصدر لَا اسْم يُقَال أم إِمَامًا نَحْو صَامَ صياما وَقَامَ قيَاما أَي اجْعَلْنَا ذَوي إِمَام وَهَذَا أَضْعَف من الَّذِي قبله
1 / 13
وَقَالَ الْفراء إِنَّمَا قَالَ ﴿إِمَامًا﴾ وَلم يقل أَئِمَّة على نَحْو قَوْله ﴿إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين﴾ وَلم يقل رَسُولا وَهُوَ من الْوَاحِد المُرَاد بِهِ الْجمع لقَوْل الشَّاعِر
(يَا عاذلاتي لَا تردن ملامتي ... إِن العواذل لَيْسَ لي بأمير)
أَي لَيْسَ لي بأمراء
1 / 14
وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال غير أَنه يحْتَاج إِلَى مزِيد بَيَان وَهُوَ أَن الْمُتَّقِينَ كلهم على طَرِيق وَاحِد ومعبودهم وَاحِد وَأَتْبَاع كتاب وَاحِد وَنَبِي وَاحِد وَعبيد رب وَاحِد فدينهم وَاحِد ونبيهم وَاحِد وكتابهم وَاحِد ومعبودهم وَاحِد فكأنهم كلهم إِمَام وَاحِد لمن بعدهمْ ليسو كالأئمة الْمُخْتَلِفين الَّذين قد اخْتلفت طرائقهم ومذاهبهم وعقائدهم فالائتمام إِنَّمَا هُوَ بماهم عَلَيْهِ وَهُوَ شَيْء وَاحِد وَهُوَ الإِمَام فِي الْحَقِيقَة
فصل
وَقد أخبر سُبْحَانَهُ أَن هَذِه الْإِمَامَة إِنَّمَا تنَال بِالصبرِ وَالْيَقِين فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون﴾
1 / 15
فبالصبر وَالْيَقِين تنَال الْإِمَامَة فِي الدّين
فَقيل بِالصبرِ عَن الدُّنْيَا
وَقيل بِالصبرِ على الْبلَاء
وَقيل بِالصبرِ عَن المناهي
وَالصَّوَاب أَنه بِالصبرِ عَن ذَلِك كُله بِالصبرِ على أَدَاء فَرَائض الله وَالصَّبْر عَن مَحَارمه وَالصَّبْر على أقداره
وَجمع سُبْحَانَهُ بَين الصَّبْر وَالْيَقِين إِذْ هما سَعَادَة العَبْد وفقدهما يفقده سعادته فَإِن الْقلب تطرقه طوارق الشَّهَوَات الْمُخَالفَة لأمر الله وطوارق الشُّبُهَات الْمُخَالفَة لخبره فبالصبر يدْفع الشَّهَوَات وباليقين يدْفع الشُّبُهَات فَإِن الشَّهْوَة والشبهة مضادتان للدّين من كل وَجه فَلَا ينجو من
1 / 16
عَذَاب الله إِلَّا من دفع شهواته بِالصبرِ وشبهاته بِالْيَقِينِ وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ عَن حبوط أَعمال أهل الشَّهَوَات والشبهات فَقَالَ تَعَالَى ﴿كَالَّذِين من قبلكُمْ كَانُوا أَشد مِنْكُم قُوَّة وَأكْثر أَمْوَالًا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَمَا استمتع الَّذين من قبلكُمْ بخلاقهم وخضتم كَالَّذي خَاضُوا﴾ فَهَذَا الِاسْتِمْتَاع بالخلاق هُوَ استمتاعهم بنصيبهم من الشَّهَوَات ثمَّ قَالَ ﴿وخضتم كَالَّذي خَاضُوا﴾ وَهَذَا هُوَ الْخَوْض بِالْبَاطِلِ فِي دين الله وَهُوَ خوض أهل الشُّبُهَات ثمَّ قَالَ ﴿أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ فعلق سُبْحَانَهُ حبوط الْأَعْمَال والخسران بِاتِّبَاع الشَّهَوَات الَّذِي هُوَ الِاسْتِمْتَاع بالخلاق وباتباع الشُّبُهَات الَّذِي هُوَ الْخَوْض بِالْبَاطِلِ
1 / 17
فصل
وكما أَنه سُبْحَانَهُ علق الْإِمَامَة فِي الدّين بِالصبرِ وَالْيَقِين فالآية متضمنة لأصلين آخَرين
أَحدهمَا الدعْوَة إِلَى الله وهداية خلقه
الثَّانِي هدايتهم بِمَا أَمر بِهِ على لِسَان رَسُوله ﷺ لَا بِمُقْتَضى عُقُولهمْ وآرائهم وسياساتهم وأذواقهم وتقليد أسلافهم بِغَيْر برهَان من الله لِأَنَّهُ قَالَ ﴿يهْدُونَ بأمرنا﴾
فَهَذِهِ أَرْبَعَة أصُول تضمنتها هَذِه الْآيَة
أَحدهَا الصَّبْر وَهُوَ حبس النَّفس عَن محارم الله وحبسها على فَرَائِضه وحبسها عَن التسخط والشكاية لأقداره
الثَّانِي الْيَقِين وَهُوَ الْإِيمَان الْجَازِم الثَّابِت الَّذِي لَا ريب فِيهِ وَلَا تردد وَلَا شكّ وَلَا شُبْهَة بِخَمْسَة أصُول ذكرهَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين﴾
1 / 18
) وَفِي قَوْله ﴿وَمن يكفر بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فقد ضل ضلالا بَعيدا﴾ وَفِي قَوْله ﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾ وَالْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر دَاخل فِي الْإِيمَان بالكتب وَالرسل
وَجمع بَينهمَا النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث عمر فِي قَوْله الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر
فَهَذِهِ الْأُصُول الْخمس من لم يُؤمن بهَا فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَالْيَقِين أَن يقوم الْإِيمَان بهَا حَتَّى تصير كَأَنَّهَا مُعَاينَة للقلب مُشَاهدَة لَهُ نسبتها إِلَى البصيرة كنسبة الشَّمْس
1 / 19
وَالْقَمَر إِلَى الْبَصَر وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف الْيَقِين الْإِيمَان كُله
الثَّالِث هِدَايَة الْخلق ودعوتهم إِلَى الله وَرَسُوله
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ هَذَا حبيب الله هَذَا ولي الله أسلم لله وَعمل بِطَاعَتِهِ ودعا الْخلق إِلَيْهِ فَهَذَا النَّوْع أفضل أَنْوَاع الْإِنْسَان وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَة عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة
1 / 20
وهم ثنية الله سُبْحَانَهُ من الخاسرين قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ فأقسم سُبْحَانَهُ على خسران نوع الْإِنْسَان إِلَّا من كمل نَفسه بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وكمل غَيره بوصيته لَهُ بهما وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَو فكر النَّاس كلهم فِي سُورَة الْعَصْر لكفتهم
وَلَا يكون من أَتبَاع الرَّسُول على الْحَقِيقَة إِلَّا من دَعَا إِلَى الله على بَصِيرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني﴾ فَقَوله ﴿أَدْعُو إِلَى الله﴾ تَفْسِير لسبيله الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فسبيله وسبيل أَتْبَاعه الدعْوَة إِلَى الله فَمن لم يدع إِلَى الله فَلَيْسَ على سَبيله
1 / 21
وَقَوله ﴿على بَصِيرَة﴾ قَالَ ابْن الْأَعرَابِي البصيرة الثَّبَات فِي الدّين
وَقيل البصيرة الْعبْرَة كَمَا يُقَال أَلَيْسَ لَك فِي كَذَا بَصِيرَة أَي عِبْرَة قَالَ الشَّاعِر
(فِي الذاهبين الْأَوَّلين ... من الْقُرُون لنا بصائر)
وَالتَّحْقِيق الْعبْرَة ثَمَرَة البصيرة فَإِذا تبصر اعْتبر فَمن عدم الْعبْرَة فَكَأَنَّهُ لَا بَصِيرَة لَهُ
وأصل اللَّفْظ من الظُّهُور وَالْبَيَان فالقرآن بصائر أَي أَدِلَّة وَهدى وَبَيَان يَقُود إِلَى الْحق وَيهْدِي إِلَى الرشد
1 / 22
وَلِهَذَا يُقَال للطريقة من الدَّم الَّتِي يسْتَدلّ بهَا على الرَّمية بَصِيرَة
فدلت الْآيَة أَيْضا على أَن من لم يكن على بَصِيرَة فَلَيْسَ من أَتبَاع الرَّسُول وَأَن أَتْبَاعه هم أولو البصائر وَلِهَذَا قَالَ ﴿أَنا وَمن اتبعني﴾ فَإِن كَانَ الْمَعْنى أدعوا إِلَى الله أَنا وَمن اتبعني وَيكون ﴿وَمن اتبعني﴾ مَعْطُوفًا على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي ﴿ادعوا﴾ وَحسن الْعَطف لأجل الْفَصْل فَهُوَ دَلِيل على أَن أَتبَاع الرَّسُول هم الَّذين يدعونَ إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله
وَإِن كَانَ مَعْطُوفًا على الضَّمِير الْمَجْرُور فِي سبيلي أَي هَذِه سبيلي وسبيل من اتبعني فَكَذَلِك
وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فسبيله وسبيل أَتْبَاعه الدعْوَة إِلَى الله
1 / 23
الأَصْل الرَّابِع قَوْله ﴿يهْدُونَ بأمرنا﴾ وَفِي ذَلِك دَلِيل على اتباعهم مَا أنزل الله على رَسُوله وهدايتهم بِهِ وَحده دون غَيره من الْأَقْوَال والآراء والنحل والمذاهب بل لَا يهْدُونَ إِلَّا بأَمْره خَاصَّة
فَحصل من هَذَا أَن أَئِمَّة الدّين الَّذين يقتدون بهم هم الَّذين جمعُوا بَين الصَّبْر وَالْيَقِين والدعوة إِلَى الله بِالسنةِ وَالْوَحي لَا بالآراء وبالبدع فَهَؤُلَاءِ خلفاء الرَّسُول ﷺ فِي أمته وهم خاصته وأولياؤه وَمن عاداهم أَو حاربهم فقد عادى الله سُبْحَانَهُ وآذنه بِالْحَرْبِ
قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀ فِي خطْبَة كِتَابه فِي الرَّد على الْجَهْمِية الْحَمد لله الَّذِي جعل فِي كل زمَان
1 / 24