Al-ṣalāh wa-aḥkām tārikihā

الصلاة وأحكام تاركها

Editor

عدنان بن صفاخان البخاري

Publisher

دار عطاءات العلم (الرياض)

Edition

الرابعة

Publication Year

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

Publisher Location

دار ابن حزم (بيروت)

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٩)
كتاب الصلاة
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
عدنان بن صفاخان البخاري
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
رحمه الله تعالى
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

المقدمة / 1

مقدمة التحقيق
إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[آل عمران/١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء/١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب/٧٠ - ٧١].
أمَّا بعد، فقد اهتمَّ أهل العلم - قديمًا وحديثًا - بالتَّصنيف في شأن الصلاة، وذلك لعظم أمرها وعلوِّ مكانتها في الإسلام، وكبير خطرها فيه، وتنوِّع أحكامها، وسننها، وأحوالها. فصنفوا في حكم تاركها، وشروطها، وأوقاتها، وفرائضها، وسُننها، وأذكارها، وأسرارها، وحِكَمها، وفوائدها، وغير ذلك من المباحث المتعلِّقة بها. ولا غرابة

المقدمة / 5

في ذلك؛ إذ بقدر ما كان النَّاسُ إلى العِلم أحوج كان الاهتمام به
أولى وأوجب.
وممن صنف فيها مصنفًا مفردًا: الإمام، أبوعبدالله محمد بن
أبي بكر بن أيوب الزُّرعي، الدِّمشقي، المعروف بـ «ابن قيِّم الجوزيَّة» رحمه الله تعالى.
فكان كتابه هذا كثير الفائدة، لا يستغني عنه باحث في مسائله، إذ بسط في جواب أسئلة سائله، وحقَّق فيه ما قصر التَّحقيق في سواه.
* الكتب المفردة في الصَّلاة (^١):
وسأذكر قبل الكلام عن الكتاب ومنهج المؤلِّف فيه أهم المصنَّفات المفردة في موضوع الصَّلاة (^٢)، مرتَّبةً حسب وفاة مؤلِّفيها:

(^١) الكتب المذكورة في هذا الفصل على نوعين:
١ - كتبٌ بعنوان الصلاة، ولا يُدرَى ما احتوته من مباحث الصلاة لتعذُّر
الوقوف عليها.
٢ - كتبٌ في بعض مباحث الصَّلاة، ككتب أسرار الصَّلاة ومقاصدها و«روحها»، أو كتب حُكْم ترك الصلاة، أو كتب في الأحاديث المسندة في الصَّلاة ..
ونحو ذلك.
(^٢) لم أقصد استيعاب جميع ما ألِّف في هذا الباب مفردًا؛ إذ الأمر يطول بهذا، ويمكن الرجوع في مجرَّد الإحصاء إلى معجم الموضوعات المطروقة لعبدالله الحبشي (١/ ٧٤٥ - ٧٥٠) للوقوف عليها.

المقدمة / 6

١ - كتاب الصَّلاة، للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري البغدادي، صاحب الإمام أبي حنيفة، المتوفَّى سنة ١٨٢ هـ (^١).
٢ - كتاب الصَّلاة، لابن عُليَّة، إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، المحدِّث المشهور، المتوفَّى سنة ١٩٣ هـ (^٢).
٣ - كتاب الصَّلاة، للجوزجاني، أبي سليمان موسى بن سليمان الحنفي، المتوفَّى حدود سنة ٢٠٠ هـ (^٣).
٤ - كتاب الصَّلاة، للحافظ أبي نعيم، الفضل بن دُكين، المتوفَّى سنة ٢١٩ هـ (^٤).
٥ - كتاب الصَّلاة، للإمام أحمد بن حنبل، المتوفَّى سنة ٢٤١ هـ (^٥).

(^١) الجواهر المضيَّة للقرشي (١/ ٢٥٨).
(^٢) الفهرست لابن النَّديم (ص/٣١٧).
(^٣) الجواهر المضيَّة للقرشي (٢/ ١٨٦ - ١٨٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٩٣٢).
(^٤) وقد طُبِع جزءٌ منه -وهو الذي وُجِد-، بتحقيق صلاح بن عايض الشَّلاحي، الأولى في مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة النبويَّة، عام ١٤١٧ هـ، يقع في ٢٢٨ صفحة، وطبع ثانية في دار ابن حزم، ١٤٢٥ هـ، في ١٥٦ صفحة.
(^٥) في نسبة هذا الكتاب للإمام أحمد نظرٌ؛ فإنَّ الإمام الذَّهبي ﵀ يبطل نسبته إليه، قال في سير أعلام النُّبلاء (١١/ ٢٨٧): «رسالة المسيء في الصَّلاة باطلةٌ»، وقال فيه أيضًا (١١/ ٣٣٠): «قلتُ: هو موضوعٌ على الإمام». وقد طُبِعَ الكِتَاب مفردًا مرَّات عديدة، من أقدمها طبعة محمد رشيد رضا، وقصي محب الدِّين الخطيب في المطبعة السَّلفية (١٣٩٨ هـ)، ومحمد حامد الفقي.

المقدمة / 7

٦، ٧، ٨ - كتاب الصَّلاة، وكتاب افتتاح الصَّلاة، وكتاب الحكم على تارك الصَّلاة= ثلاثتها لداود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني الظَّاهري، المتوفَّى سنة ٢٧٠ هـ (^١).
٩ - كتاب الصَّلاة ومقاصدها، للحكيم الترمذي، أبي عبدالله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، المتوفَّى سنة ٢٨٥ هـ (^٢).
١٠ - تعظيم قدر الصَّلاة، لمحمد بن نصر المروزي، المتوفَّى سنة ٢٩٤ هـ (^٣).
١١ - كتاب صفة الصَّلاة، لأبي حاتم محمَّد بن حبَّان البُسْتي، صاحب المسند الصَّحيح: «التَّقاسيم والأنواع»، المتوفَّى سنة ٣٥٤ هـ (^٤).

(^١) الفهرست لابن النَّديم (ص/٣٠٣).
(^٢) طُبِع بتحقيق حسني نصر زيدان، في مطابع دار الكتاب العربي بمصر، ١٩٦٥ م، في مجلد متوسط، في ١٧٤ صفحة.
(^٣) طُبِع بتحقيق عبدالرحمن بن عبدالجبَّار الفريوائي في مجلَّدين، ط ١، ١٤٠٦ هـ، بمكتبة الدار في المدينة النبويَّة. وطبع طبعة أخرى مصرية في مجلدٍ واحدٍ.
(^٤) ذكره ابن حبَّان نفسه في كتابه، فقال: «في أربع ركعات يصليها الإنسان ستمائة سُنَّةٍ عن النَّبيِّ ﷺ، أخرجناها بفصولها في كتاب «صفة الصَّلاة»، فأغنى ذلك عن نظمها في هذا النَّوع من هذا الكتاب».
يُنْظَر: الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (٥/ ١٨٤). ... =
= ... وقد نقل منه المصنِّف ﵀ في كتابه «رفع اليدين في الصَّلاة» (ص ٥٧ - تحقيق علي العمران).

المقدمة / 8

١٢ - كتاب الصَّلاة والتَّهجُّد، لعبدالحق الإشبيلي، المعروف بابن الخرَّاط، المتوفَّى سنة ٥٨١ هـ (^١).
١٣ - أخبار الصَّلاة، للحافظ عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي، المتوفَّى سنة ٦٠٠ هـ (^٢).
١٤ - كتاب مقاصد الصَّلاة، لعزالدِّين، عبدالعزيز بن عبدالسَّلام السلمي الدمشقي، الملقَّب بـ «سلطان العلماء»، المتوفَّى
سنة ٦٦٠ هـ (^٣).

(^١) طُبِع بتحقيق عادل أبوالمعاطي، في دار الوفاء بمصر، ط ١، ١٤١٣ هـ.
وقد ذكر المحقِّق أنَّ اسم الكتاب في النُّسختين اللَّتين اعتمد عليهما في إخراجه: «التهجُّد»، وأنَّه غيَّره لأنَّه وجده في بعض مراجع من ترجم للمؤلف بالاسم الذي أثبته ولشمول الاسم لمباحث الكتاب؛ حيث إنَّه ليس في مسائل التهجُّد حسبُ.
وقد نقل المصنِّف منه في كتابه هذا.
(^٢) نشره مجدي عطيَّة حمُّودة، في مكتبة ابن عباسٍ بمصر، يقع في ١٤٢ صفحة، ط ١، ١٤٢٤ هـ. وهو كتابٌ حديثيٌّ مسندٌ في أحاديث الصَّلاة وفضلها وبعض أحكامها.
(^٣) نشر بتحقيق إياد الطَّبَّاع، بدار الفكر بدمشق، ط ٢، ١٩٩٥ م، يقع في ٣٨ صفحة.

المقدمة / 9

١٥ - كتاب مراصد الصِّلات في مقاصد الصَّلاة، لابن القسطلاني، محمد بن أحمد بن علي القيسي، الشافعي التَّوْزَري المصري، المتوفَّى سنة ٦٨٦ هـ (^١).
١٦ - أسرار الصَّلاة، المنسوب للإمام ابن القيِّم ﵀ (^٢).

(^١) والكتاب عن أسرار الصَّلاة وثمراتها وحِكَمها، وأذكارها، وحركاتها.
طبع الكتاب سنة ١٣٤٩ هـ في المطبعة المصرية بالأزهر، بإشراف الأستاذ رضوان محمد رضوان، ثم طبع مرَّةً أخرى طبعة منسوخة من هذه، بتعليق محمد صديق المنشاوي السوهاجي، في دار الفضيلة في القاهرة بمصر.
(^٢) طُبِع بتحقيق مجدي فتحي السيد، بدار الصحابة بطنطا.
ثم أعيد طبعه مرَّة أخرى بعنوان: «أسرار الصلاة، والفرق والموازنة بين ذوق الصلاة والسّماع»، بتحقيق: إياد القيسي، سنة ٢٠٠٣ م، في دار ابن حزم بلبنان، في نحو ١٨٠ صفحة.
والكتاب لا يعدو عن كونه مستلًّا من كتاب السَّماع لابن القيِّم، فأفرد وظُنَّ أنَّه كتابٌ مستقل، وقد وقع بينه وبين كتاب السماع اختلاف يسير، وليس ذلك مسوّغًا لطبع الكتاب تحت اسم مفرد إيهامًا بأنَّ ذلك من فعل المصنِّف نفسه.
ثم طُبِع بتحقيق الوليد بن محمد بن سلامة بمصر، مع رسالة «الذل والانكسار» للحافظ ابن رجب.

المقدمة / 10

١٧ - كتاب الصَّلاة، لقطب الدِّين الأزنيقي الحنفي، المتصوِّف، المتوفَّى سنة ٨٢١ هـ (^١).
١٨ - كتاب الأربعون حديثًا في تارك الصَّلاة ومانع الزَّكاة والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والوصية بالجار، لنجم الدين الغيطي، محمد بن أحمد بن علي الشَّافعي، المصري، المتوفَّى سنة ٩٨٤ هـ (^٢).
١٩ - حكم تارك الصَّلاة، للشَّيخ محمد ناصرالدِّين الألباني، المتوفَّى سنة ١٤٢٠ هـ (^٣).
٢٠ - حكم تارك الصَّلاة، للشَّيخ محمد بن صالح العثيمين، المتوفَّى سنة ١٤٢٠ هـ (^٤).

(^١) قال طاش كبرى زاده في الشَّقائق النعمانية (ص/٢٤): «صنَّف في كتاب الصَّلاة مصنَّفًا جامعًا لمسائلها».
(^٢) طُبِعَ بمركز الكتاب للنَّشر، بتحقيق علاء عبدالوهاب محمد، في ٨٤ صفحة.
(^٣) طُبِع مرَّاتٍ عديدةٍ، بتعليق علي حسن عبدالحميد الحلبي.
(^٤) طُبِع مرَّاتٍ عديدةٍ.

المقدمة / 11

* التحقيق في اسم الكتاب:
لم ينصَّ المؤلِّف ﵀ في هذا الكتاب ولا في غيره من كتبه على عنوان هذا الكتاب، وقد وقفت على ثلاثة أسماء لكتابه:
١ - الأوَّل: «الصَّلاة»
وممَّن نصَّ على هذا الاسم ابن رجب الحنبلي (^١)، وصدِّيق حسن خان (^٢).
وهو الاسم المنصوص عليه في النُّسخ المخطوطة التي اعتمدتُ عليها في تحقيق الكتاب، وهي النسخة الأولى المرموز لها بـ «ض»، والنسخة الثَّانية المرموز لها بـ «س»، والنسخة الهنديَّة المرموز لها بـ «هـ»: «كتاب الصَّلاة».
وفي خاتمة النسخة الثانية: «تمَّ الكتاب المبارك: كتاب الصَّلاة».
وكذا في صدر المطبوعة الهنديَّة المرموز لها بـ «ط»: «كتاب الصَّلاة»، وفي خاتمتها: «الحمدلله الذي وفَّق لإتمام كتاب الصَّلاة».

(^١) المنتقى من مشيخة أبيه شهاب الدِّين ابن رجب (١٣٦).
(^٢) التاج المكلَّل (٤١٩).

المقدمة / 12

٢ - الاسم الثاني: «حكم تارك الصَّلاة»، وهو الذي ذكره أكثر من عدَّ الكتاب في جملة مؤلَّفات الشيخ.
حيث نصَّ على هذا الاسم ابن رجب الحنبلي (^١)، وتبعه عليه: العُلَيْمي (^٢)، والدَّاودي (^٣)، وابن العماد الحنبلي (^٤)، وعبدالقادر بن بدران (^٥).
٣ - الاسم الثَّالث: «تارك الصَّلاة»
وقد ذكره الشيخ صالح بن عبدالعزيز العثيمين، ت ١٤١٠ هـ (^٦).
ويظهر لي أنَّ الاسم الأوَّل للكتاب، وهو «كتاب الصلاة» هو الأقرب والأصحُّ، وذلك لأمورٍ:
- الأول: أنَّ هذا الاسم هو الذي نصَّ عليه الإمام ابن رجبٍ، وهو تلميذ ابن القيِّم وأعرف باسم كتاب شيخه.

(^١) الذَّيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٥ - ١٧٦).
(^٢) المنهج الأحمد (٥/ ٩٥)، والدر المنضَّد (٢/ ٥٢٢).
(^٣) طبقات المفسِّرين (٢/ ٩٣).
(^٤) شذرات الذَّهب (٦/ ١٧٠).
(^٥) منادمة الأطلال (٢٤٢).
(^٦) في كتابه تسهيل السَّابلة (٢/ ١١٠٥).

المقدمة / 13

- الثَّاني: أنَّ هذا الاسم هو المنصوص عليه في النُّسخ الموجودة بين أيدينا، والأصل أنَّ النَّاسخ يكتب عنوان الكتاب كما رآه عند نسخه، فلا يظنُّ حصول التغيير من النسَّاخ جميعًا في آن واحدٍ.
- الثَّالث: أنَّ هذا الاسم أقرب إلى مدلول الكتاب ومحتواه؛ إذ سؤال السَّائل الذي كان سببًا في تأليف الإمام هذا الكتاب لم يقتصر على مسألة حكم ترك الصلاة، بل اشتمل عليها وعلى مسألة القضاء وصفة صلاة النَّبي ﷺ وغيرها من المسائل، وكان جواب الشَّيخ مستوعبًا تلك المسائل وغيرها من المسائل التي عرَّج عليها ضمنًا.
وأمَّا ما قد يُشكل من ردِّ الاسم الثاني وهو «حكم تارك الصلاة»، مع اتفاق تسميته عند من تقدَّم ذكر أسمائهم، وهم أكثر= فالجواب أنَّها أكثريَّةٌ غير حقيقيَّةٍ؛ إذ الذي ذكر اسم الكتاب أولًا هو ابن رجبٍ، ثم تناقل المتأخرون عنه هذا الاسم، فالمصدر واحدٌ كما يظهر.
وابن رجبٍ هو نفسه الذي ذكر اسم الكتاب الأول، فيكون كلامه مقابل كلامه.
ولا بد من ترجيح أحد الاسمين في كلاميه حينئذٍ، ومع القرائن المتقدِّم ذكرها آنفًا يترجَّح لديَّ الاسم الأول، ويحمل الاسم الثاني على أنَّه اختصار لاسم الكتاب بذكر مسألةٍ ذكرت فيه.

المقدمة / 14

وقد عُهِد من المصنِّفين في السِّيَر والتواريخ والطَّبقات التصرف في تسمية كتب المترجَمين، ولعلَّ تسميتهم له بـ «حكم تارك الصَّلاة»، هو من هذا الباب.
وإذا كانت القضيَّة في ترجيح أحد هذين الاسمين مبنيًّا على الظَّنِّ والنَّظر في القرائن، فإنَّ القرائن التي ذكرتها تميل بالكفَّة إلى الأخذ بالاسم الأول للكتاب، وهو «كتاب الصَّلاة».
* سبب تصنيف الكتاب:
ظاهرٌ بجلاء من مطلع الكتاب أنَّ باعث تأليف المصنِّف ﵀ له كان جوابًا عن سؤالٍ رُفِع إليه، نصُّه: «ما يقول السَّادة العلماء، أئمَّة الدِّين، وفَّقهم الله وأرشدهم، وهداهم وسدَّدهم، في تارك الصَّلاة عامدًا؛ هل يجب قتله أم لا؟ وإذا قُتِلَ فهل يُقْتَل كما يُقْتَل المرتدُّ والكافر ... -إلى أن قال:- فأرشد الله مَن دَلَّ على سواء السَّبيل، وجمع بين بيان الحُكم والدَّليل. وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أنْ يتعلَّمُوا حتى أخذ الميثاق أهل العلم أنْ يُعلِّمُوا ويبيِّنُوا .. الخ».
وأمَّا ما يتعلَّق بتاريخ تصنيف الإمام لهذا الكتاب فلم أقف على نصٍّ ولا قرينة تعين على ذلك.

المقدمة / 15

* إثبات صِحَّة نسبة الكتاب إلى المؤلِّف:
ثبتت نسبة هذا الكتاب إلى الإمام ابن القيِّم ﵀ بعدَّة أدلَّةٍ، منها:
١ - نصُّ غير واحدٍ من أهل العلم على أنَّ هذا الكتاب من جملة مؤلَّفات الإمام. وقد تقدَّم ذكرهم في تحقيق اسم الكتاب.
٢ - ومن الأدَّلة على ذلك أيضًا: أسلوب الإمام ابن القيِّم المتميِّز، وهذا ظاهرٌ من قراءة هذا الكتاب، ومقارنته مع أسلوبه في كتبه الأخرى؛ في بسط الكلام على المسألة، وطريقة عرضه لها، وذكر الخلاف فيها، وإيراد الأدلَّة والحجاج فيها ونقضها، إلى غير ذلك.
٣ - ومن الأدلَّة على ذلك أيضًا: نقله عن شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية، في موضعٍ واحدٍ من الكتاب، وذلك في قوله: «قال شيخنا: فهذا يدلُّ على أنَّ العيد آكد من الجمعة» (^١).
٤ - ومن الأدَّلة على ذلك أيضًا: توافق كلام الإمام واختياراته في المسائل التي بحثها في هذا الكتاب مع ما قرَّره في كتبٍ أخرى.

(^١) يُنْظَر (ص/٣٣).

المقدمة / 16

فثمَّة مناقشات وإيرادات وكلام له في هذا الكتاب يتَّفق مع ما قرَّره في زاد المعاد، أوحاشيته على سنن أبي داود، وغيرها من المؤلَّفات التي طرق فيها تلك المسائل.
* التعريف بالكتاب:
يشتمل هذا الكتاب على كثيرٍ من المسائل الخلافيَّة في مسائل الصَّلاة، مجملةً أومفصَّلة، والاستدلال للأقوال فيها، والاستنباطات الدقيقة، والتعليلات اللَّطيفة فيها، ووجوهها، والجواب عنها ونقضها.
حتَّى قال الشيخ المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ ضمن تخريجه وكلامه على حديثٍ، فعرض ذكر رسالة الصلاة لابن القيِّم، فقال عنها: «فإنَّ فيها علمًا غزيرًا، وتحقيقًا بالغًا، لا تجده في موضعٍ آخر» (^١).
* ويمكن تلخيص المسائل التي عرض المصنِّف ﵀ الخلاف فيها في هذا الكتاب على نوعين:
١ - مسائل أطال النَّفَس فيها، وعرض الخلاف وأدلَّة الأقوال ومناقشتها ونقضها.

(^١) السَّلسلة الضَّعيفة (١٢٥٧).

المقدمة / 17

٢ - مسائل أشار إليها وأجمل القول فيها، وهذا الإجمال إمَّا نسبيٌّ، وذلك بعرض شيءٍ من التفصيل الذي لا يصل إلى الإسهاب كما في النوع الأول، وإمَّا مطلقٌ بأن يلمح إلى الخلاف فيها ويكتفى بذكر عدد الأقوال فيها، دون خوضٍ في تفاصيل ذلك.
* أمَّا المسائل الخلافيَّة - الفقهية أو الحديثية - التي أطال النَّفس فيها، بذكر الأقوال والقائلين وحجج كل طائفة، ثم مناقشتها، وقد يرجِّح أحد هذه الأقوال= فمثالها: مسألة قتل تارك الصلاة، ومسألة كيفيَّة قتله، ومسألة كفره، وهل يُسْتَتاب أم لا؟ وبماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟، ومسألة هل يقتل حدًّا ... أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ؟، ومسألة هل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر، أم يجوز له التَّأخير، ومسألة هل ينفعه قضاء الصلاة إذا تركها عمدًا حتى خرج وقتها؟ والكلام عن حكم صلاة الجماعة من حيث إنَّها شرط لصحة الصلاة أم لا، وهل له أن يؤدِّيها في بيته أو يلزمه أداؤها في المسجد، وبطلان صلاة من ترك الطمأنينة في الصلاة، وغيرها
من المسائل.
* وأمَّا المسائل التي أشار إلى الخلاف فيها= فمثالها: مسألة استتابة المرتدِّ، وحكم منْ تَرَك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه وهو يعتقد وجوبه، واختلافهم في معنى السَّهْو، ومسألة حكم الفِطر في السَّفر،

المقدمة / 18

ومسألة مَنْ أدركته الصلاة وهو مشغولٌ بقتال العدو، وغيرها من المسائل.
* ومن أهمِّ المسائل التي عرض لها المصنِّف وأطال الكلام فيها تحريره لمسألة الإيمان، وعلاقة ذلك بحكم تارك الصلاة بالكليَّة، حيث بيَّن المؤلِّف ﵀: «أنَّ معرفة الصَّواب في هذه المسألة مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإيمان والكفر».
* ويمكن إيجاز كلامه في هذه القضيَّة في الآتي:
١ - نقل إجماع أهل السُّنَّة على زوال الإيمان بزوال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق، وبيَّن أنَّ من أمحل المحال أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعل طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ.
وأنَّ لازم عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ ولازم انقياد القلب انقياد الجوارح.
وأنَّ الإيمان ليس هو التَّصديق المجرَّد باعتقاد صِدْق المخبر، بل التَّصديق إنَّما يتمُّ بأمرين: اعتقاد الصِّدق، ومحبَّة القلب وانقياده، فعلى هذا يمتنع مع التَّصديق الجازم بوجوب الصَّلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها= المحافظة على تركها.

المقدمة / 19

٢ - وأنَّ الكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خَلَفَه الآخر. وأنَّ الإيمان العملي يضادُّه الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي، والعملي لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما أنَّ النِّفاق نِفاقان؛ نِفاق اعْتِقادٍ، ونِفاق عَمَلٍ.
وأنَّ الرجل قد يجتمع فيه كفرٌ وإيمانٌ، وشركٌ وتوحيدٌ، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمانٌ.
٣ - ثم بيَّن أنَّ من أتى بعض شعب الإيمان وترك بعضها فقد ينفعه ما أتاه في عدم الخلود في النَّار إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي، وإنْ كان المتروك شرطًا في اعتباره لم ينفعه.
وأنَّ شعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك.
والأدلَّة التي ذكرها وغيرها تدلُّ على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. وأنَّ الرَّاجح هو كفر تارك الصلاة متهاونًا وهو مصرٌّ على تركها، وتعجَّب من الشَّاكِّين في كفره، مع كونه دُعِي إلى فعلها على رؤوس الملأ، والسَّيف على رأسه للقتل، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك وهو يقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا!
وقد ناقش المؤلِّف ﵀ أكثر أدلَّة القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وما لم يناقشه ﵀ فإنَّه يُرَدُّ عليه بالقواعد التي ذكرها ممّا تقدَّم إيجازه آنفًا.

المقدمة / 20

* وممَّا ترك المؤلِّف ﵀ الجواب عليه ما قد يحتجُّ به بعض القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وهو قوله ﷺ: «لم يعملوا خيرًا قط»، وهو الوارد في شفاعة المؤمنين وخروجهم من النَّار يوم القيامة.
وفي لفظٍ من ألفاظ هذا الحديث: «وإذا رأوا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا، إخواننا كانوا يصلُّون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا - وفي روايةٍ: ويحجُّون معنا - فيقول الله تعالى: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من إيمانٍ، فأخرجوه، ويحرِّم الله صُوَرَهم على النَّار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النَّار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عَرَفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عرفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عَرَفوا». إلى أن قال: «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبَّار: بقِيَت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتَحَشُوا (^١)، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يُقَال له «ماء الحياة»، فينبتون في حافتَيْه كما تنبت الحِبَّة في حميل السَّيل ..». إلى أن قال: «فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن،

(^١) أي: احترقوا، والمَحْشُ: احتراق الجِلد وظُهور العَظم، كما في النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٠٢) وغيره.

المقدمة / 21

أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقَال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» (^١).
فقوله في هذه الجملة: «أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه» قد ورَد في سياق شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وقدجاءت في رواياتٍ وألفاظٍ مختلفة في الصَّحيحين، ولو تأمَّلْنا كلَّ هذه الرِّوايات وألفاظها المختلفة تبيَّنَ لنا المعنى الصَّحيح لها، والفهم الصائب الموافق لما ذهب إليه أهل السُّنَّة من أنَّ الإيمان لا ينفع صاحبه دون عملٍ، وأنَّ الرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا، ويدلُّ على أنَّ المُخْرَجين من النَّار بشفاعة الشَّافعين إنَّما كانوا من أهل الصَّلاة، كما سيأتي بيانه.
فإنْ احتجَّ محتجٌّ بمفهوم ما تقدَّم في لفظ الحديث، من أنَّ هؤلاء الذين شَفَع فيهم إخوانُهُم لم يكن لهم من الإيمان إلَّا شيءٌ ضئيلٌ، مثقال دينار أوأقل، وهذا يدلُّ على قِلَّة أعمالهم أوندرتها في الدنيا، وأنَّهم قد فرَّطوا في كثيرٍ من الواجبات، ومن جملتها الصلاة؛ فتبيَّن من هذا أنَّ تارك الصلاة سيكون من هؤلاء الخارجين بالشفاعة ولا ريب.

(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣). وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «فيقول الله عزَّوجل شفَعَت الملائكةُ وشفَعَ النبيُّون وشفَعَ المؤمنون، ولم يبق إلَّا أرحم الرَّاحمين، فيقبض قبضةً من النَّار، فيُخْرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا ..».

المقدمة / 22

وأنه يمتنع أن يكون لهؤلاء هذا القدر اليسير من الإيمان ثم يظنُّ أنَّهم من أهل الصلاة؛ إذ يُقال: أين ذهب ثواب الصَّلاة الكثير لو كانوا من المصلِّين؟
= فالجواب عن هذا من وجوهٍ:
الأول: أنَّ المفهوم يفسد بمعارضة منطوق الحديث له؛ فقد دلَّ منطوق الحديث صراحةً على أنَّ هؤلاء المشفوعين كانوا من المصلِّين؛ حيث إنَّه ذكر كلام الشُّفعاء وأنَّهم قالوا لربِّهم للشفاعة في إخوانهم: «ربَّنا إخواننا، كانوا يصلُّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا ..».
ففي هذا النصِّ ما يصرِّح أنَّ هؤلاء الموصوفين بهذا القدر الضَّئيل من الإيمان كانوا يصلُّون مع إخوانهم، ويعملون معهم في الدنيا، فلم يبق لذاك المفهوم قوَّة يحتجُّ بها.
الوجه الثاني: يُجاب عمَّا ذُكِر من أنَّ وصف أهل الصلاة والصيام ــ وثوابهما عظيمٌ عند الله - بهذا القدر اليسير من الإيمان في قلوبهم ممتنعٌ، وأنَّه لا يمكن دفع هذا إلا بافتراض كونهم تاركين للأعمال في الدنيا =بأنَّه غير مسلَّمٍ؛ إذ لا يمتنع أنَّ يكون ثواب تلك الأعمال قد ذهب بالمقاصَّة والحساب، أوبالحبوط في الدنيا؛ فصار فاعلوها شبْهَ من لم يعمل خيرًا قط، لا صلاةً ولا صيامًا، ولا غير ذلك.
ويدلُّ على هذا المعنى دلائل كثيرة من الكتاب والسُّنَّة، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال ﷺ: «إنَّ المفلس من

المقدمة / 23