Sharḥ Adab al-Qāḍī

شرح أدب القاضي

Editor

أبو الوفاء الأفغاني [ت ١٣٩٥ هـ]- أبو بكر محمد الهاشمي [ت ١٤٢٩ هـ]

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

شرح أدب القاضي
تأليف
الإمام أبي بكر أحمد بن عمر الخصاف
شرحه
الإمام عمر بن عبد العزيز المعروف بـ «الحسام الشهيد»
حقق أصوله
الشيخ أبو الوفاء الأفغاني والشيخ أبو بكر محمد الهاشمي

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)
وبه التوفيق والمستعان رب يسّر يا كريم (^١) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ الإِمام الأجل الأستاذ حسام الدين شمس الإِسلام والمسلمين برهان الأئمّة في العالمين أبو المعالي عمر ابن الشيخ الأجل شمس الأئمة عبد العزيز ﵀: أما بعد، فقد طلب مني بعض أصحابنا أن أذكر بكل مسألة من مسائل كتاب "أدب القاضي" الذي جمعه القاضي الأجل الإِمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن نهير الخصاف ﵀ نكتة وجيزة قدر ما يحتاج الناظر إليها للتفهم فأجبتهم إلى ذلك مستعينًا بالله تعالى، وعددت أبوابه فكانت مائة وعشرين بابًا لاندراج بعض الأبواب في بعض، وفصلته في ابتدائه كيلا يتعذر على من يروم منه مسألة وبالله التوفيق (^٢) يحتاج لمعرفة كتاب "أدب القاضي" إلى معرفة تفسير القضاء لغة وشريعة ومعرفة أهله، و[إلى معرفة] (^٣) من يجوز تقلد القضاء منه [ومن لا يجوز] (^٤) وصفة الدخول فيه.
أما تفسيره لغة فقد يعبّر به عن أشياء: منها الإلزام (^٥) ولذلك سمي الحاكم قاضيًا لأنه يلزم المحكوم عليه، ومنها التقدير (^٦) يقال "قضى عليه بالنفقة" أي قدرها، ومنها الأمر قال

(^١) بين الرقمين (١ - ١) من الأصل المدني، وفي الأصفية "وما توفيقي إلّا بالله" وفي السعيدية "وبه ثقتي رب يسر وأعن برحمتك".
(^٢) ثم عد الأبواب كلها راجع الفهرس.
(^٣) بين المربعين من س، وكان في ص، مكانه "قال الشيخ الإِمام شمس الأئمة إمام الحرمين أبو المفاخر عمر عمّره الله في عز مشرقة أنواره ومجد مغدقة أفكاره اعلم أنه يحتاج .. إلخ".
(^٤) زيادة من س.
(^٥) في س "وإلى معرفة جواز الدخول في القضاء، أما تفسير القضاء لغة فالقضاء لغة يعبر عن أشياء عن اللزوم".
(^٦) وفي س "وعن التقدير" وكذا "من الأمر" الآتي.

1 / 3

الله ﷿ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^١) أي أمر وهو في عرف لسان الشرع عبارة عن فصل الخصومات وقطع المنازعات.
وأما معرفة أهله فلا ينبغي لأحد أن يتقلّد القضاء ولا لغيره أن يقلده ما لم يكن عالمًا بالكتاب والسنّة واجتهاد الرأي، بين ذلك بالسنّة والمعقول.
أما السنّة فحديث مُعاذ ﵁ حين وجَّهه رسول الله ﷺ (^٢) إلى اليمن قاضيًا قال له: بم تحكم يا معاذ؟ قال بكتاب الله! قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله! قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد فيه رأيي! فقال ﵊: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِه لما يرضى به رسوله (^٣).
وأما المعقول فلأنه مأمور بالقضاء بالحق والحكم بالمنَزَّل.
قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (^٤).
وقال عز من قائل ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٥) ولا يتهيّأ له ذلك ما لم يكن عالمًا بما ذكرنا.
أما اجتهاد الرأي فلأن الحوادث ممدودة والنصوص معدودة فلا تجد (^٦) في كل حادثة نصًا يفصل به الحكم (^٧) فيحتاج إلى استخراج المعنى من المنصوص عليه ليثبت مثل حكمه في غير المنصوص عليه.
أما الكتاب والسنة فلأن اجتهاد الرأي إنما يكون حجة متى لم يخالف أحدهما، ولن يعلم أنه لم يخالف أحدهما ما لم يكن عالمًا بهما، فصار العلم بالجملة شرطًا ليمكنه القيام بالمأمور به (^٨) وقد شرط الخصاف (^٩) ﵀ شرطًا آخر وهو العدالة (^١٠) وهو قول

(^١) آية رقم ٢٣ من سورة الإسراء.
(^٢) وفي س "ثبت ذلك بالنص والمعقول، أما النص فما روي عن رسول الله ﷺ أنه لما بعث معاذًا".
(^٣) رواه الشيخان.
(^٤) آية رقم ٣٦ من سورة ص.
(^٥) آية رقم ٤٩ من سورة المائدة.
(^٦) وفي س "فلا يجد القاضي".
(^٧) وفي س "يفصل به الخصومة".
(^٨) وفي س "وإنما يمكنه ذلك إذا كان عالمًا بالاجتهاد، ثم الاجتهاد إنما يكون حجة إذا لم يكن مخالفًا للكتاب والسنة، وإنما يمكنه أن يعرف أنه لم يخالف الكتاب والسنة إذا كان عالمًا بالكتاب والسنة، فصار العلم بهذه الجملة شرطًا".
(^٩) وكان في ص - م "الجصاص" اشتبه على الكاتب.
(^١٠) وفي س "وذكر الخصاف شرطًا آخر وهو أن يكون عدلًا".

1 / 4

الشافعي ﵀، لكنه من الشافعي شرط لازم كاشتراطه العدالة في الشاهد حتى قال: لا يجوز تقليد غير العدل ولو قلّد لا يصير قاضيًا ولو قضى لا ينفذ قضاؤه؛ وهو من الخصاف محمول على الأولى، كما في الشهادة الأولى أن يكون عدلًا على أصول أصحابنا، فإن قضى القاضي بشهادة الفاسق نفذ القضاء وكذا القاضي نفسه (^١).
وأما بيان من يجوز تقلّد القضاء منه فلا بأس بذلك من جهة الإِمام عادلًا كان أو جائرًا، أما العادل فلأن رسول الله ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن قاضيًا، وولى عتاب بن أسيد ﵁ على مكة أميرًا وأما الجائر فلأن كبار الصحابة تقلدوا الأعمال من معاوية ﵁ بعد إظهاره الخلاف على علي ﵁ وكان الحق مع علي ﵁ في نوبته. لكن إنما يجوز ذلك إذا كان يمكنه من القضاء بحق، أما إذا كان لا يمكنه فلا، لما روي عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ أنه تقلّد القضاء من معاوية ﵁ فأتاه كتاب معاوية وكان فيه "إن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفي له الصفراء والبيضاء" فقال الحكم سبق كتابُ الله كتابَ معاوية، وتلا قوله ﷿ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ثم صعد المنبر وقال: أيها الناس أتاني كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء وأن كتاب الله ﷿ سبق كتاب معاوية ألا وإني قاسم ما أفاء الله عليكم بينكم فليقم كل واحد منكم فليأخذ حقه؛ ثم قال: اللهم. اقبضني إليك! فما عاش إلا قليلًا.
أما الكلام في صفة الدخول في القضاء قال بعضهم: لا بأس به عن اختيار لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم والخلفاء الراشدين ﵃ فعلوا ذلك ولأنّه نيابة عن الأئمة الراشدين في إيفاء الحق وإقامة الحدود وكف الظالم، فجاز الدخول فيه مطلقًا. وقال بعضهم: لا يجوز الدخول فيه إلَّا عن كره، ولهذا دعي أبو حنيفة ﵁ إلى القضاء فلم يجب حتى ضُرب ثلاث مرات في كل مرة (^٢) ثلاثين سوطًا فقال في الثالثة:

(^١) والعبارة في س من قوله "وهو قول الشافعي" إلى هنا هكذا: "وهو مذهب الشافعي إلَّا أن الشافعي شرط العدالة أن تكون شرطًا لازمًا حتى لو تقلّد القضاء وهو غير عدل لا يصير قاضيًا ولو قضى لا ينفذ قضاؤه، وجعل الخصاف العدالة شرط الأولوية، فإن الأولى أن يكون القاضي عدلًا كما أن الأولى أن القاضي لا يقضي بشهادة الفاسق ومع هذا إذا قضى بشهادة الفاسق ينفذ قضاؤه وكذلك هاهنا الأولى أن لا يتقلد الفاسق القضاء ومع هذا إذا تقلّد يصير قاضيًا، ولو قضى ينفذ قضاؤه".
(^٢) وفي س العبارة من قوله: أما الكلام في صفة الدخول .. إلخ، هكذا: "وأما جواز الدخول في القضاء اختلفوا فيه، منهم من قال: يجوز الدخول فيه مختارًا، لأن الأنبياء والرسل والخلفاء الراشدين اشتغلوا به، ولأن هذا نيابة عن الخلفاء الراشدين وإقامة حدود الله تعالى، فيجوز الدخول فيه مختارًا، ومنهم من قال: لا يجوز =

1 / 5

حتى أستشير أصحابي (^١)! فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلّدت لنفعت الناس! فنظر إليه شبه المغضب (^٢) وقال: أرأيت لو أُمرت أن أعبر البحرَ سباحةً أكنت أقدر عليه! وكأني بك قاضيًا. وكذا محمَّد ﵀ عرض عليه القضاء (^٣) فأبى حتى حبس وقيد فاضطر فتقلد حينئذٍ.
قال ﵀: والحاصل (^٤) أن الدخول في القضاء عن اختيار رخصة، والامتناعَ عزيمة، أما الدخول رخصة لما تقدم (^٥) والامتناع عزيمة لوجهين: أحدهما أنه مأمور بالقضاء بالحق وقد يظن أنه يقضي بحق ولا يتهيأ له ذلك (^٦) والثاني أنه لا يقدر على القضاء إلَّا بمن يعينه وقد يجد من يعينه وقد لا يجد فكان الامتناع هو العزيمة والدخول رخصة هو المختار في هذا الباب والله أعلم بالصواب (^٧).
باب الدخول (^٨) في القضاء
افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ (^٩) "يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يودّ أنه لم يكن قضى بين اثنين" ورد الحديث (^١٠) للتحذير عن طلب القضاء والدخول فيه، فإنّ الحديث ورد في حق العدل، فما ظنك بغير العدل (^١١)! وشدة الحساب تشمل كل القضاة إلَّا أن الله ﷿ ينجي العادل بعدله ويبقى الجائر في وبال ما صنع (^١٢).

= الدخول فيه إلَّا مكرهًا، ألا ترى أن أبا حنيفة ﵁ دُعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة .. إلخ".
(^١) وفي س "فلما كان في المرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي".
(^٢) وفي س "نظر المغضب".
(^٣) وفي س "وكذا دعي محمَّد إلى القضاء".
(^٤) وفي س "والصحيح".
(^٥) وفي س "فلما قلنا".
(^٦) وفي س "وعسى يظن في الابتداء أنه يقضي بحق ثم لا يقضي في الانتهاء".
(^٧) وفي س "والثاني أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يعينه غيره وعسى لا يعينه، وإذا عرفنا هذه المقدمات جئنا إلى ما افتتح صاحب الكتاب به الكتاب".
(^٨) وفي س "باب ما جاء في الدخول".
(^٩) وفي س "أنها قالت يجاء - الحديث" وليس فيها الرفع.
(^١٠) وفي س "أورد هذا الحديث".
(^١١) وفي س "بالجائر".
(^١٢) وفي س "فكان شدة الحساب والعقاب يعم جميع القضاة إلَّا أن العادل ينجيه الله تعالى بعدله والجائر يبقى في وبال ما فعل".

1 / 6

ثم ذكر بعد هذا (عن صعصعة بن صوحان قال: خطبنا علي ﵁ بذي قارٍ على ظربٍ وعليه عمامة سوداء) وذي قار اسم موضع بقرب مكة، "وظِرب" مكسورة الراء تل، وكان من عادة العرب اختيار التلال والجبال للخطبة ليكون أبلغ (^١) في الإسماع ولذا تحدث في زماننا المنابر (^٢)، وتعمم بعمامة سوداء اقتداء برسول الله ﷺ، فإنه يوم فتح مكة تعمّم بعمامة سوداء (^٣) وعصب عليها عصابة حمراء عاد الحديث (فقال: سمعت (^٤) رسول الله ﷺ يقول "ليس من وال ولا قاض إلَّا يؤتى (^٥) به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله ﷿ على الصراط ثم تنشر الملائكة سيرته) [أي صحيفة عمله مع رعيته ومع من تحت يديه أعدل أم جائر] (^٦) (فتقرأها على رؤوس الخلائق) [يعني بين الأشهاد كما قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^٧)] (^٦) (فإن كان عدلًا نجاه الله ﷿ بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضوين من أعضائه مسيرة مئة سنة، ثم ينخرق به الصراط) [أي ينشق، وفي رواية: ينحرف الصراط، أي يميل، والأول أصح] (^٦) (فما يتلقى قعر جهنم إلَّا بوجهه وحد جبينه) تكلموا في قوله "يصير بين كل عضوين من أعضائه" من وجهين: قال بعضهم: يعظم أعضاؤه ويغلظ أجزاؤه، فلذلك تبعد مسافة ما بين الأعضاء كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال "غلظ جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا" وقال ﵊ "عظم ضرس الكافر في النار مثل أحُد" والمقصود أن يذوق من العذاب بحسبه، وقال بعضهم بل تتفرق أعضاؤه ويتقطع أجزاؤه. وتكلموا في قوله إلَّا بوجهه قال بعضهم (^٨): أول ما يعذب منه الوجه لأنه اختار القضاء بالجور للوجاهة في الدنيا فكان المختار للبداية في العذاب الوجه، وقال بعضهم: بل يلقى منكوسًا في جهنم ليكون في الدرك الأسفل من النار منها محل المنافقين لأنّ صنيعه شابهَ صنيعهم فإنه كان مظهرًا أنه يقضي بالعدل وهو جائر في الباطن؛ ورد هذا الحديث أيضًا للتحذير (^٩) عن طلب القضاء.
ثم ذكر (عن سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد عن مسروق قال: "ما من حكم

(^١) وفي س "أشهر وأبلغ".
(^٢) كذا في الأصلين، وفي س "ولهذا جرت العادة باتخاذ المنابر".
(^٣) وفي س "فإنّ النبي ﷺ كان على رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء".
(^٤) وفي س "ثم قال أيها الناس إني سمعت".
(^٥) وفي س "إنه ليس من وال ولا قاض إلَّا ويؤتى".
(^٦) زيادة من س.
(^٧) آية رقم ٥١ من سورة غافر.
(^٨) وفي س "وتكلّموا في معناه على وجهين منهم من قال".
(^٩) وفي س "وفائدة الحديث التحذير".

1 / 7

يحكم بين اثنين) (^١) وفي رواية ما من حاكم (إلا جيء به يوم القيامة وملك آخذ بهذه منه) وأشار سفيان بيده إلى قفاه (ينظر إلى الله ﷿ فإن أمره أن يلقيه ألقاه في مهواة سبعين خريفًا") أفاد الحديث دخول الحكم في وعيد القضاة (^٢)، وتكلّموا في معنى قوله "ينظر إلى الله ﷿" والنظر مضاف إلى الملك، قال: بعضهم: أي ينتظر أمر الله ﷿ أنه بماذا يأمره ليمتثل، وقال بعضهم: بل المراد النظر الذي هو رؤية العين (^٣)، وقد تكلّم الناس في الرؤية أنها تكون لبني آدم [دون الملائكة] (^٤) أم لهم وللملائكة، وترك الخوض فيه أحوط والإعراض عنه أسلم؛ وقوله "سبعين خريفًا" لم يرد به حقيقة السبعين بل هو عبارة عن طول المدة في الجملة، فإنّ عادة العرب أنهم إذا أرادوا المبالغة في التكثير والتطويل أتوا بلفظ السبعين والأربعين، ذلك معروف بينهم، فكان هو المراد فيما روينا - والله أعلم.
ثم ذكر بعد هذا (عن مسروق أنه قال: لأن أقضي يومًا واحدًا بحق وعدل أحب إليّ من سنة أغزوها في سبيل الله) وكان مسروق (^٥) ابتلي بالقضاء فذكر محاسنه، كما هو العادة المستمرة أن من ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لأن الجهاد أمر بالمعروف، وفي القضاء ذلك وإيصال الحق (^٦) إلى مستحقه ونصرة المظلوم وغير ذلك فكان نفعه أعم (^٧) من نفع الجهاد، وبقدر النفع تثبت الأفضلية.
ثم ذكر حديث (أبي هريرة ﵁ (^٨) قال: قال رسول الله ﷺ: "من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين [وفي رواية من قلّد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين]) (^٩) ورد

(^١) وفي س "بين الناس".
(^٢) وفي س "فهذا الحديث كالمرفوع إلى رسول الله ﷺ، لأنّ الوعيد في الآخرة لا يعرف بالرأي، إنما يعرف بالسماع من رسول الله ﷺ فصار كالمرفوع إلى رسول الله ﷺ، ففي الحديث دليل على أن الوعيد المذكور للقضاة يتناول الحكم أيضًا، وفائدة الحديثِ التحذيرُ عن طلب القضاء، فإنّه أشد ما يكون من الاستخفاف أن يكون غيره آخذ القضاء.
(^٣) وفي س "بعد قوله "إلى الله ﷿: من وجهين، منهم من يقول: لم يرد به حقيقة النظر وإنما أراد به أن ينظر أمر الله تعالى ليمتثل أمره، ومنهم من يقول: أراد به حقيقة النظر وهي الرؤية".
(^٤) زيادة من س.
(^٥) وكان في الأصلين "كان مسروقًا"؛ وفي س "ذكر مسروق محاسن القضاء لأنه ابتلى به، ومن ابتلى بشيء يذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة، وإنما .. إلخ".
(^٦) وفي س "وإظهار الحق".
(^٧) أيد في س "وما يكون أعم نفعًا كان أفضل - إلخ".
(^٨) كان في الأصلين "ابن حمزة" والصواب ما في س "ذكر عن أبي هريرة".
(^٩) زيادة من س.

1 / 8

الحديث محذرًا عن الدخول في القضاء، لأن الذبح بغير السكين أشد، ولأنّ الذبح بغير السكين لا يؤثر في الظاهر ويؤثّر في الباطن نحو الخنق والقتل بالحزن والغم، وكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر هلاكًا فإنّه جاه (^١) في الظاهر ويؤثر في الباطن لأنه هلاك في الباطن أعني به القضاء بغير حق.
ثم ذكر عن (الحارث النضري (^٢) قال: كانت بنو إسرائيل إذا استقضي الرجل منهم أويس (^٣) له من النبوة) ورد الحديث أيضًا للتحذير لأن وقوع اليأس عن النبوة التي عظمت درجتها وعلت رتبتها مسقطة، وهذا لأنّ الواحد من بني إسرائيل كان إذا فرغ نفسه للعبادة ستين سنة (^٤) نبّئ ويوحى إليه فعظم شأنه، فمتى اشتغل بالقضاء انقطع الطمع فيه (^٤).
ثم ذكر حديث (أبي قلابة أنه دُعي إلى القضاء فهرب حتى أتى الشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، فهرب حتى أتى اليمامة وقال: ما وجدت مثل القاضي إلَّا كمثل سابح في بحرٍ فكم عسى أن يسبح حتى يغرق) [وهذ لأنّ الغالب من حال السابح في البحر الهلاك والنجاة نادر، فكذا الغالب من حال الداخل في القضاء الهلاك، والنجاة نادر] (^٥) وكان هذا بلغ أبا حنيفة ﵁ حين قال (^٦) لأبي يوسف: أرأيت لو أمرتُ أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه [وفائدة الحديث ما قلنا] (^٥).
ثم ذكر (عن الحكم بن أيوب أنه كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمر (^٧): إن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء وما أملك (^٨) من الدنيا إلَّا حماري هذا ولو أرسل إليّ لركبته وهربت في الأرض) وفائدته أنه لا ينبغي للمرء أن يدخل في القضاء مختارًا.
ثم ذكر (عن شريح أنه قال إنما القضاء جَمْر (^٩)، فادفع الجمر (^٩) عنك بعودين يعني بشاهدين) وإنما قال ذلك لأن الخصمين متى جثيا بين يدي القاضى توجه الاحتراق عليه لأنه

(^١) وفي س "حياة".
(^٢) كذا في الأصلين، وفي س "البصري" والله أعلم من هو.
(^٣) كذا في الأصول وهو "أيس" بناء للمفعول من الناس، فالواو في الكتابة زائدة.
(^٤) مكان ما بين الرقمين في س "يرجى له النبوّة فإذا اشتغل بالقضاء انقطع طمعه فيها".
(^٥) بين المربعين زيادة من س.
(^٦) وفي س "فكان حديث أبي قلابة بلغ إلى أبي حنيفة حتى قال - إلخ".
(^٧) وفي س "عمرو".
(^٨) وفي س "ولا أملك".
(^٩) وفي س "جمرة" في الموضعين.

1 / 9

لا يعرف حقيقة الحال، فإن قضى بشهادة شاهدين دفع الاحتراق عن نفسه وإن خالف احترق في نفسه.
ثم ذكر حديث (أبي هريرة ﵁ (^١) والله لَيَرْمين الله القضاة يوم القيامة بشررٍ أعظم من هضاب حِسْمَى) "والشرر" هي النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ والمراد به النار، و"حسمى" اسم موضع، "والهضاب" تلال، جمع هضبة وهو اسم جبال صغار في حسمى وقيل "حِسمى" على ميزان "كسرى" وهو اسم جبل عظيم وهذا وإن قيل في تأويله أن المراد منه الجائر، لكنه بظاهره يتناول الكل (^٢).
ثم ذكر عن (عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلَّا من أمَّ العدل وقضى بالحق ولم يقض لهوىً ولا لقرابة ولا لرهبة ولا لرغبة، وجعل [كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه) والمراد من] (^٣) الديان الحاكم، ولهذا كان من صفات الله ﷿ (^٤) فكأنه يقول: ويل لحاكم أهل الأرض من الله ﷿ وهو القادر الديان على التمام. وقوله: "إلَّا من أمَّ العدل" أي قصده وقضى بالحق، قال (^٥) "وجعل كتاب الله ﷿ مرآة بين عينيه".
ثم ذكر (عن عمران بن حصين ﵁ أنه قضى على رجل بقضية، فقال: والله! لقد قضيت علي بجور وما آلوت فيه) يعني ما قصرت قال الله تعالى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني لا يقصرون في إفساد أموركم) فقال وكيف ذلك؟ قال: شهد علي بزور فقال عمران: ما قضيت عليك فهو من مالي، ووالله لا أجلس مجلسي هذا أبدًا) وإنما ضمن ذلك الملك على طريق التبرع لأنه لم يكن واجبًا عليه، وإنما قال "لا أجلس مجلسي هذا أبدًا" لأن القاضي إنما يعتمد على قول الشاهد ويبالغ في التأمل ليخلص عن ورطة الوبال ثم قد يقع مثل (^٦) هذا الحادثة فكان الأحوط الامتناع أصلًا (^٧) والله أعلم بالصواب.

(^١) وفي س "وذكر عن سيمان بن جنيد قال حدثني من سمع أبا هريرة ﵁ يقول: والله - إلخ".
(^٢) وفي س "لكن بظاهره يتناول القضاة العادل والجائر جميعًا، وفائدة الحديث ما قلنا".
(^٣) بين المربعين زيادة من س.
(^٤) وفي س "والمراد من ديان أهل الأرض: الحاكم، ومن ديان أهل السماء: هو الله تعالى".
(^٥) زيد في الأصلين "من الحديث" وليس الزيادة في س.
(^٦) كذا في الأصول، "في مثل".
(^٧) وفي س "فالصواب هو الامتناع".

1 / 10

باب الإكراه على القضاء
ذكر (عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل القضاء وُكِّل إلى نفسه، ومن أُجبر عليه نزل عليه ملك فيسدده").
ثم ذكر (عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من طلب القضاء وطلب عليه الشفعاء وكل إليه (^١) ومن أكره على القضاء وكل به ملك يسدده) قيل: إنما كان كذلك (^٢) لأنه متى طلب وسأل (^٣) فقد اعتمد على فقهه وورعه وذكائه، فصار معجبًا بنفسه (^٤) فَحُرم عن التوفيق وسلب التسديد، ومتى أجبر عليه فقد اعتمد على الله ﷿ فألهمه الله الصواب وسدده للرشاد، قال الله ﷿ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٥). وقوله "ملك يسدده" أي يهديه للصواب ويرشده للحق، قال رسول الله ﷺ إن الملك لينطق على لسان عمر أي يرشده ويسدده والله أعلم بالصواب.
باب الرخصة في القضاء
ذكر صاحب الكتاب (عن الحسن كان يقال "لأجر حكم عدل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة أو قال: ستين سنة") وكان من عادة الحسن أنه إذا روى عن واحد يقول "حدثني" وإذا روى عن جماعة يقول "كان يقال" ويكون ذلك رواية عن جماعة، قيل إن الحسن ابتلي بالقضاء، ومن ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لما ذكرنا أنه كان بنو إسرائيل متى فرغ الرجل منهم نفسه للعبادة ستين سنة يرجى له النبوة ويعظم شأنه، وفي زماننا وقع اليأس عن النبوة فجعل الرسول ﵊ فضيلة القضاء بحق وعدلٍ مواز بالعبادة ستين سنة، بل أفضل لما ذكرنا عن الحسن ولما ذكرنا أن القضاء بحق أفضل من الجهاد والجهاد أفضل من التخلي لنقل العبادة، فما كان مقدمًا على الجهاد يكون أفضل بطريق الأولى (^٦).

(^١) وفي س "وكل إلى نفسه".
(^٢) و(^٣) وفي س "لأن من سأل القضاء".
(^٤) وفي س بعد قوله "بنفسه" إلى آخر الباب العبارة هكذا: "فلا يلهم الرشد ويحرم التوفيق، فمحال أن يشتغل المرء بالتماس ما لو ناله وكل إلى نفسه، وأما من أكره على القضاء فقد اعتصم بحبل الله تعالى وتوكل على الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فيلهم الرشد ويوفق للصواب، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الملك لينطق على لسان عمر - يعني يوفقه للصواب".
(^٥) آية رقم ٣ من سورة الطلاق.
(^٦) كذا في ص ٢ م ٢. والصواب "بالطريق الأولى". وفي س "ولأن قد ذكرنا من قبل أن القضاء يحق أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى، والجهاد في سبيل الله أفضل من التخلّي لنفل العبادة، فلأن يكون القضاء يحق أفضل للتخلي لنفل العبادة أولى".

1 / 11

ثم قال الحسن (نعم إنه يُدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين خيرًا) (^١) وهذا صحيح (^٢) لأن بالعدل يُمطَرون وبالجور يُقحَطونَ فتكون منفعة العدل عائدة على جميع المسلمين.
ثم ذكر (عن أبي عبيدة قال: إن الحكم العدل ليسكن (^٣) الأصوات عن الله ﷿، وإن الحكم الجائر ليكثر منه الشكاة (^٤) إلى الله ﷿ وهذا صحيح (^٥) لأنه متى قضى بالعدل رجع الخصمان غير شاكين، أما المحكوم له فلا إشكال، وكذا المحكوم عليه لا يشكو لعلمه أن الشكاية لا تنفعه لأنها بغير حق؛ وإن كان القضاء بجور رجعا شاكيين، أما المحكوم عليه فلا إشكال، وكذا المحكوم له لأنه يعلم أنه وقع في الحرام ولا يأمن أن يبتلى بحاكم جائر يحكم عليه كما حكم له هذا بالجور فيوجد الشكاية منهما.
ثم ذكر (عن الحسن أيضًا قال: إن الله ﷿ أخذ على الحكام ثلاثًا: أن لا يتبعوا الهوى) وهذا ليس من قبيل ما يعلمه الحسن (^٦) من تلقاء نفسه فإنما قاله سماعًا عن رسول الله ﷺ أو رآه في كتب الأمم الماضية فإنه كان ينظر فيها ويخبر بذلك، وفي الحديث دليل أن نفس الهوى ليس بحرام، إنما اتباعه حرام لأنه هو المأخوذ، وهذا لأن المرأه إنما يكلف الإمتناع عما يمكنه الإمتناع عنه، ووقوع الهوى في قلب الحاكم إذا جثا الخصمان في مجلسه غير ممكن دفعه فلا يدخل تحت التكليف، والحديث موافق للكتاب، قال الله (^٧) ﷿ ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، قال: وأن تخشوه ولا تخشوا الناس؛ وهو موافق للكتاب وهو قوله ﷿ ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال رسول الله ﷺ "من خاف الله تعالى خافه كل شي (^٨) ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء (^٩) "؛ وهذا لأنه متى خاف الناس أسخط الله ﷿

(^١) حرف "ثم" من س.
(^٢) و(^٣) بين الرقمين في س "وإنما كان ذلك".
(^٤) في س "يسكن".
(^٥) في س "يكثر الشكاية".
(^٦) وفي س "وهذا ليس إلى الحسين علمه".
(^٧) و(^٨) مكان ما بين الرقمين وفي س "فيه دليل على أن المنهى اتباع الهوى لا نفس الهوى، وهذا لأن الإنسان يخاطب بالامتناع عما في وسعه، ونفس الهدى ليس في وسعه الامتناع عنه، فإنه إذا حتى الخصمان بين يديه لابد وأن يقع في قلبه إنه ينبغي أن يكون المال لهذا أو لهذا لكن هذا لا يمكن التحرز عنه فلا يخاطب بالامتناع عنه، إنما يخاطب بما في وسعه وهو الامتناع من اتباع الهوى، قال الله تعالى - إلخ".
(^٩) وفي السعيدية "خاف منه كل شيء".

1 / 12

لأنه لا يمكنه الجمع بين رضا الله ﷿ وخوف الناس، ومتى خاف الله ﷿ حصل رضا الله تعالى ورضا الناس ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أراد به الرشوة قال الله ﷿ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قيل: والله أعلم السحت هو الرشوة، وهذا لأنه يأخذ الرشوة إما ليقضي بالجور، أو ليكف عن الظلم، الأول حرام، والثاني واجب عليه بدون أخذ الرشوة، فكانت الرشوة حرامًا على كل حال.
قال صاحب الكتاب (وقد جاء في كراهية القضاء وفي الدخول فيه من الأحاديث غير هذا، وقد (^١) دخل في القضاء قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أمثل وأصلح وأسلم في الدين والدنيا لما ذكرنا من الفقه في صدر الكتاب (^١) قال ﵀ (هذا إذا كان في البلدة قوم يصلحون للقضاء غيره، أما إذا لم يكن هناك من يصلح للقضاء سواه فإنه يأثم بالإمتناع عن القضاء) لأنه تعين له ليحفظ أحكام الله ﷿ (ثم إذا كان في البلدة جماعة يصلحون للقضاء فامتنعوا جميعًا وإن كان السلطان يتولّى فصل الأحكام بنفسه فلا بأس لهم بالإمتناع) لأنه لا يضيع أحكام الله تعالى (فإن كان السلطان ليس ممن يتولى الأحكام بنفسه أثم الجميع بالإمتناع) لأن امتناعهم أدى إلى ضياع أحكام الله ﷿ (ولو امتنعوا حتى ولي الجاهل فإنّهم يأثمون) لأن امتناعهم كان سببًا لذلك (^٢) والله أعلم.
باب اجتهاد الرأي في القضاء
(عن ابن بريدة (^٣) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم فقضى بما علم فهو في الجنة) وهذا صحيح لأنَّه أظهر الحق بعلمه وأنصف المظلوم من خصمه فاستحق الجنة (^٤)، ثم تكلموا في أن مثل هذا القاضي هل يطلق عليه اسم خليفة الله ﷿، والأكثرون على أنه يسمى خليفة رسول الله ﷺ ووارثة، ولا يسمى خليفة الله لأن هذا الاسم اختص به الأنبياء صلوات الله عليهم (ورجل جهل وقضى بالجهل (^٥) فهو في النار) وهذا لأنه جازف وتخبط فيما يصنع (^١) والجازف مذموم أخطأ أو أصاب (رجل علم فقضي بغير ما علم فهو في النار) لأنه كابد

(^١) بين المربعين زيادة من س.
(^٢) وفي س "لأنه يؤدّي إلى تضييع أحكام الله تعالى فلا يحل لهم السكوت".
(^٣) وكان من مهام "عن أبي زيدة" وفي س "أبي بريدة" والصواب "ابن بريدة" وهو إما عبد الله أو سليمان، وعلى الأول صرح بعض شراح سنن أبي داود.
(^٤) وفي س "فهو في الجنة".
(^٥) وفي س "بجهله".

1 / 13

الحق وأقدم على الظلم عن بصيرة (^١) فكان في النار (^٢).
وذكر (عن ابن بريدة (^٣) أيضًا عن أبيه عن رسول الله ﷺ: "القضاة ثلاثة) وذكر الحديث وزاد فيه (وقاضٍ قضى بغير علم واستحيا (^٤) أن يسأل فهو في النار") وهذا لأن القاضي متى جهل الحكم وجب عليه أن يسأل الناس ولا يستحي، ويقول فيما لا يدري لا أدري"، كما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سئل عن مسألة فقال: لا أدري! ثم قال في نفسه بخ بخ لابن عمر سئل فلم يدر فقال "لا أدري". وإذا كان السؤال واجبًا عليه فإذا لم يسأل فقد ترك الواجب فكان في النار.
وذكر (عن علي ﵁ أنه قال: "الحكام ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل اجتهد (^٥) فأخطأ فهو في النار ورجل ترك الحق عيانًا وهو يراه فهو في النار) ورجل حكم فاجتهد فأصاب فهو في الجنة (^٦). أفاد هذا الحديث ما أفادنا الحديث الأول، لكن فيه إشكال فإنّه قال "رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار" وقد صحّ مرفوعًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" فلابد من التوفيق بين الحديثين، ووجهه من وجهين، أحدهما أن المراد في الحديث المرفوع إذا كان من أهل الاجتهاد، والمراد في حديث علي ﵁ إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، وقد روي عن علي ﵁ أنه قال في تفسيره: هو الحروري اجتهد فأخطأ فهو في النار والحرورية قوم لا يستنون بسنّة رسول الله ﷺ، ولا يجاوز عملهم ما في كتاب الله ﷿ حتى لم يقولوا برجم الزاني المحصن (^٧) ولا بتقدير نصاب السرقة ونحو ذلك مما لم ينطق به الكتاب العزيز والوجه الثاني للتوفيق أن يكون المراد في الحديث المرفوع الاجتهاد في محل الاجتهاد، وفي حديث علي ﵁ الاجتهاد لا في محل الاجتهاد، وذلك بأن كان محل نص فإن الاجتهاد فيه غير مصوغ، والدليل عليه ما روي عن الحسن البصري ﵁ أنه دخل على إياس بن معاوية بعد ما قلّد القضاء فوجده باكيًا حزينًا فقال له الحسن: ما أصابك؟ قال: أتفكر في قول علي ﵁ حيث قال "إن اجتهد فأخطأ فهو في النار"!

(^١) وفي س "وأقدم على النار عن بصيرة".
(^٢) و(^٣) ليس في س.
(^٤) وفي س "فاستحيا".
(^٥) وفي س "رجل حكم فاجتهد".
(^٦) بين المربعين زيادة من س، وسقط من ص، م.
(^٧) وفي س "والحروريون قوم من الخوارج لا يأخذون بسنة رسول الله ﷺ ويقولون ما وجدنا في كتاب الله تعالى نعمل به، وما لم نجد في كتاب الله لا نعمل به، ولهذا لا يرون الرجم ونصاب السرقة".

1 / 14

فتلا عليه الحسن قول الله ﷿ ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^١) بين الحسن أنهما اجتهدا وأصاب سليمان ثم مدحهما الله ﷿ فكان المراد من قول علي ﵁ من لم يكن من أهل الاجتهاد وفي محل ليس هو محل للاجتهاد والله أعلم.
ثم ذكر (عن قتادة (^٢) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لا ينبغي للقاضي أن يقضي حتى يتبين له الحق كما يتبيّن الليل من النهار؛ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فقال: صدق أبو موسى) وإنما قال ذلك لأن رسول الله ﷺ أخذ على الشاهد ذلك فإنّه قال "إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع (^٣) ومتى كان هذا مأخوذًا على الشاهد فعلى القاضي أولى، لأن القضاء في كونه حجة فوق الشهادة فإن الشهادة لا تكون حجة بنفسها بل بانضمام القضاء إليها، ولا كذلك القضاء فإنه حجة بنفسه، فاشتراط ما ذكرنا على الشاهد تنبيه على اشتراطه على القاضي بطريق الأولى (^٤). ولكن هذا في محل النص لأنّ النص دليل مقطوع به فيظهر به الحق كظهور الليل من النهار، فأما في محل الاجتهاد فلا يكون كذلك لأن الاجتهاد لا يوصل إلى الحق لا محالة، فإن المجتهد يخطئ ويصيب.
ثم ذكر (عن الشعبي قال له رجل: اقض بيننا بما آراك الله! فقال الشعبي: لست تراني قاضيًا) قوله "بما آراك الله (^٥)، بما علّمك الله وهداك، وأمرك الله تعالى أمره بالقضاء بالحق (^٦). وقول الشعبي "لست تراني قاضيًا فتكلّموا فيه من ثلاثة أوجه (^٧)، قال بعضهم: إنك تراني من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم لا مُحالة وهم الأنبياء، ولست كذلك فإنّي قاضٍ أُخطئ وأصيب، فأنت بهذا القول لا تراني قاضيًا بل نبيًا. وقال بعضهم معناه: لست تراني قاضيًا لك لأنك تطلب مني ما لا طريق لي إليه (^٨) وهو إصابة الحق لا محالة بالاجتهاد. وقيل معناه لست تراني قاضيًا بعد هذا فإني لا أجلس مجلس القضاء بعد

(^١) آية رقم ٧٨ - ٧٩ من سورة الأنبياء.
(^٢) وكان في الأصلين إلى قتادة والصواب قتادة على ما في السعيدية.
(^٣) وفي س وداود ﵇ كان مجتهدًا وسليمان ﵇ اجتهد فأصاب وقد مدحهما الله تعالى بقوله ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فبين له الحسن بهذا إنما قال علي ﵁ فيمن لم يكن من أهل الاجتهاد أو اجتهد في غير محل الاجتهاد هذا هو التوفيق بين الحديثين.
(^٤) و(^٥) بين الرقمين وفي س "وولاية القضاء فوق ولاية الشهادة، لأن القضاء ملزم بنفسه والشهادة غير ملزمة بنفسها حتى ينضم إليه القضاء، فإذا أخذ هذا على الشاهد كان على القاضي بطريق الأولى".
(^٦) ما بين المربعين زيادة من س.
(^٧) وفي س "تكلموا فيه على ثلاثة أوجه".
(^٨) وفي س "إلى التوصل إليه".

1 / 15

هذا، لأني ما علمت أن الخصوم يطلبون مني ما ليس في وسعي وذلك إصابة الحق بالاجتهاد لا محالة (^١).
ثم ذكر (عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد (^٢) فأخطأ فله أجر واحد) وهذا دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب فإن أصاب فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر إظهار الحق، وإن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، لكن هذا إذا اجتهد في محل الاجتهاد بأن لم يكن هناك نص، فأما إذا كان المحل ليس بمحل الاجتهاد بأن كان هناك نص فأنه لا يثاب، وهو كالاجتهاد في القِبلة إن كان في محل الاجتهاد بأن لم يكن هناك علامات من محاريب وغير ذلك يجوز ويثاب أخطأ أو أصاب، فإن لم يكن محل الاجتهاد بأن كان هناك علامات من المحاريب وغير ذلك لا يثاب على الخطأ. وذكر بعد هذا حديث أبي هريرة وأنه يفيد مثل ما أفاد حديث عبد الله بن عمر.
ثم ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى بقضاء فقال له رجل: هذا والله الحق! فسكت عمر وعاد إلى القضاء فعاد الرجل إلى ذلك القول، فسكت عمر، وعاد إلى القضاء فعاد الرجل إلى ذلك القول، فقال عمر: ما يدريك؟ والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ، ولكنه لا يأْلَ في هذا دليل أن المجتهد يخطئ ويصيب، وأفاد أيضًا أن من سمع كلامًا في غير محله لا ينبغي أن يرده في المرة الأولى، لأن المرة الواحدة قد تجري سهوًا أو غفلة، فإذا تكرر علم أنه عن قصد فيرد عليه وقول عمر ﵁ لا يَأْل يعني لا يقصر (^٣).
ثم ذكر (عن شريح أنه قضى بقضية فقال له رجل: والله! لقد قضيت عليّ بغير الحق، فقال له (^٤) شريح: والله ما أنا بالشاق الشعرة شعرتين) يعني لست من المجتهدين الذين، يصيبون الحق بالاجتهاد (^٥) لا محالة فإني لا أقدر عليه كما لا أقدر على شق الشعرة شعرتين، لكني اعتمد على قول الشهود وأعمل بالظاهر (^٦) فبعد ذلك لا يضرني قولك "قضيت عليّ بغير

(^١) زادت س "وفائدة الحديث أن المجتهد يخطئ ويصيب".
(^٢) وفي س "واجتهد".
(^٣) من م فقط.
(^٤) لفظ له ساقط من الأصفية والسعيدية.
(^٥) وفي ص "باجتهاد" وفي س "باجتهادهم".
(^٦) وفي س "ولكنى إنما علي أن أعتمد البيّنة وأقضي بها وأتيت بما أمرت به".

1 / 16

الحق "فيه دليل أن القاضي ينبغي أن يحلم عن الخصوم ويتحمل منهم مثل هذه الكلمات (^١) كما فعله شريح ولم يضجر ولم يغضب، وهكذا ينبغي للمفتي مع المستفتي (^٢).
ثم ذكر (عن ابن سيرين قال قال عمر بن الخطاب ﵁: إني قضيت في الحد (^٣) بقضايا مختلفة كل ذلك لا آلُ فيه عن الخير) أنّ المجتهد يخطئ ويصيب، وفيه دليل أيضًا فيه دليل على أن ما ثبت بالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد فإنّ عمر ﵁ لم ينقض شيئًا من قضاياه في الحد حين تغير اجتهاده والله أعلم.
قال (أبو بكر أحمد بن عمرو الخصاف) صاحب الكتاب ﵀ (ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله ﷿ من الأحكام التي لم تنسخ) لأنّ الكتاب إمام المتقين وإمام كل دليل (فإن لم يجده في الكتاب قضى بما جاء عن رسول الله ﷺ) فإنا أمرنا باتّباعه بقول الله ﷿ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (فإن لم يجد نص جاء عن رسول الله ﷺ قضى فيه بما اجتمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين) لأنّ ذلك سبيل المؤمنين وواجب سلوكه، قال رسول الله ﷺ: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (^٤) بعدي عضّوا عليها بالنواجذ (فإن لم يجتمعوا على شيء لكنهم اختلفوا فيه والقاضي من أهل الاجتهاد رجح قول البعض على البعض فأخذ بما هو الأقرب إلى الصواب عنده) قال رسول الله ﷺ (^٥) أصحابي كالنجوم بأيهم (^٦) اقتديتم اهتديتم (فإن لم يجد عن الصحابة شيئًا أخذ بما اجتمع عليه التابعون ﵏ لأن إجماع أهل كل عصر حجة لأنّه سبيل المؤمنين (فإن اختلفوا والقاضي من أهل الاجتهاد رجح قول البعض وأخذ بالأليق بالصواب والأقرب إلى الحق، فإن لم يجد عن التابعين شيئًا وهو من أهل الاجتهاد قاس الحادثة على نظيرها وردها إلى ما يشابهها، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد في جميع ذلك استفتى وسأل وأخذ بما يفتى به، ولا يقضي بغير علم (^٧) ولا يستحي عن السؤال) فيدخل في موجب

(^١) وفي س "وفيه دليل على أنه ينبغي للقاضي أن يحلم عن الخصوم ولا يضجر أن يسمع مثل هذا الكلام".
(^٢) وفي س "وهكذا ينبغي للمفتي أن يحلم مع المستفتي في مثل هذا الخطاب ولا يضجر إذا سمع مثل هذا الكلام".
(^٣) وفي س "في الحد" بالجيم وفي النسختين بالحاء، ولكل وجه والأظهر "الجد".
(^٤) من س [إن المجتهد يخطئ ويصيب وفيه دليل أيضًا] أ. هـ.
(^٥) وفي س "هذا إذا كان بينهم إجماعٌ فإن كان بينهم اختلاف فإن كان القاضي من أهل التمييز والنظر ميّز بين أقاويلهم ورجح قول البعض على البعض ونظر إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى الصواب وأحسنها عنده وقضى به كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال .. إلخ".
(^٦) وفي س "فبأيهم".
(^٧) زيادة من س.

1 / 17

الحديث الذي تقدم ذكره في وعيد من قضى بغير علم واستحى أن يسأل الناس.
قال ﵀ (ثم لابد من معرفة المذهب في ثلاثة فصول: الأول تقليد أفعال الصحابة رضوان الله عليهم وأقوالهم، والثاني تقليد أفعال التابعين ﵏ وأقوالهم، والثالث الاجتهاد والنظر) أما الأول فحاصل ما نقل فيه عن أبي حنيفة ﵁ ثلاث روايات: الأولى قال: أقلّد منهم من كان من القضاة المفتين ولا أستجيز خلافه، كأبي بكر وعمر رضوان الله عليهما لقول رسول الله ﷺ "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وهما كانا من القضاة المفتين فكل من كان في مثل حالهما أوجبت اتّباعه نحو عثمان وعلي والعبادلة وزيد بن ثابت (^١) ومعاذ بن جبل وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين فعلى هذه الرواية خرج جماعة منهم البراء بن عازب (^١) وأسامة بن زيد (^١) وأبو أمامة (^١) وسهل بن سعد الساعدي وأبو حميد الساعدي (^١) ومن شاكلهم والرواية الثانية قال: أقلّد كل صحابي فيما بلغني عنه ولا أستجيز خلافه إلَّا ثلاثة: أبو هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب ﵃؛ فقيل له في ذلك، فقال: أما أنس فبلغني أنه اختلّ (^٢) عقله في آخر عمره وكان يستفتي (^٣) علقمة وأنا لا أقلّد علقمة فكيف أقلّد من يقلد علقمة! وأما أبو هريرة فكان يكثر الرواية من غير تأمل ولا يميّز بين ناسخ ومنسوخ، وأما سمرة بن جندب فقد بلغني عنه أمر ساءني؛ قيل: الذي (^٤) بلغه أنّه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر، فلم ير تقليد هؤلاء فيما رأوه واجتهدوا فيه، لكنه يوجب اتباعهم فيما رووه ونقلوه عن رسول الله ﷺ لأنهم ثقات عدول. والرواية الثالثة قال: أقلد كل صحابي ولا أجيز خلافه (^٥)؛ وهو ظاهر المذهب وذلك لأن ما قاله الصحابي لا يعدو أحد أقسام ثلاثة إما أن يكون قاله سماعًا أو اجتهادًا أو جزافًا، فالأول يجب الانقياد له، والثالث لا يظن به، والأوسط يجب الانقياد له أيضًا لأنهم يوفقون للصواب في اجتهادهم ما لا يوفق غيرهم (^٦) لما نالوه من صحبة رسول الله ﷺ.

(^١) ساقط من س.
(^٢) وفي س اختلط.
(^٣) زيد في س "من".
(^٤) وفي س "والذي".
(^٥) وفي س "والثالث قال ما بلغني من الصحابة وأفتى به فأقلده ولا أستجيز خلافه يعني أقلّد جميع الصحابة".
(^٦) وتعبير س: "وهذا لأنه لا يخلو إما أن قالوا ذلك جزافًا أو سماعًا أو اجتهادًا ولا يظن بهم أنهم قالوا جزافًا، فإن كان سماعًا لزم كل واحد منهم الانقياد له، وإن كان اجتهادًا فاجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم لأنهم يوفقون للصواب ما لا يوفق غيرهم لذلك".

1 / 18

أما الفصل الثاني
وهو تقليد التابعين رحمة الله عليهم فعن أبي حنيفة ﵁ فيه روايتان في رواية قال: لا أقلّدهم هم رجال اجتهدوا ونحن رجال نجتهد؛ وهو الظاهر من المذهب، والثانية ذكر في النوادر قال: من أدرك منهم زمن الصحابة رضوان الله عليهم وأفتى فيه وسوغوا له ذلك كشريح والحسن ومسروق بن الأجدع أقلده ولا أستجيز مخالفته، وذلك لأنه لما أفتى في زمن الصحابة وسوغوا له ذلك صار كواحد منهم فكان حكمه كحكمهم؛ فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الجواب عن قول من يقول: لماذا أورد أبو حنيفة ﵁ قول التابعين في كتبه؟ لأنّه على هذه الرواية يرى تقليدهم، وأما على الرواية الأولى وهي ظاهر المذهب فنقول: لم يورد أقوالهم محتجًا بها بل مثبتًا أني لم أستبد بهذا القول بل قد سبقني إليه غيري، فكنت في هذا الاجتهاد متبعًا لا مخترعًا.
أما الفصل الثالث
وهو الاجتهاد فلابد من تفسيره ومعرفة أهليته، أما تفسيره فهو بذل المجهود في طلب المقصود، وأما أهليّته قال بعضهم: من كان صاحب حديث وله علم بالفقه والمعنى فهو من أهل الاجتهاد، وقال بعضهم صاحب فقهٍ وله علم بالحديث، وقال بعضهم: هذا وأن يكون صاحب قريحة يعلم عادات الناس ويعرف عرفهم لأنّ القياس قد يترك للعرف (^١) ألا ترى كيف جوزنا الاستصناع بالعرف وإن كان القياس يأبى جوازه! وقال بعضهم (^٢): إذا كان يحفظ "المبسوط" يعني مبسوط محمَّد رحمة الله عليه، ويعلم مذاهب المتقدمين فهو من أهل الاجتهاد.
قال ﵀ (ثم لابد من معرفة المذهب في فصلين، أما الأول ما اتفق عليه أصحابنا، والثاني ما اختلفوا فيه) أما الأول إذا اتفق أصحابنا على شيء فيهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵃ فلا يجوز للقاضي خلافهم سواء كان من أهل الاجتهاد أو لم يكن، لأنّ الحق لا يعدوهم غالبًا لما اجتمع لهم من طرق الاجتهاد، أما أبو يوسف رحمة الله عليه فكان من أصحاب الحديث حتى أنه كان يحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، فإذا كان هذا حفظه في المنسوخ فما ظنك في حفظه في الناسخ! وكان له علم بالفقه والمعنى أيضًا وأما محمَّد ﵀ (^٣) فكان ذو فقه ومعنى (^٤) وكان مقدمًا في علم

(^١) وفي س "لأن العرف قد يغلب على القياس".
(^٢) وفي س "وقال الشيخ الإِمام شمس الأئمة أبو بكر محمَّد بن أبي سهل السرخسي ﵀".
(^٣) و(^٤) وفي س "فكان صاحب قريحة وكان صاحب فقه ومعنى، ولهذا أقل رجوعه في المسائل".

1 / 19

اللغة والإعراب، وكان له علم بالحديث أيضًا، وأما أبو حنيفة رحمة الله عليه فكان مقدمًا في جميع ذلك لكن قلَّت روايته للحديث لتفرده بمذهب اختص به فيه، وهو أنه يحب (^١) أن يحفظ الحديث من حين سمع إلى حين يروي، وأما إذا اختلفوا فيما بينهم قال عبد الله بن المبارك ﵀: يجب الأخذ بقول أبي حنيفة ﵁ لأنه أفتى في زمن التابعين فالظاهر أنه يوفق للصواب ما لا يوفق غيره، وقال بعضهم (^٢): إذا اجتمع منهم اثنان فيهما أبو حنيفة ﵁ يجب الأخذ بقولهما، وإن كان أبو حنيفة ﵁ في جانب وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله في جانب فإن كان القاضي من أهل الاجتهاد يرجح (^٣) قول البعض على البعض فيأخذ بما هو الأقرب (^٤) إلى الصواب عنده، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد استفتى وسأل فأخذ بما يفتي به المفتي والله أعلم.
قال (وإذا كان في العصر قوم من أهل الفقه شاورهم) لأن رسول الله ﷺ أُمِرَ بالمشورة، قال الله (^٥) ﷿ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ والقاضي لا يكون أفطن من رسول الله (^٦) ﷺ، ولأن المشورة تلقيح للعقول وعندها يكون أقرب إلى الإصابة (فإن اتفقوا على شيء وكان رأي القاضي مثل رأيهم فصل الحكم به، وإن اختلفوا والقاضي من أهل الاجتهاد نظر في أقوالهم ورجح البعض على البعض فأخذ بما هو الأقرب إلى الصواب عنده، ولا يعتبر بكبر السن ولا بكثرة العدد) وذلك لأنّ الأصغر سنًا قد يوفق للصواب في حادثة ما لا يوفق الأكبر (^٧)، وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان (^٨) يشاور عبد الله بن عباس ﵄ وكان يقول له "غص يا غواص" فإذا أصاب كان يقول له شنشنة أعرفها من أخزم" وهذا مثل يذكر العرب لمن يشبه أباه وكان يأخذ بقوله وعمر كان أكبر سنًا من عبد الله (وكذلك لا يعتبر لكثرة العدد لأن الواحد قد يوفق للصواب ما لا توفقه الجماعة، ولذلك إذا شهد الواحد برؤية هلال رمضان والسماء متغيّمة يقبل قوله "ويجب العمل عليه

(^١) كذا في ص، م؛ والظاهر أن الصواب "يوجب" وفي س "وهو أنه إنما يحل رواية الحديث إذا كان يحفظ الحديث من حين يسمع إلى أن يروى .. إلخ".
(^٢) وفي س "وقال المتأخرون من أصحابنا".
(^٣) كذا في الأصل، وفي س "فإن القاضي من أهل الاجتهاد والنظر يتخير في ذلك".
(^٤) وفي س "فيأخذ بقوله بمنزلة القاضي".
(^٥) وفي ص "يقول الله" وفي س "بقوله".
(^٦) وفي س "والقاضي لا يكون. انظر في نفسه من الرسول".
(^٧) زيادة من س.
(^٨) وفي س "ألا ترى أن عمر كان .. إلخ".

1 / 20

(فإن اتفق فقهاء العصر على شيء والقاضي يرى خلاف ذلك فينبغي أن لا يعجل في القضاء ويكتب إلى فقهاء مصر آخر يشاورهم في ذلك) لأن مشورة الغائب بالكتاب بمنزلة مشورة الحاضر بالخطاب، ولهذا كان عمر ﵁ يكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ بأشياء وكان أبو موسى ﵁ يكتب إليه يشاوره في الحوادث (فإذا كتب إليهم فإن وافق رأيهم رأيه حكم بذلك، وإن خالفه حكم برأي نفسه) لأن رأيه صواب عنده، ورأي غيره خطأ عنده، والحكم بما يراه صوابًا واجب (^١)، قال (فإن اشتبه على القاضي شيء فسأل فقيهًا واحدًا فأفتاه بشيء إن لم يكن (^٢) القاضي من أهل الرأي عمل على فتوى الفقيه) لأنه عامي ووجب على العامي تقليد الفقهاء (وإن كان القاضي من أهل الرأي وخالف رأيه رأي الفقيه حكم برأي نفسه) لأنّ (^٣) رأيه صواب عنده ورأي غيره خطأ عنده، لكن إنما أمر بالمشورة في الابتداء رجاء أن ينضم رأي غيره إلى رأيه، فإذا لم ينضم عمل على رأي نفسه (فإن حكم برأي الفقيه وترك رأي نفسه. قال أبو حنيفة ﵁: ينفذ قضاؤه، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا ينفذ) حتى لو صارت الحادثة معلومة للسلطان كان له أن ينقض ذلك القضاء الذي [أمضى] (^٤) وجه قولهما أن يرى رأي غيره خطأً ورأي نفسه صوابًا فقد قضى بما يراه خطأً فلا ينفذ قضاؤه، كمن تحرّى إلى جهة ثم تركها وصلّى إلى جهة أخرى تحرى إليها غيره لا يجوز (^٥)، وكذلك من أودع رجلًا مالًا ونسي فليس للمودع أن يضع الزكاة فيه لأنه يعلم أنه غني، ولو وضع غير المودع فيه الزكاة يجوز لأنّه لا يعلمه غنيًا، وكذلك من افتتح الصلاة وعليه صلوات حديثة قد نسيها الآن فاقتدى به رجل يعلم أنّ عليه صلوات حديثة لا يجوز اقتداؤه لأنّ المقتدي يرى الإِمام على الخطأ، كذلك هنا إذا كان يرى رأي غيره خطأً لا يجوز له الحكم به بحال (^٦)؛ وأبو حنيفة ﵁ يقول: حكم في محل (^٧) الاجتهاد فينفذ حكمه ولا إشكال فيه، لأنّ المجتهد لا يقطع على كون الحق في قوله والخطأ في قول صاحبه، فكان المحل محل الاجتهاد فينفذ القضاء؛ هذا إذا كان للقاضي رأي، وقت القضاء، أما إذا لم يكن له رأي وقت القضاء فحكم برأي الفقيه ثم حدث له رأي

(^١) وفي س "ورأى غيره ليس بصواب عنده فيقضي بما عنده لا بما عند غيره".
(^٢) وفي س "فإذا أشكل على القاضي شيء فشاور في ذلك رجلًا واحدًا ففيها فهذا على وجهين، إن لم يكن - إلخ".
(^٣) وفي م "لأنه".
(^٤) بين المربعين زيادة من س.
(^٥) وفي س "إلى جهة أخرى بتحري غيره لا يجوز وإن أصاب الكعبة".
(^٦) و(^٧) ما بين الرقمين ساقط من س.

1 / 21