إلى أن قمت صار في هذا وحشة وعدم إلفة، لكن تحدث ولو بكلام ليس خيرًا في نفسه ولكن من أجل إدخال السرور على جلسائك، فإن هذا خير لغيره.
" أو لِيَصْمُتْ" أي يسكت.
"وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ" أي جاره في البيت، والظاهر أنه يشمل حتى جاره في المتجر كجارك في الدكان مثلًا، لكن هو في الأول أظهر أي الجار في البيت، وكلما قرب الجار منك كان حقه أعظم.
وأطلق النبي ﷺ الإكرام فقال: "فليُكْرِم جَارَهُ" ولم يقل مثلًا بإعطاء الدراهم أو الصدقة أو اللباس أو ما أشبه هذا، وكل شيء يأتي مطلقًا في الشريعة فإنه يرجع فيه إلى العرف، وفي المنظومة الفقهية:
وكلُّ ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف أحدد
فالإكرام إذًا ليس معينًا بل ما عدّه الناس إكرامًا، ويختلف من جار إلى آخر، فجارك الفقير ربما يكون إكرامه برغيف خبز، وجارك الغني لايكفي هذا في إكرامه، وجارك الوضيع ربما يكتفي بأدنى شيء في إكرامه، وجارك الشريف يحتاج إلى أكثر
والجار: هل هو الملاصق، أو المشارك في السوق، أو المقابل أو ماذا؟
هذا أيضًا يرجع فيه إلى العرف، لكن قد ورد أن الجار أربعون دارًا من كل جانب (١)، وهذا في الوقت الحاضر صعب جدًا.
في عهد النبي ﷺ أربعون دارًا مساحتهم قليلة، لكن في عهدنا أربعون دارًا قرية، فإذا قلنا إن الجار أربعون دارًا والبيوت قصور صار فيها صعوبة، ولهذا نقول: إن صح الحديث فهو مُنَزَّل على الحال في عهد النبي ﷺ، وإن لم يصح رجعنا إلى العرف.
(١) - أخرجه البخاري في الأدب المفرد - (١/٥١)، حديث (١٠٩)، والبيهقي في سننه الكبرى - (ج٦/ ص١٧٦)، حديث (١٢٣٩١)