ويخافون عذابه﴾ [الإسراء: ٥٧]، فلابد أن تقوم العبادة على هذه الأصول.
والصوفية -بعضُهم أو كثيرٌ منهم- يبالغون في تعظيم مقام المحبة، ولا يعظِّمون مقام الرَّجاء والخوف، بل ربما استنقصوا مقام الرَّجاء والخوف، وهذا من أغلاطهم، كما يروى عن بعضهم قوله: (أنا لا أعبد الله حُبًَّا ورَغبَةً في جنَّتِه ولا خَوفًَا من نَارِه)، بمعنى أنَّه لا يعبده إلا بدافع الحبِّ فقط، وهذا غلطٌ (١)؛ فالله تعالى أمر بخوفه ورجائه وأثنى على أوليائه بالخوف والرجاء فقال تعالى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ في الخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًَا وَرَهَبًَا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
ولعل هذه المقدمة تنفع في ملاحظة ما سيأتي من استشهادات المؤلِّف ﵀ بعبارات بعض أعلام الصوفية، كما ذكره هنا، لكن جملةُ ما ذَكَرَه هنا أنَّ محبةَ الله الصادقة تقتضي محبَّة ما يُحِبه وبُغضَ ما يُبغِضه، وأنَّ خلاف ذلك قادحٌ في المحبَّة بقدرِ ما يقع من تلك المخالفة، وهذا كلامٌ صحيحٌ، وحقٌ لا نزاع فيه.
(١) قال الشيخ سفر الحوالي - شفاه الله - في «ظاهرة الإرجاء» (ص ٣٧٨): (وضَلُّوا -يعني الصوفية- في الرَّجاء والمحبَّة، حيث افتعلوا بينهما تناقضًا، فاحتقروا الرجاء واعتبروه «أضعف مقامات المريدين»، وغلوا في المحبة حتى أسقطوا ما يقابلها من الخوف، وجعلوا هَمَّهم -بزعمهم- عبادة الله لذاته، لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره، وجعلوا ذروة المحبة الفناء في المحبوب، ولهذا قال فيهم السلف: «من عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق»، وأفضى بهم هذا إلى احتقار الجنة والنار، واحتقار مقام الأنبياء، بل اعتقاد الحلول والوحدة! عياذًا بالله.
ومن الناحية العلمية وضعوا قاعدة: «المحبة نارٌ في القلب تُحرِقُ ما سوى المحبوب»، واتخذوها ذريعة للتَّنَصُّلِ من التعبُّدَات التي تشغلهم عن المحبوب - بزعمهم - كالاشتغال بجهاد أعدائه وتعلم دينه وتعليمه ونشر دعوته بين العالمين).
وقال أيضًا (ص ٩٨ حاشية رقم ١): (وحصيلة دعوى عبادته سبحانه لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره أنها إنكار للافتقار الذاتي إلى الله، وكفى بذلك بدعةً وضلالًا، ولهذا قال من قال من السلف: (من عَبَدَ الله بالحبِّ وَحْدَه فهو زنديق).
وسيأتي قريبًا في كلام الشارح مزيدُ بسطٍ في نقد هذا المسلَك.