فالجواب: أن كل إنسان يخاطب بما تقتضيه حاله، فكأن النبي ﷺ عرف من هذا الرجل أنه غضوب فأوصاه بذلك.
مثال آخر: رجل أتى إليك وقال: أوصني، وأنت تعرف أن هذا الرجل يصاحب الأشرار، فيصح أن تقول: أوصيك أن لاتصاحب الأشرار، لأن المقام يقتضيه.
ورجل آخر جاء يقول: أوصني، وأنت تعرف أن هذا الرجل يسيء العشرة إلى أهله، فتقول له: أحسن العشرة مع أهلك.
فهذه القاعدة التي ذكرناها يدل عليها جواب النبي ﷺ، أي أن يوصى الإنسان بما تقتضيه حاله لا بأعلى ما يوصى به، لأن أعلى ما يوصى به غير هذا.
. ٣النهي عن الغضب، لقوله: "لاَ تَغْضَبْ" لأن الغضب يحصل فيه مفاسد عظيمة إذا نفذ الإنسان مقتضاه، فكم من إنسان غضب فطلّق فجاء يسأل، وكم من إنسان غضب فقال: والله لا أكلم فلانًا فندم وجاء يسأل.
فإن قال قائل: إذا وجد سبب الغضب، وغضبَ الإنسان فماذا يصنع؟
نقول: هناك دواء - والحمد لله - لفظي وفعلي.
أما الدواء اللفظي: إذا أحس بالغضب فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لأن النبي ﷺ رأى رجلًا قد غضب غضبًا شديدًا فقال: "إِنِّي أَعلَمُ كَلِمَةً لوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَايَجِد - يعني الغضب - لَوقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ" (١) .
وأما الدواء الفعلي: إذا كان قائمًا فليجلس، وإذا كان جالسًا فليضطّجع، لأن تغير حاله الظاهر يوجب تغير حاله الباطن، فإن لم يفد فليتوضّأ، لأن اشتغاله بالوضوء ينسيه الغضب، ولأن الوضوء يطفئ حرارة الغضب.
(١) أخرجه البخاري كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، (٣٢٨٢)، ومسلم - كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، (٢٦١٠)، (١٠٩)