209

Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة

اختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه في حادثة الإسراء والمعراج
لقد استنبط منها العلماء استنباطا اختلفوا فيه وهو عندما تردد النبي ﷺ بين موسى وبين الله وهو يكلمه من وراء حجاب، هل رأى محمد ربه بعينه أم لا؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: النفي مطلقًا، فلم يره لا بقلبه ولا ببصره، وهذا قول عائشة ﵂ وأرضاها.
واستدلت على قولها بقول الله ﵎ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقالت: قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١].
القول الثاني قول ابن عباس ﵁ وأرضاه وهو: أنه رأى ربه بعينه، وهذه رؤية بصرية، فقد قال ابن عباس: والذي نفسي بيده قد رأى محمد ربه، وذلك عندما سئل أرأيت ربك؟ قال: (نور إني أراه) فقد أثبت هنا الرؤية البصرية.
القول الثالث: وهو قول منسوب لـ عائشة وسنده ضعيف ومنسوب لـ ابن عباس أيضا، وهو أنه رأى ربه بقلبه لا بعينه، والفرق بين هذا وذاك أنه رأى ربه بقلبه أي رؤية منامية، ولم يره بعينه.
وأدلتهم على ذلك حديث أتى به المصنف وهو أن النبي ﷺ قال: (أتاني ربي في المنام في أحسن صورة، ثم سألني: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فما عرفت، فوضع يده على صدري فوجدت برد أنامله على صدري، فعلمت كل شيء، فقلت: يختصم الملأ الأعلى في الدرجات والكفارات).
إذًا: النفي مطلقًا، والإثبات مطلقًا، والتفصيل وهو: أنه رآه بقلبه ولم يره بعينه، ونترك مسألة الرؤية القلبية، وننظر إلى القول بالرؤية البصرية وقول عائشة، فإن عائشة اشتد نكيرها على من يقول: إن الله رئي بالعين البصرية، وذلك لما قال لها مسروق: إن بعض الناس يقولون: إن محمدًا رأى ربه، قالت: قد قف شعري لما تقولون، من أخبركم أن رسول الله قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، تعني: الكذبة وهي تقصد الخطأ ولا تقصد الكذب الصريح، واستدلت بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وهذا دليل في غير محله؛ لأن المعارض والمخالف له أن يقول: نحن نوافق أن الله لا يُدَرك، وأن الله قد أحاط بكل شيء ولا يحيط به شيء سبحانه جل في علاه، لأن معنى الإدراك: الإحاطة، ونحن لا نحيط بالله أبدًا لا علمًا ولا سمعًا ولا بصرًا، والرؤية غير الإدراك، فهذا الدليل ليس في محله.
واستدلت بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] فقالت: إن محمدًا لم يرَ ربه؛ لأن لا الله لا يكلم نبينًا إلا عن طري الوحي أو من وراء حجاب.
لكي نقول: إن الله حقًا كلمه وكلمه من وراء حجاب، والكلام غير الرؤية، فلعله رأى ربه دون أن يكلمه، لكن لما كلمه كلمه من وراء حجاب، فتصبح الأدلة التي استدلت بها عائشة ﵂ وأرضاها أدلة ليست من القوة بمكان في محلها.
وأما ابن عباس فأدلته قوية فـ عائشة تنفي وابن عباس، يثبت، والقاعدة عند علمائنا: أن المثبت مقدم على المنفي؛ لأن الذي ينفي ليس معه علم، والذي يثبت معه زيادة علم، وزيادة العلم تتقدم على غيره، وهناك حديث آخر يصرح بأن الرسول ﷺ رأى ربه في مسند أحمد، فقد روى أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن الرسول ﷺ قال: (رأيت ربي) وهذا فصل للنزاع؛ لأن هذا تصريح، لكننا لا نخوض في هذا أيضًا، وأقول: إن محمدا ﵌ على الراجح من أقوال أهل العلم: أنه لم يرَ ربه، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (إنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا).
وأصوليا كما قررنا في الأصول: أن الخطاب للأمة خطاب لسيد الأمة وهو رسول الله ﷺ، فإذا قال رسول الله ﷺ لا تفعلوا كذا فهو ﷺ لا يفعل، إلا أن يدل الدليل بالتصريح أن هذه خصوصية لرسول الله ﷺ، فإذا قال النبي ﷺ: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) فيدخل النبي ﷺ في هذا الخطاب، فلن يرى ربه ربه حتى يموت بأبي هو وأمي.
وقد قال الله تعالى لموسى ﵇: (لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] وحتى لو كانت الآية على بابها في التأبيد فهي في التأبيد الدنيوي لا الأخروي، فالصحيح الراجح في ذلك: أن النبي ﷺ لم يرَ ربه في هذه الدنيا.
والرد على أدلة من قال: إن النبي محمدًا رأى ربه: هو أن ابن عباس لم يصرح بأنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ، فأصبح الدليل في الرفع محتملًا، والمقطوع به يقدم على المظنون؛ لأن الاحتمال ظن، والمقطوع به: أنه قال لن تروا ربكم، وقد قال ابن عباس: أتعجبون أن يجعل الله جل وعلا لإبراهيم الخلة، ولموسى الكلام، ولمحمد الرؤية.
ونحن لا نوافقه على ذلك، إذ جعل لمحمد الكلام وجعل لمحمد أيضا الخلة فقد اتخذ الله محمد خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وقد كلم الله جل وعلا الرسول ﷺ كما كلم موسى ﵇، وهذا دليل على فضل رسول الله ﷺ وسيادته على الخلق أجمعين، فهذا بالنسبة لكلام ابن عباس فالرد على هذا: أن نقول: له الخلة وله الكلام، وأما الرؤية فلا يختص بها أحد، ولا يرى أحد ربه في الدنيا.
ثانيًا: حديث النبي ﷺ أنه قال: (رأيت ربي) وهو حديث ضعيف؛ لأن قتادة مدلس، والذي يكفينا تدليس قتادة هو شعبة، والحديث من طريق حماد بن سلمة وهو ثقة ثبت لكنه ليس كـ شعبة فلا نأمن من تدليس قتادة وإن كان السند مسلسلًا بالثقات، فالسند فيه: حماد بن سلمة ثقة ثبت قتادة ثقة ثبت، وعكرمة الكلام فيه غير معتبر، وهو ثقة ثبت، وابن عباس ﵁ وأرضاه، فهو حديث مسلسل بالثقات، لكن التدليس يجعلنا نتوقف فيه، ويكون المقطوع به هو حديث: (لن تروا ربكم حتى تموتوا)، والذي يقول: بل رأى محمد ربه، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] نقول: هذه الآية يقصد الله بها جبريل ﵊، كما قالت عائشة: إن النبي ﷺ رأى جبريل في صورته وهيئته مرتين بستمائة جناح، المرة الأولى: عندما قال: زملوني زملوني، والمرة الثانية: عندما عرج به ﷺ بأبي هو وأمي.
ومن الأدلة على أنه لم ير ربه ببصره: ما جاء في حديث الترمذي: (أتاني ربي في أحسن صورة)، فالراجح والصحيح: أنه لم ير ربه في الدنيا، ولن يرى أحد ربه في الدنيا.
وأما في الآخرة فقد بينا أن الوجوه تصبح ناضرة؛ لأنها إلى ربها ناظرة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن ينظر إلى وجهه الكريم، ويتمتع بذلك وينعم به.
وصل اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

24 / 5